مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

أكاديمية الفنون (2) حين تنكسر “دبلوماسية الترضية”

كن الأخطر من ذلك، هو التوقيت؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه المعهد العالي للسينما اعتماد "الجودة" خلال أيام قليلة، نجد الإدارة تختار التصعيد الكارثي

مشاركة:
حجم الخط:

السقوط في فخ أنصاف الحلول

لم تكن زيارة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، رئيسة أكاديمية الفنون، لمقر قسم التصوير بمعهد السينما مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت “مناورة اللحظة الأخيرة” لاحتواء حريق بدأ يلتهم صورة الإدارة في عيون الوسط الثقافي.

لكن، وكما هو متوقع من “قلعة التصوير” التي اعتادت ضبط الكادر على الحقيقة فقط، جاء الرد صاعقاً؛ فالأزمة لم تعد مجرد خلاف على قيد طالب، بل تحولت إلى معركة “كرامة مهنية” ترفض أنصاف الحلول أو سياسة “التحقيقات الصورية” التي تهدف لمنح صكوك غفران مشروطة.

لكن الأخطر من ذلك، هو التوقيت؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه المعهد العالي للسينما اعتماد “الجودة” خلال أيام قليلة، نجد الإدارة تختار التصعيد الكارثي.

إن مثول مجلس قسم التصوير ومجلس المعهد بالكامل للتحقيق صباح اليوم الثلاثاء هو “رصاصة الرحمة” التي تُطلق على معايير الجودة، وكفيل بإهدار جهود سنوات وضياع الاعتماد بسبب ” إدارة” لا تدرك قيمة الاستقرار الأكاديمي.

د. محمد فؤاد يكتب: لبنان بين وهم الحياد وحقيقة الميدان

د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء

ماذا يحدث في أكاديمية الفنون ؟

جذور الأزمة: كيف تحول “قيد طالب” إلى زلزال؟

بدأ الأمر مع تولي الإدارة الجديدة مهامها، حيث برزت محاولة لقيد طالب (نجل أحد القيادات) في مرحلة الدراسات العليا بمنتصف الفصل الدراسي الثاني.

هذا الإجراء، الذي يبدو في ظاهره إدارياً بسيطاً، كان يحمل في طياته “لغماً” قانونياً وأخلاقياً.

فالمادة (42) من لائحة معهد السينما ليست مجرد نص جامد، بل هي صمام الأمان الذي يضمن أن الدراسات العليا ليست “نزيلاً” يدخل متى شاء، بل هي عملية تعليمية تبدأ وتنتهي في مواعيد محددة لضمان جودتها.

رفض قسم التصوير تنفيذ “الاستثناء” كان بمثابة إعلان مبادئ: المؤسسات العريقة لا تُدار بـ “الالتماسات”، بل بالعدالة التي تسري على الجميع.

التصعيد الكبير: حين يُحاكم “الضمير المهني”

بدلاً من أن تمتص رئاسة الأكاديمية غضبة الأساتذة وتراجع قانونية القرار، اختارت مسار “ليّ الذراع”.

فجاء القرار الصادم بتحويل مجلس قسم التصوير ومجلس المعهد بالكامل للتحقيق.

هذا الإجراء لم يكن فقط سابقة تاريخية مُخجلة في حق قامات فنية، بل كان رسالة ترهيب واضحة لكل من يجرؤ على قول “لا” في وجه القرارات فوق الفوقية.

هنا، تحولت الأزمة من “مشكلة قيد” إلى “أزمة هوية”؛ هل الأكاديمية هي “عزبة” تُدار بالتعليمات، أم هي “جامعة” تُدار بمجالسها العلمية المستقلة؟

الحكم قبل المداولة

حاولت رئيسة الأكاديمية اتباع نهج “دبلوماسي” عبر زيارة القسم، وهي خطوة تُحسب لها في الظاهر، لكن باطنها كشف عن فجوة أعمق. فحسب بيان القسم، تضمن الحوار “طمأنة” للأساتذة بأن التحقيق سينتهي بنتيجة مسبقة وهي “عقوبة مخففة” (التنبيه).

