أوروبا تخشى زر الإيقاف الأميركي
لماذا تخشى أوروبا الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية؟تخشى أوروبا من قدرة الولايات المتحدة على تعطيل الخدمات الرقمية وأنظمة الدفع الأميركية، بعدما كشفت العقوبات على قاضٍ بالمحكمة الجنائية الدولية حجم النفوذ الأميركي على البنية الرقمية العالمية، ما دفع الاتحاد الأوروبي للبحث عن بدائل محلية وتعزيز السيادة التكنولوجية.

تصاعدت المخاوف داخل أوروبا من حجم الاعتماد على التكنولوجيا والخدمات الرقمية الأميركية،
بعدما كشفت العقوبات التي فرضتها واشنطن على قاضٍ في المحكمة الجنائية الدولية عن قدرة الولايات المتحدة على تعطيل
خدمات رقمية أساسية خارج حدودها. وبينما كانت هذه السيناريوهات تُعدّ بعيدة الاحتمال في السابق،
فإن التوترات السياسية المتزايدة بين ضفتي الأطلسي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في مفهوم “السيادة الرقمية” بشكل أكثر جدية.
هل تقتدي أوروبا بالصين لمواجهة عصر اللانظام؟
عقوبات أميركية تكشف هشاشة الاعتماد الرقمي الأوروبي
سلّطت صحيفة “فايننشال تايمز” الضوء على التداعيات الواسعة للعقوبات الأميركية التي استهدفت القاضي في المحكمة الجنائية الدولية نيكولا غيّو،
بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت،
على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب مزعومة في غزة.
وبحسب التقرير، لم تقتصر العقوبات على الجوانب القانونية أو المالية فقط، بل امتدت إلى الحياة الرقمية اليومية للقاضي،
إذ جرى تعطيل خدمات إلكترونية مرتبطة بشركات أميركية خلال فترة قصيرة.
نتيجة لذلك، أثارت الواقعة قلقاً واسعاً داخل أوروبا بشأن إمكانية استخدام واشنطن هيمنتها التقنية لفرض ضغوط سياسية على الحلفاء والخصوم على حد سواء.
التكنولوجيا الأميركية تتحول إلى أداة نفوذ سياسي
في السنوات الماضية، اعتقدت العواصم الأوروبية أن احتمال استخدام الولايات المتحدة لما يُعرف بـ”مفاتيح الإيقاف الرقمية”
ضد شركائها الغربيين يبقى أمراً مستبعداً.
إلا أن عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إلى جانب تصاعد الخلافات التجارية والسياسية، أعاد هذا السيناريو إلى الواجهة.
وترى دوائر أوروبية أن الاعتماد الكبير على الشركات الأميركية في مجالات الحوسبة السحابية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي،
والبنية الرقمية، يمثل نقطة ضعف استراتيجية قد تُستغل مستقبلاً كورقة ضغط جيوسياسي.
علاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن أوروبا تحقق فائضاً تجارياً كبيراً في قطاع السلع،
لكنها تعاني في المقابل من عجز واضح في قطاع الخدمات الرقمية، وهو ما يزيد من عمق الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة.
الاتحاد الأوروبي يبحث عن بدائل رقمية محلية
في مواجهة هذه التحديات، يسرّع الاتحاد الأوروبي جهوده لبناء بنية رقمية مستقلة نسبياً عن الهيمنة الأميركية.
وتشمل هذه التحركات الاستثمار في خدمات الحوسبة السحابية الأوروبية، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي محلية، بالإضافة إلى تعزيز صناعة الرقائق الإلكترونية.
ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن فك الارتباط الكامل مع التكنولوجيا الأميركية يبدو معقداً ومكلفاً للغاية،
بسبب الترابط العميق في سلاسل التوريد العالمية.
ومع ذلك، تمتلك أوروبا بعض نقاط القوة المهمة، من أبرزها شركة ASML الهولندية المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية،
إلى جانب شركتي Nokia وEricsson العاملتين في البنية التحتية للاتصالات.
أنظمة الدفع الأميركية تحت المجهر الأوروبي
على الصعيد المالي، بدأت أوروبا دراسة تطوير بدائل محلية لأنظمة الدفع الأميركية مثل Visa وMastercard،
بالتوازي مع مشروع “اليورو الرقمي” الذي يعمل عليه البنك المركزي الأوروبي.
ورغم أن هذه المشاريع لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس رغبة أوروبية متزايدة في تقليل الاعتماد على الأنظمة المالية الأميركية،
خصوصاً مع تزايد المخاوف من استخدام العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية كأدوات نفوذ سياسي.
حزمة أوروبية لتعزيز السيادة التكنولوجية
وفي سياق متصل، تستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق ما يُعرف بـ”حزمة السيادة التكنولوجية”،
والتي تستهدف دعم قطاعات الرقائق الإلكترونية، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي.
كذلك، بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، بينما تدرس دول أخرى اتخاذ خطوات مماثلة.
غير أن هذه الإجراءات تثير مخاوف من ردود فعل أميركية محتملة قد تؤثر في الاقتصاد الأوروبي والمستهلكين داخل القارة.
الذكاء الاصطناعي يعمّق الفجوة بين أوروبا وواشنطن
يرى التقرير أن ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية قد تمنح الولايات المتحدة نفوذاً أكبر خلال السنوات المقبلة،
بفضل تفوقها في القدرة الحاسوبية، والبنية السحابية، والوصول إلى البيانات والمستخدمين على نطاق عالمي.
وفي المقابل، لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسماً بشأن استخدام أدوات أكثر تشدداً ضد شركات التكنولوجيا الأميركية،
مثل “أداة مكافحة الإكراه” التي تسمح بفرض قيود على واردات الخدمات الرقمية.
وفي ختام التقرير، لخّص القاضي نيكولا غيّو حجم هذه الإشكالية بقوله إن المستخدمين لا يدركون مدى اعتمادهم على التكنولوجيا الأميركية
إلا عندما يفقدون السيطرة عليها بشكل مفاجئ.
رابط المقال المختصر:





