آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

الكواكبي بعد قرن هل الاستبداد أصل الداء أم آخر أعراضه؟

مشاركة:
حجم الخط:

ثمة كتبٌ تتجاوز زمنها لأنها لا تكتفي بتقديم الإجابات، بل تؤسس أسئلةً تستعصي على التقادم.

ومن هذا الصنف كتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي، الذي لا يزال حاضرًا كلما عاد العرب إلى سؤال النهضة.

غير أن عبارته الأشهر: «الاستبداد أصل كل فساد» تحولت لدى كثيرين من فرضية قابلة للمراجعة إلى مسلَّمة جاهزة. والأفكار الكبرى لا تُصان بتكرارها، بل بقدرتها على استقبال أسئلة جديدة.

فهل كان الاستبداد أصل الداء حقًا، أم أنه، في كثير من الأحيان، آخر أعراضه وأوضحها؟

فالسلطة المستبدة لا تنشأ في الفراغ، وإذا كان الكواكبي قد فسّر بها فساد المجتمع، فإن خبرة القرن الأخير تدعو إلى سؤال يسبقها:

ما الذي يحدث داخل المجتمع حتى يصبح الاستبداد ممكنًا أصلًا؟

لقد أشار الكواكبي نفسه إلى جهل الأمة و«الاستبداد الديني» بوصفهما عاملين مسهِّلين، غير أنه أبقاهما عوامل مصاحبة أكثر من كونهما شروطًا سابقة.

فالاستبداد عنده متغيرٌ تتفرع عنه الظواهر الأخرى، لا ظاهرة متولدة عن مسار سابق. ولعل ذلك كان طبيعيًا في لحظته التاريخية، إذ كانت قبضة السلطة أوضح مظاهر الأزمة.

محمد الغمري يكتب: حين يلتقي العقل بالعاصفة (ابن خلدون أمام تيمورلنك) (6-7)

د. محمد الغمري يكتب: الغزالي الرحلة التي تحولت إلى حدود (4)

التوازن المؤسسي: مفهوم إجرائي

إذا كان الاستبداد لا يولد فجأة، فالسؤال: كيف تتكون البيئة التي تسمح له بالترسخ؟

لا يُقصد بـ«التوازن المؤسسي» توزيعًا شكليًا للسلطات في النصوص، وإنما قدرة المؤسسات على الحد من احتكار القرار، بحيث تمارس كل منها وظيفتها باستقلال نسبي دون أن تتحول إلى امتداد للسلطة التنفيذية.

ويُقاس ذلك بثلاثة مؤشرات مترابطة:

استقلال القضاء الفعلي لا الدستوري فحسب؛ وآلية حقيقية لتداول النخب تجعل الكفاءة معيار البقاء لا الولاء وحده، وقدرة المجال العام ــ إعلامًا وجامعات ونقابات ــ على إنتاج نقد يصل إلى مركز القرار قبل أن يُسكت.

ضعف أحد هذه المؤشرات لا يُسقط النظام، لكنه يزيد هشاشته، أما تآكلها معًا فيجعل تركُّز السلطة المآل الأكثر ترجيحًا، ثمرة مسار طويل لا قرارًا مفاجئًا.

وقد يُقال إن أنظمة احتكرت السلطة مع بقاء مؤسسات دستورية قائمة اسمًا، لكن المؤسسة التي تفقد استقلالها ووظيفتها الرقابية لا تعود عنصر توازن، بل تصبح علامة اختلال.

ابن خلدون وبن نبي: سلفان يُستكملان

سبق ابن خلدون إلى وصف كيف تدخل الدولة طور الهرم حين تضعف العصبية الجامعة، فيتحول الحكم من رعاية المصلحة العامة إلى حماية الامتيازات الخاصة؛ فالاستبداد عنده علامة مرحلة متأخرة، لا نقطة البداية.

بل إنه رصد ما يشبه إحلال الولاء محل العصبية، حين يستبدل الحاكم في طور «الملك العضوض» بعصبيته الأصلية حاشيةً ومماليك يصطنع ولاءهم.

فالتقارب هنا حقيقي لا سطحي.

غير أن الفارق يكمن في موضع الرابطة من الدورة التاريخية، فالولاء عند ابن خلدون بديلٌ يظهر بعد انهيار رابطة أصلية سبقت الدولة، بينما لا توجد عصبية جامعة سابقة أصلًا في الدولة الحديثة؛ إذ تُبنى المؤسسة منذ نشأتها على آليات تعيين وترقية يمكن أن تقوم على الولاء أو الكفاءة.

أما مالك بن نبي، فحين صاغ مفهوم «القابلية للاستعمار» لم يجعل الاحتلال الخارجي سببًا أول، بل الاستعداد الداخلي الذي يسمح له بالنجاح.

والأمر نفسه يقال عن الاستبداد، فهو لا يفرض نفسه على مجتمع محتفظ بمناعة مؤسسية مرتفعة، بل يجد بيئة فقدت تدريجيًا قدرتها على تصحيح أخطائها.

والفارق أن بن نبي فسّر قابلية أمة للهيمنة الخارجية، بينما يتعلق الأمر هنا بقابلية المجتمع لإعادة إنتاج الهيمنة من داخله، رغم امتلاكه أجهزة الدولة الحديثة كافة.

شواهد: من بغداد إلى تونس

لم يبدأ انحدار العصر العباسي بسقوط بغداد سنة 656هـ، بل سبقه انكماش طويل في المجال التداولي واستقلال مؤسسات العلم، حتى غدت الدولة أقل قدرة على تصحيح مسارها من داخلها.

وحين ظهر الضعف السياسي في صورته النهائية، لم يكن يؤسس واقعًا جديدًا بقدر ما كشف واقعًا تشكّل عبر عقود.

وفي مصر، بين 2011 و2013، لم يكن رحيل مبارك كافيًا لمنع عودة تركُّز السلطة؛ إذ تعاقبت صيغ الحكم بينما بقيت بنية احتكار القرار أقرب إلى الاستمرار منها إلى إعادة البناء.

أما تونس فتقدم المثال الأكثر دلالة لأنها تجمع مرحلتين.

فمنذ 2011 احتفظت البلاد، رغم الأزمات، بحد أدنى من التوازن المؤسسي، غير أن سنوات تراجع الثقة بالمؤسسات وتعثر النخب سبقت أحداث يوليو 2021، لتجعل إعادة تركيز السلطة أكثر قابلية للتحقق.

ثم تعاقبت الإجراءات التي أعادت تشكيل بنية الدولة، من حل مجلس القضاء الأعلى والبرلمان، إلى دستور جديد موسّع لصلاحيات الرئاسة، ومحاكمات متكررة لمعارضين مع تراجع فاعلية المعارضة.

وحين يكتمل تركُّز السلطة، يغدو مولدًا لتآكل مؤسسي جديد، فلا يبقى نقطة وصول ساكنة، بل يتحول إلى آلية تعيد إنتاج الأزمة.

وتجدر الإشارة إلى أن حالة واحدة لا تكفي لإثبات نمط عام، وأن التسلسل الزمني التونسي قد يُقرأ قراءةً دائرية لا برهانًا مستقلًا.

والمعيار الفاصل بين القراءتين هو السبق الزمني القابل للرصد

فإذا أظهرت مؤشرات استقلال القضاء وتداول النخب تراجعًا موثقًا يسبق تركُّز السلطة بفترة يمكن تحديدها، غدا هذا التراجع شرطًا تمهيديًا لا أثرًا رجعيًا.

وتقوم الحجة على مقارنة مزدوجة لا تكديس شواهد أحادية الاتجاه؛ ففي جانب الإخفاق تقف بغداد العباسية ومصر وتونس.

وفي جانب النجاح تقف إسبانيا بعد فرانكو، وتشيلي بعد بينوشيه، وإندونيسيا بعد سقوط سوهارتو.

حيث كان ترسيخ استقلال القضاء جزءًا من إعادة بناء مؤسسات الوساطة السياسية والإدارية والمجال العام، لا إجراءً معزولًا. وهذا التقابل بين حالات النجاح والإخفاق هو ما يرجّح التفسير المساري على التفسير الدائري.

من إزاحة المستبد إلى إعادة بناء الشروط

إذا صح أن الاستبداد كثيرًا ما يمثل ذروة مسار سابق، فالسؤال العملي لم يعد: كيف نُسقط المستبد؟

بل: كيف نمنع تشكل البيئة التي تجعله ممكنًا؟

المشروع الأول ينصرف إلى تغيير الحاكم، فيزيل النتيجة أكثر مما يعالج شروطها؛ فإن بقيت المؤسسات على حالها أمكن للأزمة أن تعود بأسماء جديدة.

أما المشروع الثاني فيبدأ من القاعدة:

مؤسسات مستقلة، وقضاء حامٍ للقانون، ونخب تؤدي وظيفتها النقدية، ومجال عام قادر على المساءلة لا مجرد صدى للسلطة.

عندئذ تصبح الحرية قدرة المجتمع على الاحتفاظ بالأدوات التي تمنع أي سلطة من الانفراد بالمجال العام، أكثر منها حقًا مقصورًا على اختيار الحاكم.

ولعل هذه هي النقطة التي تسمح بإعادة قراءة الكواكبي دون أن تنال من مكانته، فحدسُه لم يخذله حين رأى في الاستبداد أخطر ما يواجه عصره، غير أن مشروعه ظل تشخيصًا للحظة بلغت فيها الأزمة ذروتها، لا نظرية مكتملة في نشأتها.

وبدل الاقتصار على سؤال: كيف نقاوم الاستبداد؟

يصبح مشروعًا أن نسأل أيضًا: كيف نبني مجتمعًا لا يجد فيه الاستبداد بيئة تسمح بنشوئه؟

يبدو الفرق بين السؤالين لغويًا، لكنه يفصل بين رؤيتين للإصلاح:

إحداهما تبدأ بعد اكتمال الأزمة، والأخرى تسبق ظهورها ببناء الشروط التي تقلل احتمال وقوعها.

وأخطر ما يفعله الاستبداد أنه نادرًا ما يصنع مجتمعًا خائفًا من الصفر، فالأغلب أنه يجد مجتمعًا فقد تدريجيًا أدوات مقاومته، فيصير المستبد وريث المسار المستفيد منه، لا منشئه.

شارك المقال: