مقالات

مقامات الصوفية (19) النص بوصفه “جلاءً” للكينونة

لنص عند الغيطاني لا يصف الماضي بل يستجليه؛ حيث تذوب الحدود بين الرائي والمرئي، ويصبح النص فضاءً صوفياً بامتياز، تظهر فيه الوجوه والأحداث كأنها أطياف في مرآة وجدانية

مشاركة:
حجم الخط:

مقام المرآة (2) 

في العرف الصوفي لا تُبصر العينُ الحقيقةَ إلا إذا تحول الرائي نفسُه إلى “مرآة”؛ فالحق لا يتجلى في الأجسام الكثيفة بل في الصقيلة منها.

حين ننقل هذه الرؤية إلى مختبر الكتابة المعاصرة نجد أن الأدب العظيم قد هجر منذ زمن وظيفة “المحاكاة” التي تكتفي بعكس العالم الخارجي، ليتخذ من النص “مجلى” تظهر فيه حقائق الذات والوجود التي طمرها غبار العادة.

إن الكتابة بهذا المعنى هي “فعل جلاء” يمارسه الأديب على لغته، لكي تتحول الكلمات من حجاب يغطي المعنى إلى سطح شفاف يعكس جوهره.

جمال الغيطاني ومقام المرآة 

يتجلى هذا المقام بوضوح مدهش في مشروع جمال الغيطاني، وتحديداً في كتابه “التجليات”.

الغيطاني هنا لا يكتب سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل يجعل من النص مرآة كبرى تلتقي فيها ذاته بذات “الشيخ الأكبر” ابن عربي.

النص عند الغيطاني لا يصف الماضي بل يستجليه؛ حيث تذوب الحدود بين الرائي والمرئي، ويصبح النص فضاءً صوفياً بامتياز، تظهر فيه الوجوه والأحداث كأنها أطياف في مرآة وجدانية، تعيد صياغة التاريخ والهوية وفق رؤية “كشفية” تتجاوز الزمن الخطي.

الكاتب الروائي أدوار الخراط

المرآة في شعر أنس الحاج 

وفي سياق الحداثة الشعرية، نجد “مقام المرآة” يتجسد في تجربة أنسي الحاج.

القصيدة عنده ليست وصفاً للأشياء، بل هي محاولة للوصول إلى “الشفافية القصوى”. الكلمة عند أنسي الحاج تسعى لأن تكون زجاجاً صافياً لا يحمل لوناً، لكي يمر من خلاله “نور الوجدان” دون انكسار.

يقول في ديوانه “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”: “أنا المرآة والوجه، أنا الفاصل والوصول”.

هنا تتحول القصيدة من أداة للتعبير إلى “حالة حضور”، حيث الشاعر لا يتحدث عن الحب أو الموت، بل يجعل من لغته مرآةً يتجلى فيها المطلق في صورة كلمات مكثفة ومقطرة.

أدوار الخراط ومقام المرآة 

أما في السرد الحداثي عند إدوار الخراط، فإننا نلتقي بما يسميه “الحساسية الجديدة” أو “الواقعية الوجدانية”.

في رواياته مثل “رامة والتنين”، لا تعمل اللغة كأداة لرصد الواقع الخارجي، بل كمرآة تعكس التداخل المعقد بين الذاكرة والحلم والواقع.

النص عند الخراط هو “استقصاء” داخلي، حيث تتحول الشخصيات إلى مرايا تعكس بعضها البعض، ويصبح القارئ نفسه مرآةً ثالثة تكتمل فيها الرؤية. الكتابة هنا هي فعل “تحطيم للمرآة القديمة” التي تعكس الظلال، لصالح مرآة جديدة تعكس الجوهر المتعدد للإنسان.

الكتابة  وفلسفة التصوف 

إن الربط بين “طريقة الكتابة” وفلسفة التصوف في هذا المقام يكمن في تحويل “النص” من “موضوع” نراقبه من الخارج، إلى “حضور” نعيش فيه.

الكاتب الذي يدرك “مقام المرآة” هو الذي يدرك أن القارئ لا يقرأ ليرى الكاتب، بل ليجد “نفسه” داخل الكلمات. الصمت الذي تحدثنا عنه في المقام السابق، يجد كماله هنا؛ ففي الصمت تُصقل المرآة، وفي المرآة يبرق المعنى.
هكذا يغدو المقام التاسع عشر دعوة للعودة إلى “فطرية الرؤية”؛ حيث الكاتب لا يضيف إلى العالم أشياء جديدة، بل يرفع الحجب عن الأشياء الموجودة بالفعل، محولاً الصفحة البيضاء إلى فضاء استجلاء يرى فيه الإنسان وجهه الحقيقي بعيداً عن ضجيج الأقنعة وثرثرة التفسير.

شارك المقال: