د. مجدي قرقر يكتب: بلاغة القيامة والنشور في القرآن الكريم
تتباين آراء المفسرين في عدد النفخات، حيث يرى الإمام ابن كثير أن هناك ثلاث نفخات يوم القيامة:

صورة تعبيرية للمقال
ما أشبه حركة الخلق يوم القيامة بحركة الفراش والجراد
اختلاف طبيعة الفراش والجراد
يقول رب العزة في كتابه الكريم في شأن يوم القيامة “يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ” (القارعة 4) ما يقول سبحانه “خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ” (القمر 7)
تدفعنا هذه الآيات إلى تأمل طبيعة كل من الفراش والجراد – وكلاهما من الحشرات – فإنه من المشتهر علميا أن الفراش يمتاز بالحركة الفردية العشوائية المضطربة، فهو يسير بشكل فوضوي غير منتظم ولا يتحرك في مسار محدد.
أما الجراد فيتميز بالحركة الجماعية المنظمة في أسراب، ويتميز بقدرته على التجمع وتكوين أسراب ضخمة منتظمة يمكنها الطيران لمسافات طويلة بحثا عن الطعام والتهام المحاصيل الزراعية.
يتبين لنا من ذلك أن الفراش يسير بشكل فوضوي غير منتظم وعشوائي بينما يتميز الجراد بقدرته على التجمع والطيران في أسراب ضخمة منتظمة، ومن هنا يثور التساؤل كيف يشبه القرآن حركة الخلق يوم القيامة بحركة الفراش في آية وحركة الجراد في آية أخرى رغم تباين وتضاد حركة الفراش والجراد؟
الإجابة على هذا التساؤل توضح وجهاً من وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم، حيث تتجلى دقة التشبيه الإلهي لحركة المليارات من خلقه سبحانه في أصعب لحظات الوجود:
ساعتي الصعق (القيامة – نهاية العالم) والنشور (البعث – بداية الحساب والجزاء) بحركتي الفراش والجراد.

اختلاف العلماء في عدد النفخات
تتباين آراء المفسرين في عدد النفخات، حيث يرى الإمام ابن كثير أن هناك ثلاث نفخات يوم القيامة:
(الفزع، والصعق، والبعث)
بينما يذهب الإمام القرطبي إلى أنهما نفختان فقط إذ يربط بين الفزع والصعق كحدث واحد. وأحسب أن هذا الاختلاف اختلافٌ في التصنيف لا في حقيقة الوقائع، وبالتالي فهو ليس اختلاف تعارض، ولا ينشأ عنه اختلاف في فهم الآيات.
نفخة الفزع والصعق والفراش المبثوث
عند وقوع نفخة الفزع والصعق المباغت، يصوّر القرآن الكريم حال الناس وما أصابهم من فزع ورعب وتحركهم في تخبط واضطراب:
“وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ” (النمل 87) ويوم يَنفخ الملَك في “القَرْن” فيفزع مَن في السماوات ومَن في الأرض فزعًا شديدًا مِن هول النفخة، إلا مَنِ استثناه الله ممن أكرمه وحفظه من الفزع.
“وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ …” (الزمر 68) ونُفِخ في “القَرْن” فصعق ومات كلُّ مَن في السماوات والأرض، إلا مَن شاء الله بقاءه.
وفي تلك اللحظة، لحظة الفزع والصعق تحديدا (نهاية العالم) تفقد فيها كل الكائنات من سماوات وبحار وجبال وكل الخلق السيطرة تماما، ويكون الناس في كثرتهم وتفرقهم وحركتهم المضطربة كالفراش المبثوث الذي يتخبط في اضطراب عند استشعار الخطر، “يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ” (القارعة 4).

نفخة البعث والجراد المنتشر
ومع نفخة البعث يخرج الخلق من الأجداث (البحر أو القبر الذي مات أو دفن فيه خلقه سبحانه) ويندفعون إلى أرض المحشر في أسراب منتظمة.
” ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (الزمر 68) ثم نفخ المَلَك في “القَرْن” نفخة ثانية مؤذنًا بإحياء جميع الخلائق للحساب أمام ربهم، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون ماذا يفعل الله بهم؟
“يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ” (ق 42) يوم يسمع الخلائق صيحة البعث بالحق الذي لا مِرْية فيه، ولا امتراء، ذلك يوم خروج الخلائق من أجداثها للحساب والجزاء.
“خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ” (القمر 7) ذليلة أبصارهم ومنكسرة، يخرجون من الأجداث في أسراب منتظمة بسرعة وانضباط نحو أرض المحشر التي دُعُوا إليها، كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم للحساب جرادٌ منتشر في الآفاق مسرعاً باتجاه واحد.
الخلاصة
إن هذا التفاوت البلاغي في تشبيه القرآن الكريم لحركة الخلائق يوم القيامة ساعة (الفزع والصعق) بالفراش المبثوث المضطرب، وتشبيهه لحركتهم ساعة الحشر (البعث) بالجراد المنتشر الذي يطير بانتظام، يوضح بجلاء وجهاً من وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم.
ويكشف عن دقة التعبير القرآني، وإحكام التصوير البياني، بما يزيد المؤمن يقينًا أن هذا القرآن تنزيلٌ من حكيم خبير:
“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء 82).






