د. محمود عبد اللطيف يكتب: (المسجد) حين يخلع البشر ألقابهم مع أحذيتهم
متى يخرج المصلون بخشوعهم من المسجد، فلا يتركوه على بابه، بل يحملونه معهم إلى السوق والبيت والحقل والمصنع؟

الصلاة في فلسطين منهاج حياة (صورة وكالات)
خلف أبواب المسجد، حيث يخلع الناس نعالهم وألقابهم، يتجسد حلم قديم قدر له أن يظل هاربا من شوارع العالم.
هناك، في ذلك الفضاء المقدس
تتساقط الأسماء والأموال والمناصب كما تتساقط أوراق الخريف عن أغصانها، فلا يبقى إلا الإنسان عاريا أمام ربه، متوشحا بخشوعه وحده.
يخطو الغني في ردهة المسجد، فإذا هو فقير إلى رحمة الله، ويمشي الوزير في صحنه، فإذا هو رعية في مملكة السماء.
تذوب الفوارق كما يذوب الملح في الماء، وتنصهر الطبقات في بوتقة الصف الواحد. لا يتقدم هذا لأن جيبه مثقلة بالذهب، ولا يتأخر ذاك لأن كفه خاوية من الرزق.
الكل سواسية، كأسنان المشط، لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بخشية خفية في القلب، لا يطلع عليها إلا الله.
أليس هذا هو العدل الذي ننشده في مياديننا وحكوماتنا؟
أليس هذا هو النظام الذي تئن له أرواحنا في زمن صار فيه التفاوت قدرا مقدورا؟
تخيل معي، لحظة، عالما يمشي على هذا النهج.
صباحا يخلع فيه البشر أردية الغرور عند مداخل مكاتبهم، ويقفون صفا واحدا ينتظرون “صلاة” العمل، صامتين، متأملين، بلا ضجيج الحناجر ولا صخب المصالح.
لا يعلو صوت على صوت الواجب، ولا ترتفع قامة على قامة إلا بما تقدمه من خير.
الكل ينتظر دوره في هذه الصلاة الدنيوية بصبر المصلي، لا يتجاوز أحد صفه، ولا يدفع جاره بمنكبه طمعا في مكان أوسع.
في الخارج، في شوارع تلك المدينة الخيالية، ستكون الحياة قصيدة من السكينة.
سيختفي عويل سيارات الإسعاف وهي تنقل ضحايا الظلم، وستنخفض أصوات الباعة المتخاصمين على لقمة العيش.
سيفهم القوي أن قوته ليست سيفا يصول به على الضعيف، بل درع يحمي به ظهور المصلين من حوله.
سيعلم الغني أن ماله ليس تاجا يتوج به رأسه، بل أمانة في جيبه يؤديها في سكون، كما يؤدي المسلم ركعته لا يراه أحد.
إن سر هذا النظام العجيب لا يكمن في إجبار البشر على الوقوف صفا واحدا، بل في غرس اليقين في قلوبهم أن وقوفهم هذا هو عنوان كرامتهم.
في المسجد، لا يشعر الفقير أنه دخيل، بل هو في بيته، بل هو سيد في محراب العبودية.
وهذا الشعور هو ما ينقص إنسان اليوم، حيث تطحنه ماكينات المدن الكبرى، وحيث يقاس قدره بما يحمل في جيبه لا بما يحمل في قلبه.
لكن، هل تأملنا قليلا في ذلك الصمت المهيب الذي يسود المسجد قبل الصلاة؟
إنه ليس صمت قبور، بل صمت تأهب للحياة. إنه سكون يسبق العاصفة، عاصفة الخشوع التي تجتاح الروح.
في ذلك السكون، يسمع المرء حديث قلبه، ويراجع صفحات يومه، ويتطهر من غبار الطريق.
فماذا لو ساد هذا الصمت مجالس حكامنا وقاعات محاكمنا وغرف أخبارنا؟
ألن تقل الأكاذيب حين نصمت؟ ألن نتعلم الإنصات قبل الكلام؟
ألن نكتشف أن كثيرا من صراخنا هو مجرد ضجيج يغطي فراغا داخليا؟
إن الانتظار المنضبط في المسجد يعلمنا الصبر، ويعلمنا أن لكل شيء وقتا معلوما، لا نستعجله بضجرنا ولا نؤخره بتكاسلنا.
هذا الصبر هو الدواء الشافي لأمراض عصرنا، عصر السرعة والاستهلاك، حيث يريد الناس كل شيء دفعة واحدة، وحيث تزهق الأرواح والأحلام في سباق محموم نحو اللا شيء.
لو التزم العالم بهذا النظام، لتحولت حياتنا من سباق خيول إلى مسيرة حجيج، الكل يسير بهدوء نحو هدف واحد، يمسك بعضهم بيد بعض، لا ليسابق أحدهم الآخر، بل ليكملوا الطريق معا.
في ذلك الصف الواحد المتلاصق، قدم الفقير الحافي تلمس قدم الغني الناعمة، وكتف العامل المرهق يرتطم برفق بكتف المدير المترف.
إنه حوار صامت، درس عملي في الإنسانية.
يتذكر الغني هنالك أن النعيم لا يدوم، ويتذكر الفقير أن البلوى لا تطول، ويتذكر الاثنان معا أنهما من طين، وإلى الطين يعودان.
هذه التذكرة اليومية، لو حدثت في عالمنا خارج المسجد، لجفت منابع الكبر، ولماتت بذور الحسد في مهدها.
تلك هي الصورة التي نحلم بها:
عالم “مسجد”، بلا محراب سوى العدل، وبلا منبر سوى الحق، وبلا صفوف متقدمة ومتأخرة إلا بالعمل الصالح.
عالم يكون فيه الصمت قبل العمل عبادة، والتساوي بين الناس طهارة، والوقوف صفا واحدا هو عنوان الجهاد الأكبر ضد شياطين النفس والهوى.
إنه ليس حلما بعيد المنال
فبذور هذا النظام مزروعة في فطرة البشر، وتمارس يوميا خمس مرات في بيوت الله.
لكن السؤال الذي يبقى معلقا في سماء الروح هو:
متى يخرج المصلون بخشوعهم من المسجد، فلا يتركوه على بابه، بل يحملونه معهم إلى السوق والبيت والحقل والمصنع؟
متى تتحول تلك الدقائق المعدودات من المساواة السماوية إلى منهج حياة أرضية؟
حينها فقط، سندرك أن الصلاة لم تكن مجرد حركات وسكنات، بل كانت تدريبا إلاهيا على نظام الحياة الفاضلة، حيث يستوي الناس كأسنان المشط، ويتقدمهم إلى الله أتقاهم لا أغناهم ولا أقواهم.
هناك، في تلك اللحظة، سيسود السلام، لأن السلام لا يولد إلا من رحم العدل، والعدل لا يقام إلا على أركان المساواة.