هنا يكمن مكمن الخطر؛ فكيف لمسؤول أن يعلن نتيجة تحقيق لم يبدأ بعد؟ إن هذا المنطق ينسف فكرة “العدالة” من أساسها.

فمجلس قسم التصوير لا يساوم على “حجم العقوبة”، بل يرفض “مبدأ الإدانة” من الأساس.

فالتنبيه، في لغة القانون الإداري، هو إدانة بحد ذاته، وقبوله يعني اعتراف الأساتذة بأنهم أخطأوا حين تمسكوا باللائحة، وهو ما رفضه الأساتذة جملة وتفصيلاً.

العدالة لا تُجزأ

جاء بيان قسم التصوير الأخير ليرسم خطاً فاصلاً بين “الاحترام الشخصي” و”الثبات المبدئي”. الكلمات كانت واضحة كعدسة “أري” (Arri) في ضوء النهار:
– الرفض القاطع للمقايضة: رفض الأساتذة فكرة “العقوبة المخففة” كحل وسط.

– التمسك بالبراءة الكاملة: لأن “إعلاء القانون” ليس تهمة لكي يُعاقب عليها المرء.

أكد البيان أن هذا الثبات ليس عناداً شخصياً، بل هو حماية لمستقبل المعهد ولأجيال قادمة من الطلاب الذين يجب أن يتعلموا أن “الحق” لا يسقط بالتقادم أو بالتهديد.

هيبة المؤسسة في مواجهة “البروباغاندا

نحن أبناء هذا البيت، نتذكر كيف كانت الأكاديمية تدار بحكمة الكبار. منذ عهد ثروت عكاشة، كانت الأكاديمية منارة لأنها كانت تحترم “الأستاذ” وتثق في “المجالس العلمية”.

ما نراه اليوم من انشغال باللقطات الإعلامية وشهادات التقدير “الهزيلة” (التي تروج لها الإدارة) في عز الأزمة، هو انفصال تام عن الواقع.

إن جودة التعليم في معهد السينما لم تأتِ من فراغ، بل من “صرامة” الأقسام العلمية.

وعندما تهتز هذه الصرامة لصالح “حالة فردية”، فإننا لا نخسر قانوناً فحسب، بل نخسر “سمعة دولية” بُنيت عبر عقود.

هل ينتصر “العلم” على “الإدارة”؟

إن أزمة أكاديمية الفنون اليوم هي “بروفة” لما يمكن أن يحدث حين تتصادم البيروقراطية مع القيم الأكاديمية.

قسم التصوير بموقفه هذا لا يدافع عن نفسه فقط، بل يدافع عن “هيبة” الأستاذ الجامعي في كل ربوع مصر.

الرسالة الآن واضحة لرئاسة الأكاديمية ولوزارة الثقافة

إن “دبلوماسية الغرف المغلقة” ووعود “العقوبات المخففة” لن تُنهي هذا الصدع. الحل الوحيد هو الاعتذار الصريح لمجالس الأقسام، وإلغاء كافة إجراءات التحقيق “البطولية” التي اتُخذت ضد من طبقوا القانون، والعودة إلى المسار الأكاديمي الصحيح الذي يحترم تخصصاتنا.
الأكاديمية الآن على مفترق طرق: إما أن تظل “محراباً للفن والعدل”، أو أن تتحول إلى “إدارة شؤون موظفين” تمنح الاستثناءات لمن يملك “الواسطة”.

ونحن، كأبناء هذا البيت، سنظل ندعم موقف قسم التصوير، ليس من أجل “عناد”، بل لكي يظل معهد السينما شامخاً، ولكي لا تصبح “الاستثناءات” هي القاعدة التي تُكتب بها نهاية تاريخنا العظيم.

شارك المقال: