آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

حين رفع لامين يامال علم فلسطين

أهمية المشهد لم تكن في طابعه الرياضي أو الرمزي وحده، بل في حجم التفاعل الذي أثاره داخل المجال العام الأوروبي

مشاركة:
حجم الخط:

إسبانيا وغزة وبداية التصدع في السردية الغربية

في مايو 2026، وخلال احتفالات برشلونة بالتتويج بلقب الدوري الإسباني، أثار اللاعب الإسباني الشاب لامين يامال موجة واسعة من الجدل بعد ظهوره وهو يرفع العلم الفلسطيني فوق حافلة الاحتفالات في شوارع برشلونة، في مشهد انتشر سريعًا عبر الإعلام الأوروبي ومنصات التواصل الاجتماعي، وتحول إلى واحدة من أكثر الصور الرمزية تداولًا في أوروبا خلال الحرب على غزة.
غير أن أهمية المشهد لم تكن في طابعه الرياضي أو الرمزي وحده، بل في حجم التفاعل الذي أثاره داخل المجال العام الأوروبي.

فحدة الانقسام بين التأييد والرفض، وسرعة انتقال الحادثة من الرياضة إلى السياسة والثقافة والإعلام، كشفت أن غزة لم تعد بالنسبة إلى أوروبا أزمة خارجية بعيدة، بل تحولت إلى مرآة تعكس تصدعًا متزايدًا داخل الوعي الغربي والبنية التفسيرية الأخلاقية التي حكمت الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد تجاوزت أصداء الحادثة المجال الرياضي سريعًا.

فبينما اعتبرت شخصيات إسرائيلية رفع العلم الفلسطيني موقفًا سياسيًا معاديًا، دافع آخرون داخل إسبانيا عن حق اللاعب في التعبير.

بل إن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أعلن دعمه العلني ليامال بعد الانتقادات الإسرائيلية، معتبرًا أن التضامن مع الفلسطينيين لا يمثل “تحريضًا على الكراهية”، بل يعكس موقفًا إنسانيًا يتقاسمه ملايين الإسبان.

في المقابل تحولت صورة يامال وهو يحمل العلم الفلسطيني إلى رمز متداول داخل غزة نفسها، حيث رُسمت جداريات له فوق أنقاض المباني المدمرة بوصفه أحد الوجوه الأوروبية التي كسرت الصمت التقليدي تجاه الحرب.

وهنا لم يعد الحدث مجرد واقعة رياضية عابرة، بل تحول إلى مؤشر على انتقال الصراع من المجال السياسي التقليدي إلى المجال الرمزي والإدراكي داخل المجتمعات الغربية نفسها.

ففي السنوات الماضية ظل الموقف الأوروبي تجاه فلسطين يتحرك داخل حدود اللغة الدبلوماسية الحذرة، لكن الحرب على غزة دفعت القضية هذه المرة إلى قلب المجال الحضاري الأوروبي: في الجامعات، والرياضة، والثقافة، والإعلام، وحتى داخل وعي الأجيال الجديدة التي باتت تنظر إلى الحرب بوصفها اختبارًا مباشرًا لصدقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي.

وحين تبدأ الفجوة بالاتساع بين الخطاب والممارسة، وبين القوة والقيم المعلنة، تدخل هذه المراكز تدريجيًا في مسار تآكل رمزي يسبق غالبًا التراجع السياسي المباشر.

وما كشفته غزة أن الأزمة لم تعد محصورة في السياسة التقليدية، بل بدأت تمس البنية الحضارية الغربية نفسها، حيث أخذت السرديات المؤسسة للمركز الغربي تواجه اختبارات متزايدة أمام الأجيال الجديدة والرأي العام العالمي.

كيف يؤثر صيام العشر الأوائل من ذي الحجة على الكوليسترول؟

د. محمد الغمري يكتب: ترامب والشجرة الصينية

غزة وأزمة الشرعية الحضارية الغربية

في غزة لم تتعرض صورة إسرائيل وحدها للاهتزاز، بل تعرضت أيضًا المرجعية الأخلاقية التي حكمت الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فالحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة عسكرية تحولت سريعًا إلى اختبار لقدرة الغرب على الحفاظ على اتساقه الأخلاقي، وإلى مرآة كشفت الفجوة بين خطاب حقوق الإنسان والممارسة السياسية الفعلية.

المشاهد القادمة من القطاع، وحجم الدمار الإنساني، والعجز الدولي عن فرض معايير متوازنة للقانون الدولي، دفعت قطاعات واسعة داخل أوروبا إلى مواجهة أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة منذ عقود: هل ما يزال الغرب قادرًا على تقديم نفسه بوصفه الحارس العالمي للقيم الليبرالية؟

وهل تستطيع أوروبا الحفاظ على صدقيتها في ظل هذا التناقض المتزايد بين المبادئ المعلنة والحسابات الجيوسياسية؟

هذا التحول لم يكن معزولًا عن تغير المزاج الأوروبي نفسه. فاستطلاعات الرأي خلال عامي 2025 و2026 أظهرت تصاعد الدعم الشعبي لوقف إطلاق النار والاعتراف بالدولة الفلسطينية، خصوصًا في إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا وفرنسا.

كما شهدت الجامعات الأوروبية واحدة من أكبر موجات الاحتجاج المؤيدة لفلسطين منذ عقود، واتسعت حملات المقاطعة الثقافية والأكاديمية المرتبطة بالحرب بصورة غير مسبوقة.
ويرى الباحث الأوروبي إلدار ماميدوف أن الحرب دفعت قطاعات داخل أوروبا إلى إعادة التفكير في العلاقة التقليدية مع إسرائيل بسبب الضرر الذي أصاب صورة الغرب عالميًا.

أما الباحث الأمريكي تريتا بارسي فاعتبر أن غزة تحولت إلى لحظة كاشفة لحدود النظام الدولي الغربي وقدرته على الحفاظ على اتساقه الأخلاقي.

وفي الاتجاه نفسه رأت لوموند أن الموقف الإسباني يعكس بداية انقسام أوروبي حقيقي حول كيفية التعامل مع إسرائيل بعد غزة، بينما وصفت فورين بوليسي التحركات الإسبانية والأيرلندية بأنها محاولة أوروبية لاستعادة الحد الأدنى من المصداقية الأخلاقية أمام المجال ما بعد الغربي.

كما حذر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من أن حرب غزة كشفت حدود السياسة الأوروبية التقليدية تجاه فلسطين، وأن الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي لم يعد متعلقًا فقط بالموقف من إسرائيل، بل بمستقبل الدور الأوروبي ذاته في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.

وأشارت تحليلات تشاتام هاوس إلى أن الحرب أضعفت قدرة الغرب على إدارة النظام الدولي أخلاقيًا، وأن الاعتراف الأوروبي المتزايد بفلسطين قد يمثل محاولة متأخرة للحفاظ على ما تبقى من المصداقية الغربية بعد غزة.

وقد عرف الغرب تحولات مشابهة خلال حرب الجزائر ثم حرب فيتنام وغزو العراق 2003، حين تحولت الحروب الخارجية تدريجيًا إلى أزمات تضرب صورة المركز الأخلاقية داخل مجتمعاته نفسها.

فالمراكز الكبرى تبدأ غالبًا بفقدان التماسك الرمزي قبل فقدان الهيمنة المادية، وهو ما أشار إليه أيضًا إيمانويل والرشتاين في تحليلاته المتعلقة بدورات صعود المراكز العالمية وتراجعها.
وفي جانب آخر، يقترب هذا التحول من توصيفات يورغن هابرماس حول أزمات الشرعية داخل الديمقراطيات الغربية، خصوصًا حين تبدأ المؤسسات بفقدان قدرتها على إنتاج الثقة والإجماع داخل المجال العام.

كما يلامس ما تحدث عنه أنطونيو غرامشي بشأن لحظات اهتزاز الهيمنة الثقافية وفقدان النخب التقليدية لقدرتها على ضبط المجال الرمزي وإنتاج المعنى.

إسبانيا بوصفها مؤشرًا على التحول الأوروبي

ومن بين أكثر الدول الأوروبية التي عكست هذا التحول برزت إسبانيا بوصفها أحد أوضح المؤشرات على المراجعة المتصاعدة داخل المجال الأوروبي بعد غزة.

