مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

د. محمود عبداللطيف يكتب: دعوة للتأمل في نظام امتحانات الثانوية العامة

يجد الطالب الحاصل على مجموع كبير نفسه مطالبا بكتابة تقارير، شرح أفكار معقدة، وتحليل مشكلات تتطلب تفكيرا نقديا وإبداعيا،

مشاركة:
حجم الخط:

فرصة حقيقية أم تفوق ورقي؟ 

نجتمع جميعا، أولياء أمور ومعلمين ومسؤولين، على هدف واحد نبيل: أن يحصل كل طالب في مصر على تعليم جيد، وأن يتم تقييمه بطريقة عادلة تعكس قدراته الحقيقية، ليكون مستقبله ومستقبل بلدنا مشرقا.

من هذا المنطلق الهام، تأتي هذه الدعوة الصادقة للتأمل في نظام امتحانات الثانوية العامة الحالي، أو ما يعرف بـ “البوكليت” ليس لانتقاده، ولكن لنرى معا ما إذا كان يحقق هذا الهدف السامي على أكمل وجه، أم أن هناك مساحة للتطوير نحو الأفضل.

لنفكر معا في طبيعة النظام الحالي:

يعتمد بشكل أساسي على اختيار إجابة واحدة من بين عدة خيارات.

هذا الأسلوب بلا شك له مميزات في سرعة التصحيح ودقته في رصد الدرجة. لكن، هل تساءلنا يوما: ما الذي نقيسه حقا بهذه الطريقة؟

في كثير من الأحيان، يقيس هذا النظام مهارة مهمة وهي “سرعة التعرف على الإجابة الصحيحة” أو “مهارة استبعاد الاحتمالات الخاطئة”

هذه مهارات جيدة، لكن هل هي وحدها كافية لنعرف أن الطالب يفهم المادة بعمق؟

هل تعكس قدرته على ربط المعلومات، أو التعبير عن فكرة بلغته الخاصة، أو بناء حجة منطقية متكاملة؟

الحقيقة أن التركيز الكبير على هذه المهارة وحدها قد يخلق فجوة غير مقصودة بين ما يحصل عليه الطالب من درجات وبين مستواه المعرفي الحقيقي.

د. محمود عبد اللطيف يكتب: (المسجد) حين يخلع البشر ألقابهم مع أحذيتهم

التحدي الأكبر يظهر لاحقا، وبالتحديد عند التحاق أبنائنا بالجامعة.

فجأة، يجد الطالب الحاصل على مجموع كبير نفسه مطالبا بكتابة تقارير، شرح أفكار معقدة، وتحليل مشكلات تتطلب تفكيرا نقديا وإبداعيا، وهي مهارات لم يتم تدريبه أو تقييمه عليها بالشكل الكافي في النظام القائم على الاختيارات.

هنا تكمن الصعوبة؛ الطالب لم يقصر، بل إن نظام التقييم السابق لم يؤهله بالشكل الأمثل لهذا الانتقال المفاجئ.

النتيجة التي نراها تتكرر هي معاناة بعض الطلاب المتفوقين دراسيا في سنواتهم الجامعية الأولى، ليس لنقص في ذكائهم، ولكن لعدم التوافق بين طريقة تعلمهم وتقيماتهم السابقة ومتطلبات المرحلة الجديدة.

في المقابل، دعونا نتذكر الامتحان المقالي.

صحيح أنه يتطلب وقتا وجهدا أكبر في التصحيح، لكنه يحمل في طياته فوائد تربوية عظيمة.

فهو أشبه بحوار فكري بين الطالب والمادة، يسمح للطالب بالتعبير عن فهمه، وللمصحح بتقدير طريقة تفكير الطالب ومنحه درجات على خطوات الحل والمنطق، وليس فقط على النتيجة النهائية.

هذا النوع من التقييم لا يقيس الحفظ فقط، بل يقيس الفهم، التحليل، والقدرة على الإبداع.

والأهم من ذلك أنه يقلل بشكل كبير من فرص التخمين أو الاعتماد على وسائل خارجية، لأنه يتطلب إنتاج إجابة وليس مجرد التعرف عليها، مما يجعل التقييم أكثر مصداقية وعدالة للطالب الذي اجتهد طوال العام.

قد يقول البعض إن النظام الحالي يريح الوزارة ويقلل التكاليف ويضمن سرعة إعلان النتائج، وهي أهداف إدارية مفهومة.

ولكن هنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل الهدف الأسمى من العملية التعليمية هو راحة الإدارة أم جودة مخرجات التعلم؟

إن الاستثمار الحقيقي في تصحيح الامتحانات المقالية من قبل معلمين متخصصين ليس تكلفة إضافية، بل هو استثمار طويل الأجل في تأهيل أجيال من الخريجين الأكفاء في الطب والهندسة والتعليم، الذين سيكونون قادرين على خدمة المجتمع بكفاءة واقتدار.

إنه ثمن ندفعه عن طيب خاطر لضمان أن تكون شهادة الثانوية العامة جواز سفر حقيقي للمستقبل، وليست مجرد رقم كبير لا يعكس الواقع.

في النهاية، هذه الكلمات ليست نقدا لأشخاص أو جهات، فنحن جميعا شركاء في الحرص على مستقبل أبنائنا.

إنها مجرد محاولة لفتح باب للنقاش الهادئ وإعادة التفكير: ما هو نظام التقييم الذي يصنع عقلا مفكرا وقادرا على مواجهة تحديات الحياة العملية؟

هل نريد نظاما يفرز طلابا يتقنون فن الاختيار من متعدد، أم نظاماً يبني طلابا يتقنون فن التفكير والإبداع؟

إن العودة إلى تقييم القدرة على الكتابة والتحليل، إلى جانب التطوير التكنولوجي، ليس رجوعا إلى الخلف، بل هو خطوة جريئة نحو مستقبل تعليمي أكثر قوة وإنصافا، يصب في النهاية في مصلحة الطالب أولا، ومن ثم في مصلحة وطننا الغالي مصر.

شارك المقال: