مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

وزير بلا ظل: يوسف بطرس غالي يعود ليروي “الحقيقة” التي يريدها

أصر غالي على أن مغادرته مصر لم تكن هروبا، بل رحلة عادية لزيارة نجله المصاب في لبنان، وأنه كان يعتزم العودة بعد أسبوع

مشاركة:
حجم الخط:

بعد 14 عاما من الغياب، عاد يوسف بطرس غالي ليطل من جديد عبر بودكاست “موعد مع لميس”، في حوار بدا وكأنه محاولة لكتابة مذكرات منتقاة، تنصف صاحبها وتبرئه من تهم الرحيل والفساد والانهيار. لكن هل يستطيع التاريخ أن يخدع بسردية “الميكانيكي الشاطر”؟

في مشهد بدا وكأنه مأخوذ من فيلم سياسي، هبط يوسف بطرس غالي في مطار القاهرة أوائل 2025 ليجد وزير المالية الحالي في استقباله. مشهد الترحاب الرسمي هذا، وإن كان مفاجئا للرجل الذي قضى 14 عاما في “صحراء لندن”، يطرح سؤالا لا مفر منه: كيف يعود رجل غادر مصر في 11 فبراير 2011، صدر ضده حكم غيابي بالسجن 30 عاما، ليجد نفسه موضع ترحيب رسمي وشعبي؟

الإجابة تكمن في السردية التي بنها غالي بعناية خلال حواره.

“أخطاؤنا” ولكن!

اعترف غالي بأن فريقه الاقتصادي ارتكب أخطاء. لكنه سرعان ما حول الاعتراف إلى تبرير: الخطأ الأكبر كان في عدم الجرأة على رفع دعم الطاقة، والسبب؟ الرئيس مبارك كان يرفض.

هكذا يضع غالي نفسه في موقع “المصلح” الذي كان يعرف الطريق الصحيح، لكنه كان مقيدا بإرادة الرئيس.

سردية مريحة، لكنها تتناقض مع صورة الرجل الذي وصف نفسه بـ”الزنان” الذي كان يواصل الضغط حتى يقتنع مبارك. فهل كان “زنانا” أم “منفذا”؟ يبدو أن الرواية تتغير حسب ما يخدم الموقف.

هروب أم رحلة أسبوع؟

أصر غالي على أن مغادرته مصر لم تكن هروبا، بل رحلة عادية لزيارة نجله المصاب في لبنان، وأنه كان يعتزم العودة بعد أسبوع. لكن الحقيقة الأكثر إيلاما أنه غادر بملابس أسبوع واحد وعاد بعد 14 عاما، تاركا خلفه حكمًا قضائيا يتهمه بالفساد.

اللافت أن غالي تحدث عن تفاصيل دقيقة في حواره: أرقام، تواريخ، مكالمات هاتفية، بل وحتى تفاصيل “الفراش والقهوة” مع مبارك. لكنه في المقابل، تغاضى عن سؤال جوهري: كيف لرجل بريء أن يغادر بلده ولا يعود لمواجهة التهم طيلة 14 عاما؟ وكيف تتحول رحلة أسبوع إلى غياب يزيد على عقد من الزمن، في ظل وجود محام واحد يمكنه توكيله للدفاع عنه؟

“الفلوس ما راحتش”ومن يتذكر المعاشات؟

دافع غالي بقوة عن ملف استثمار أموال التأمينات في البورصة، مؤكدا أن الأموال لم تخسر بل حققت عائدا متوسطه 23% سنويًا.

لكن السؤال الذي طرحه كثيرون على وسائل التواصل، ولم يجب عنه غالي:

أين ذهبت هذه العوائد؟ وكيف يستفيد منها صاحب المعاش البسيط الذي كان يقف في طوابير البرد منذ منتصف الليل ليحصل على معاشه؟

غالي تحدث بفخر عن ميكنة منظومة المعاشات وكروت الصرف، لكنه نسي أن يذكر أن المعاش نفسه ظل هزيلا، وأن الميكنة وحدها لا تطعم جوعى.

“الميكانيكي” الذي نسي أن يصلح “العربية”

وصف غالي نفسه بـ”الميكانيكي” الذي يعرف كيف يصلح “العربية” لكن من يتأمل المشهد الاقتصادي المصري اليوم، يتساءل:

أين كان هذا “الميكانيكي” عندما كانت “العربية” تتعطل؟ وكيف يتحمل مسؤولية إصلاحها اليوم، بعد أن تركها في 2011 وهي تنهار؟

الرجل اعترف بأن “الدريم تيم” حقق نموًا فاق 7%، لكن النمو دون عدالة توزيع يتحول إلى سراب. وهو ما أقر به ضمنا عندما تحدث عن “معاناة الناس في الشارع”. فهل كان النمو الاقتصادي في عهده مجرد أرقام على الورق، لا تصل إلى جيوب الفقراء؟

علاقة “مودة” مع الصندوق وماذا عن المواطن؟

توقع غالي أن تتحول علاقة مصر بصندوق النقد الدولي إلى “علاقة مودة وصداقة فقط دون شروط” بحلول نهاية 2026. تصريح يبدو بريئا، لكنه في جوهره رسالة تطمين للأسواق العالمية، وليس للمواطن المصري الذي يسأل: متى تأكل أسرتي من أرقام النمو هذه؟

غالي أجاب عن هذا السؤال بصراحة مؤلمة: “من يحدد جدولا زمنيا يبيع تمنيات”، وأن الآثار تحتاج 3 إلى 4 سنوات. اعتراف صادق ربما، لكنه يعكس فجوة عميقة بين لغة الاقتصاديين ومعاناة البشر.

في النهاية: التاريخ لا يشترى بسردية

قال غالي في ختام حواره: “يكفيني أن أُذكر في هامش بسيط من تاريخ مصر، بكلمة واحدة: ميكانيكي شاطر صلح العربية كتير” أمنية جميلة، لكن التاريخ لا يكتب بالأمنيات، ولا يشترى بسرديات منقحة.

غالي غادر مصر تاركا خلفه حكما قضائيا، وعاد ليجد ترحيبا رسميا. غادر تاركا اقتصادا يعاني، وعاد ليتحدث عن “الطريق الصحيح”. غادر هاربا من تهم الفساد، وعاد ليقول “الفلوس ما راحتش”. التناقضات في روايته كثيرة، والتاريخ سيكون أكثر قسوة من “الميكانيكي” الذي يظن أنه يستطيع إعادة ضبط المحرك بكلمة.

يوسف بطرس غالي يريد أن يذكر في هامش التاريخ. لكن التاريخ، كما يعلم الجميع، لا يكتب بهامش، بل بصلب الرواية. وروايته لا تزال بحاجة إلى كثير من المراجعة.

شارك المقال: