حاول الكاتب، في لحظة ضعف إنساني مفهومة، أن يُهذّب القادم، أن يُخضعه، أن يُقلمه ليصير أكثر قبولًا، أكثر أمانًا… لكني أرى أن تلك المحاولة—في جوهرها—بائسة.
صورة تعبيرية من وحي المقال
مشاركة:
حجم الخط:
الكتابة لا تستجدى
كل المحاولات التي استدعيتُ، أو قل استجديتُ فيها الكتابة، باءت بالفشل الذريع، وكان مصيرها الحذف أو سلة المهملات. أدركت أن الكتابة ليست فعلًا إراديًا خالصًا، بل حالة من الاتصال الروحي بشيء ما؛ فيضٌ جارف من حكمةٍ تأتي، لا يملك الكاتب—مهما بلغت قدراته—أن يعرقلها أو يوقفها.
كل ما يستطيع فعله هو الخضوع، ومحاولة لملمة الشظايا المتناثرة، وإعادة توجيهها في مسارٍ لا يصطدم تمامًا مع روحه وقناعاته.
أنها الفيض ولن أخفي سرًا: أحيانًا يأتي هذا الفيض على عكس قناعات صاحبه. هنا تحديدًا تحدث المعجزة الحقيقية للكتابة، وتبدأ المعركة.
يحاول الكاتب، في لحظة ضعف إنساني مفهومة، أن يُهذّب القادم، أن يُخضعه، أن يُقلمه ليصير أكثر قبولًا، أكثر أمانًا… لكني أرى أن تلك المحاولة—في جوهرها—بائسة. لأن هذا “التهذيب” المزعوم لا يفعل إلا أن يُضعف الفيض، ويُربك الاتصال، وربما يطمسه تمامًا، فتخرج الكتابة باهتة، مسطّحة، بلا روح. وتلك—في تقديري—جريمة في حق الفكرة قبل أن تكون في حق الكاتب. لكن، وللإنصاف، للكاتب أعذاره.
فليس كل أحد قادرًا على دفع ثمن الصدق كاملًا.
التصادم مع المجتمع، ومناهضة أفكاره السائدة، له كلفة باهظة، لا يتحملها إلا القليل. وهنا تبدأ المساومة: قليل من الصدق… وقليل من المداهنة… ومساحة رمادية يعيش فيها النص، لا هو قال كل شيء، ولا هو صمت.
وقد رأينا ذلك—بدرجات متفاوتة—حتى عند كبار الكُتّاب. لا طعنًا فيهم، ولا انتقاصًا من قيمتهم، ولكن توصيفًا لحالة إنسانية تتكرر. فهم—كغيرهم—كانوا جزءًا من سياقات وضغوط، فرضت عليهم أحيانًا أن يهادنوا، أو يؤجلوا، أو يلتفوا حول ما لا يمكن قوله صراحة. وفي المقابل، هناك من اختار طريقًا آخر؛ التزم بما جاءه كما هو، ورفض المساومة. فكان الثمن قاسيًا: تهميش، أو اغتيال معنوي، وربما ما هو أكثر. والتاريخ—قديمه وحديثه—لا يخلو من أمثلة. ولست هنا بصدد تعدادها… ربما لأنني، مثل غيري، لا أملك الشجاعة الكاملة، أو ربما لأنني—ببساطة—أكتب الآن عن الحالة، لا عن الأشخاص. الحقيقة أني غير معني بردود الأفعال، بقدر ما يعنيني رصد تلك اللحظة النقية في الإبداع: لحظة الفيض، وما يعتريها من ضعف أو مقاومة أو مساومة. وفي النهاية… نحن—في الغالب—أبناء تلك المساحات الرمادية، نحاول أن نقترب من الصدق قدر ما نستطيع، ونخاف منه قدر ما نستطيع أيضًا. لنا الله… ولمصر دعاؤنا، أن يحميها من الفتن.
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وعرض إعلانات مناسبة وتحليل الزيارات.
سياسة ملفات تعريف الارتباط
تخصيص تفضيلات الكوكيز
ملفات ضرورية مفعّلة دائمًا˅
مطلوبة لتشغيل الموقع الأساسي ولا يمكن إيقافها؛ تشمل كوكي حفظ قرار موافقتك نفسه، وكوكيز ووردبريس القياسية لحفظ اسمك وبريدك عند كتابة تعليق، والحماية الأساسية من الرسائل المزعجة. لا تُخزّن هذه الملفات أي معلومات شخصية.
تحليل الأداء ˅
نستخدم Google Analytics لفهم كيفية تفاعلك مع الموقع (الصفحات الأكثر مشاهدة، متوسط وقت التصفح) بشكل مجمّع ومجهول المصدر، لمساعدتنا على تحسين المحتوى والتصميم.
الإعلانات ˅
تُستخدم بواسطة Google AdSense لعرض إعلانات أكثر ملاءمة لاهتماماتك بناءً على تصفحك. الجهات المعلنة لا تخزّن معلومات شخصية مباشرة، لكنها تستخدم معرّفات فريدة خاصة بمتصفحك أو جهازك.
جهات خارجية / وسائط اجتماعية ˅
تُفعّل عرض فيديوهات ومنشورات مضمّنة من يوتيوب وفيسبوك وX (تويتر)؛ هذه المنصات لا يتم تحميلها إلا بعد موافقتك على هذه الفئة تحديدًا، وقد تضع ملفات تعريف ارتباط خاصة بها خارجة عن سيطرتنا المباشرة.
ملفات وظيفية قريبًا˅
فئة محجوزة لميزات قادمة (مثل حفظ تفضيلات قراءة/استماع المقالات بصوت مسموع). غير مُفعّلة حاليًا ولا تُستخدم لأي غرض بعد؛ سيتم تفعيلها فقط عند إطلاق تلك الميزة فعليًا مع تحديث هذه الصفحة.
شاركنا برأيك