هل تنجو إيران من فخ “الوعود المسمومة”؟
لسنا أمام رغبة حقيقية في السلام، بل أمام حالة من "التقاط الأنفاس" القسري؛ فالمعتدي الذي استمرأ القتل والغطرسة يحتاج أحياناً لهدنة لا ليوقف الحرب، بل ليعيد ترتيب أوراقه المهترئ

صورة تعبيرية للمقال
تكتيك “الأنفاس المقطوعة
لا يحتاج المرء لجهد جهيد كي يدرك أن ما يجري الآن في غرف المفاوضات المظلمة بين واشنطن وطهران، وما يوازيها من ضجيج المدافع في غزة ولبنان، ليس إلا فصلاً جديداً من فصول “الخداع الاستراتيجي” الذي تتقنه الإدارة الأمريكية.
نحن لسنا أمام رغبة حقيقية في السلام، بل أمام حالة من “التقاط الأنفاس” القسري؛ فالمعتدي الذي استمرأ القتل والغطرسة يحتاج أحياناً لهدنة لا ليوقف الحرب، بل ليعيد ترتيب أوراقه المهترئة.
تحليل إخباري: الساعات الحاسمة في الخليج
الإمارات: بريق الواجهة و الأسئلة الثقيلة
الشر القادم خلف قناع الهدنة
إن التاريخ، لمن يقرأه بوعي، يخبرنا أن “الشر الأمريكي” لا ينام، بل يغير جلده. تلك “الاتفاقات المؤقتة” التي يتم التلويح بها الآن، ليست في حقيقتها إلا “فخاخاً دبلوماسية”.
فالمؤشرات كلها تؤكد أن نقض الاتفاق هو الأصل في السياسة الأمريكية، خاصة إذا كان المستفيد هو “الربيب المدلل” في المنطقة.
واشنطن اليوم تحارب إيران بأدوات مختلفة، وهي في واقع الأمر تخوض “حرباً بالوكالة” وبالأصالة من أجل تثبيت أركان الكيان الإسرائيلي الذي بدأ يفقد اتزانه الأخلاقي والسياسي أمام صمود المقاومة.
عقدة “النووي” والاتهامات المعلبة
يعيد التاريخ نفسه بصورة تدعو للسخرية المريرة. فذات “الاتهامات المعلبة” التي استُخدمت لتدمير العراق بحجة “أسلحة الدمار الشامل” – والتي ثبت كذبها لاحقاً بشهادة صانعيها – تُخرجها الإدارة الأمريكية اليوم من ثلاجتها لتلصقها بإيران.
يزعمون أن طهران تسعى لامتلاك سلاح نووي، وهو زعم يفتقر للصدق بقدر ما يفتفر للمنطق، في حين يغمض العالم “الأعور” عينيه عن الترسانة النووية الحقيقية التي يمتلكها الكيان المحتل، والتي لا تخضع لتفتيش، ولا تقيدها مواثيق، ولا يجرؤ أحد على مساءلتها.
إن الهدف الحقيقي ليس “منع النووي”، بل هو السيطرة على “اليورانيوم المخصب” وتدمير المفاعلات الإيرانية، لضمان بقاء إسرائيل “سيدة للمنطقة” بلا منازع، ولإبقاء القوى الإقليمية في حالة من التبعية والهوان.
انكسار هيبة “الغطرسة”
رغم كل آلات القتل التي فُتحت أفواهها في غزة ولبنان، ورغم سياسة “الأرض المحروقة”، إلا أن النتيجة جاءت عكسية للكيان. لقد أصبح هذا الكيان “منبوذاً” ومكروهاً في المحافل الدولية وفي وجدان الشعوب.
يظهر ذلك نماذج السقوط الأخلاقي: ما نراه من حركات المقاطعة العالمية، والاحتجاجات العارمة في كبرى الجامعات الغربية، والمواقف السياسية لعديد من دول أمريكا اللاتينية وحتى الأوروبية، يثبت أن “الغطرسة” لم تعد كافية لتلميع صورة القاتل.
إن هذا الكيان، وبقراءتي للمشهد، يسير في طريق مسدود؛ فبمجرد أن تقرر واشنطن – تحت ضغط أزماتها الداخلية أو استنزاف قدراتها – رفع يدها عنه أو تخفيف الدعم، سيتهاوى هذا البنيان كبيت من العنكبوت، لأنه يفتقر للجذور الحقيقية في الأرض.
إيران ولعبة “نفس الطويل”
في المقابل، تدير إيران معركتها بنوع من “العناد الدبلوماسي” المسنود بقوة الميدان. هي لا تخشى التهديدات الأمريكية لأنها ببساطة تمتلك “أوراق ضغط” تمتد من الممرات المائية الحيوية وصولاً إلى عمق التحالفات الإقليمية.
طهران تعي جيداً أن النظام الأمريكي، ورغم ضخامة عضلاته العسكرية، يعاني من هشاشة في “الجبهة الداخلية” ولا يقوى على خوض “حرب استنزاف” طويلة الأمد.
إنها معركة “إرادات” قبل أن تكون معركة “رصاص”. وإيران تلعب على وتر الزمن، مدركة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان الآن شراء الوقت لتغيير شكل المنطقة برمته.
لا تنخدعوا بالسراب
إن ما نراه من هدوء حذر ليس إلا السكون الذي يسبق العاصفة. توقعوا من أمريكا الغدر في أي لحظة، وتوقعوا من إسرائيل خرق كل العهود؛ فهؤلاء لا يفهمون إلا لغة القوة، ولا يحترمون إلا القوي الذي يرفض الانكسار.
إن المنطقة اليوم على فوهة بركان، والرهان الوحيد هو الصمود، فزوال الكيان ليس نبوءة غيبية، بل هو نتيجة منطقية لعدالة التاريخ التي لا تخطئ