فمدريد لم تكتفِ هذه المرة بإعادة إنتاج اللغة الأوروبية التقليدية القائمة على “التهدئة” و”حل الدولتين”، بل انتقلت تدريجيًا إلى خطاب يرى أن ما يجري في غزة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد أيضًا صورة أوروبا ومصداقية النظام الدولي الذي تدافع عنه.
وفي نوفمبر 2023، وبعد زيارة بيدرو سانشيز لمعبر رفح، أعلن أن الاعتراف بدولة فلسطين لم يعد مجرد خيار دبلوماسي مؤجل، بل ضرورة أخلاقية وسياسية، مؤكدًا أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن القانون الدولي في أوكرانيا ثم تجاهله في فلسطين دون أن تُضعف صدقيتها أمام العالم.

ثم تُوج هذا المسار في مايو 2024 باعتراف إسبانيا الرسمي بدولة فلسطين بالتنسيق مع أيرلندا والنرويج.

غير أن أهمية التحول الإسباني لا تكمن فقط في الاعتراف ذاته، بل في اللغة السياسية الجديدة التي رافقته.

فسانشيز بدأ يربط بصورة مباشرة بين غزة وأزمة الشرعية الغربية، مؤكدًا أن القانون الدولي لا يمكن أن يُطبق بمعيارين.

وربما لا يمكن فهم الحساسية الإسبانية تجاه غزة بمعزل عن موقع إسبانيا التاريخي داخل الغرب نفسه.

فهي ليست مركزًا إمبراطوريًا صلبًا كالولايات المتحدة أو بريطانيا، كما أنها تحمل ذاكرة مركبة تجمع بين انتمائها الأوروبي وامتدادها المتوسطي وتجربتها المتأخرة مع الديكتاتورية والتحول الديمقراطي بعد حقبة فرانسيسكو فرانكو، وهو ما يمنح خطابها السياسي مساحة أوسع نسبيًا للتحرك مقارنة ببعض العواصم الأوروبية الأخرى.
كما أن مراجعة الاتحاد الأوروبي لبند حقوق الإنسان داخل اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل للمرة الأولى بهذا الوضوح تعكس أن التشكيك لم يعد محصورًا في الحركات الاحتجاجية، بل بدأ يدخل تدريجيًا إلى البنية المؤسسية الأوروبية نفسها.

أوروبا بين التحالف التقليدي وتآكل السردية القديمة

لكن التحرك الإسباني لا يعكس فقط خصوصية مدريد، بل يكشف أيضًا عن تصدع متزايد داخل أوروبا نفسها.

فهناك محور أوروبي يضم إسبانيا وأيرلندا والنرويج وبعض التيارات داخل فرنسا وبلجيكا، يرى أن استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل أصبح عبئًا أخلاقيًا واستراتيجيًا على أوروبا، ويهدد قدرتها على مخاطبة الجنوب العالمي.

في المقابل يتمسك محور آخر، تقوده ألمانيا وبعض دول شرق أوروبا، بالموقف التقليدي الذي يرى في العلاقة مع إسرائيل جزءًا من البنية السياسية والأخلاقية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد عبّر المستشار الألماني أولاف شولتس عن هذا المنطق حين أكد أن “أمن إسرائيل جزء من مصلحة الدولة الألمانية”، في إشارة إلى الارتباط التاريخي العميق بين الموقف الألماني وذاكرة الهولوكوست.

ولهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنها تعيش صراعًا بين منطقين: منطق يحاول الحفاظ على البنية الجيوسياسية التقليدية للتحالف الغربي، ومنطق آخر يخشى أن يؤدي استمرار التناقض الأخلاقي إلى تآكل القدرة الرمزية للمركز الغربي على إنتاج الشرعية والإجماع.

وما يزيد تعقيد المشهد أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الحكومات وحدها.

فالمظاهرات والجامعات والنقابات والمنصات الثقافية والإعلامية الأوروبية تشهد تصاعدًا غير مسبوق في الانتقادات الموجهة لإسرائيل وللسياسات الغربية المرتبطة بالحرب على غزة.

كما أن قطاعات واسعة من الأجيال الأوروبية الجديدة باتت ترى أن استمرار الصمت أو التبرير يهدد القيم التي قامت عليها أوروبا الحديثة نفسها.

وهنا تظهر فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع داخل الغرب؛ إذ بات المزاج الشعبي الأوروبي يتحرك أحيانًا أسرع من البنية السياسية التقليدية، بما يعكس بداية اهتزاز قدرة السردية القديمة على ضبط المجال العام الأوروبي كما كان الحال لعقود.

وفي هذا السياق حذرت فايننشال تايمز من أن الغرب يواجه أزمة متزايدة في صورته داخل الجنوب العالمي بسبب طريقة تعامله مع غزة، بينما تحدثت الإيكونوميست عن اتساع الفجوة بين الخطاب الغربي والمزاج الشعبي العالمي تجاه الحرب.

ولهذا لم تُقرأ غزة داخل كثير من مجتمعات الجنوب العالمي بوصفها أزمة إقليمية فقط، بل باعتبارها لحظة كاشفة للبنية غير المتوازنة للنظام الدولي نفسه، وهو ما منح القوى الصاعدة مادة رمزية وأخلاقية إضافية للطعن في احتكار الغرب لتعريف الشرعية الدولية.

ومع ذلك، فإن قدرة إسبانيا على إحداث تحول استراتيجي كامل ما تزال محدودة.

فالاتحاد الأوروبي لا يتحرك بوصفه دولة مركزية موحدة، بل عبر شبكة معقدة من التوازنات الأمنية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بالمنظومة الأطلسية وبالنفوذ الأمريكي العميق داخل القارة.

ولهذا تبدو مدريد اليوم قادرة على رفع سقف النقاش الأوروبي، لكنها غير قادرة وحدها على إعادة تشكيل السياسة الغربية تجاه فلسطين.
غير أن التحولات الحضارية الكبرى لا تبدأ عادة عبر الانقلابات المفاجئة، بل عبر تراكم بطيء للتصدعات داخل البنية الرمزية والشرعية التي تستند إليها مراكز القوة.

وما تكشفه غزة اليوم أن التآكل بدأ يتسلل تدريجيًا إلى السردية التي حملت المركز الغربي لعقود طويلة.

مآلات التحول الأوروبي بعد غزة

وهذا ما تكشفه غزة اليوم بوضوح. فالأزمة لم تعد فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل في أن الحرب دفعت الغرب نفسه إلى مواجهة أسئلة تتعلق بمستقبل موقعه الحضاري في عالم يتجه تدريجيًا نحو إعادة توزيع الشرعية والقوة والمعنى الحضاري.

وربما لا تقود هذه التحولات إلى انقلاب فوري في السياسة الغربية تجاه فلسطين، لكنها قد تفتح الباب أمام مسار أوسع من المراجعة داخل أوروبا نفسها.

فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الغربي وممارساته الفعلية، تزايدت صعوبة الحفاظ على الصورة القديمة للغرب بوصفه المرجعية الأخلاقية الوحيدة للنظام الدولي.

كما أن استمرار الحرب وما كشفته من تناقضات قد يدفع قطاعات أوسع داخل أوروبا، خصوصًا بين الأجيال الجديدة، إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة، وفي موقع أوروبا ذاته داخل عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية أكثر تشككًا في الهيمنة الغربية التقليدية.

وقد تقود هذه التحولات، على المدى الأبعد، إلى تشكل تيار أوروبي أكثر استقلالًا عن الرؤية الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط، حتى وإن ظل هذا التحول بطيئًا ومحكومًا بقيود البنية الأطلسية الحالية.

وفي المقابل، فإن فشل أوروبا في معالجة هذا التناقض الأخلاقي قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في قدرتها على التأثير العالمي، خصوصًا أمام صعود الجنوب العالمي والقوى الدولية الجديدة التي باتت أكثر استعدادًا للطعن في شرعية النظام الدولي بصيغته الغربية القديمة.

وقد لا تكون إسبانيا قادرة وحدها على تغيير السياسة الأوروبية تجاه فلسطين، لكنها تكشف بوضوح أن الصيغة القديمة للموقف الغربي دخلت بالفعل مرحلة مراجعة بطيئة وتآكل متدرج.

فالبنى الكبرى لا تنهار عادة لحظة فقدان القوة، بل حين تبدأ بفقدان قدرتها على إقناع العالم بشرعيتها. وعند تلك اللحظات تبدأ موازين الشرعية والمعنى والقوة في الدخول في مسارات إعادة تشكل تاريخية طويلة ومعقدة بين الأمم والحضارات.

شارك المقال: