أحمد رجب شلتوت يقرا: رواية بحر الصمت للجزائرية ياسمينة صالح
فما لم يُقَل تحول إلى بحر، وكلما تقدم الزمن ازداد اتساعه، والرواية بعد أن اتخذت من الصمت موضوعًا؛ تجعله تقنية سردية.
غلاف راوية بحر الصمت للروائية الجزائرية ياسمينة صالح
غرقى في بحر الصمت
تدفع “ياسمينة صالح” في روايتها “بحر الصمت” السعيد لمواجهة ابنته، وهو الذي عاش عمره كله يتجنب المواجهة، يرفع رأسه ويصمت، ويترك الآخرين يفهمون صمته كما يشاءون، حتى علاقته بعمر، وبالثورة، وبالنساء، وبأبيه، ظلت محكومة بما لم يستطع قوله.
و”بحر الصمت” هو فضاء نفسي تتراكم فيه أشياء لم تُقل في وقتها لذا بدت المواجهة وكأنها مع صورته القديمة، يقول السعيد: “ابنتي هي الحقيقة العارية من الادعاء” ثم يكتشف أن عينيها تدينانه كما تدينه الصورة المعلقة على الجدار.
ولهذا يصبح الصمت في الرواية لغة بديلة، وحينما يعجز الأب عن الاعتراف لابنته، يصبح صمتُه اعترافًا.
وحين لا تستطيع الابنة أن تقول كل ما تريد، تصبح عيناها وسلوكها ووجودها أمام أبيها خطابًا كاملًا.
وفي لحظة شديدة الدلالة يقول السعيد إن الصمت هو “الحكم العادل” بينه وبين ابنته، وإنه الطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها قول الحقيقة عارية دون كذب أو خداع.
العنوان استعارة مركزية للرواية كلها
فما لم يُقَل تحول إلى بحر، وكلما تقدم الزمن ازداد اتساعه، والرواية بعد أن اتخذت من الصمت موضوعًا؛ تجعله تقنية سردية.
فالمتكلم الوحيد تقريبًا هو السعيد، بينما الآخرون يدخلون إلى النص من خلال ذاكرته، أو عبر الحوار الذي يستعيده، أو عبر نظراتهم إليه.
النص هنا لم ينح ابنه السعيد اسما، هي فقط “ابنة السي السعيد”، وهي فنانة تشكيلية موهوبة تربطها علاقة حب بعثمان، وتعيش تجربة اغتراب وصمت وصراع مع والدها الذي لم ينتبه وجودها إلا بعد فقدانه لابنه “رشيد” لذلك لم يكن اختيار السعيد راوياً ليس اختيارًا بريئًا، فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره شاهدًا محايدًا.
في طفولته وشبابه، تعلم السعيد معنى الامتياز الطبقي، فهو ابن مالك الأرض، وكان سيدا على الفلاحين، فالأرض بالنسبة لعائلته مصدر الثروة والسلطة معا.
هو يعترف بأخطائه، ويحاول في الوقت نفسه أن يفهم كيف صار كذلك؟ ولهذا يصبح السرد نوعًا من المحاكمة الداخلية. وكلما تقدم السعيد في الحكاية، تقل المسافة بين الراوي والمتهم.
تصنع الرواية من القرية نموذجا مصغرا لعالم أكبر.
ففي براناس نجد الاحتلال، والامتياز الطبقي، والجهل، والفقر، والعنف، لكنها نجد كذلك المقاومة والحلم بالتغيير.
ومن خلال شخصيات مثل قدور وبلقاسم وعمر والشيخ عباس، تتعدد أشكال العلاقة بالسلطة.
قدور يمثل السلطة المحلية التي صنعتها علاقة التبعية للاستعمار. أما بلقاسم فهو طفل مجهول الأصل، تصنع القرية منه وحشًا، ثم يستخدمه السعيد أداة للسيطرة على الفلاحين.
السعيد نفسه يصف بلقاسم بأنه «فزاعة من لحم ودم»، ويعترف بأنه منحه فرصة للثأر من البشر.
وهذا تصور الرواية انتقال العنف من يد إلى أخرى. المستعمر يمارس عنفه، ثم تمارسه السلطة المحلية، ثم يمارسه الأفراد بعضهم ضد بعض، ثم تأتي الثورة لتحاول كسر السلسلة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنع استمرار آليات العنف.
إن الثورة حق في الحرية والاستقلال، وهذا واضح في وعي الشخصيات وفي مسار الأحداث، لكن الرواية تميز بين عدالة القضية وبين سلوك بعض المنتمين إليها، السعيد نفسه يتساءل عن إمكانية أن تغسل الثورة آثام أفرادها بمجرد انضمامهم إليها.
ويستحضر بلقاسم نموذجًا صارخًا لهذا التناقض، الرجل الذي كان أداة في منظومة القهر يتحول لاحقًا إلى ثائر، فتتغير صورته في عيون الجماعة.
وفي لحظة ساخرة ومؤلمة يسأل السعيد عن الفرق بين بلقاسم والعمدة، ثم عن الفرق بينه وبين العمدة.

الثورة تدخل القرية من بوابة المدرسة
عمر يطالب بمدرسة حقيقية للأطفال بعدما تحولت المدرسة إلى ثكنة، واضطر التلاميذ إلى التعلم في زريبة للحمير، ويقول إن المدرسة جزء من حلم أي شعب.
وإذا كان السعيد قد بنى حياته على الحياد، فإن عمر يأتي ليهدم هذا الحياد من الداخل.
المعلم الشاب يواجه السعيد بالكلام، وبالموقف، وبالسؤال. وأول مواجهة بينهما تنشأ حول المدرسة، قبل أن تتسع إلى الثورة.
بهذا التدرج تجعل الرواية عمر ممثلًا لفكرة التغيير الذي يبدأ من الإنسان قبل أن يتحول إلى حركة تاريخية
والسعيد يخاف عمر لأنه يكتشف فيه القدرة على الإيمان بفكرة خارج مصلحته الشخصية.
لذلك يتحول عمر تدريجيًا من معلم إلى «تاريخ كامل» في حياة السعيد.
لكن عمر ليس مجرد شخصية نقيضة للسعيد؛ إنه أيضًا بوابة السعيد إلى اكتشاف الحب، وهنا تتداخل الثورة بالعاطفة بصورة شديدة الخصوصية.
يسأل النص: هل يختار المحارب الوطن أم الحب؟
وهل يمكن للحب أن يكون هو المدخل الحقيقي إلى اكتشاف الوطن؟
لذلك تبدو عبارة السعيد في أواخر الرواية، حين يرى أن الأحلام والحب قد يضيعان معًا، أشبه بخلاصة لتجربته الشخصية والوطنية.
لا تتحرك الرواية في خط زمني مستقيم.
الحاضر مجرد نقطة صغيرة تفتح أبواب الماضي. صورة على الجدار تستدعي شخصًا غائبًا، ونظرة من الابنة تستدعي حربًا قديمة، واسم عمر يعيد سنوات كاملة إلى الحياة.
وهكذا يصبح الزمن في الرواية زمن الذاكرة لا زمن الساعة، والسعيد يعيش في شيخوخته، لكن عمره الحقيقي يتحرك إلى الوراء.
وكلما تقدم نحو النهاية عاد إلى بداياته: الأب، القرية، الأرض، قدور، بلقاسم، عمر، الثورة، الحب، ثم الابنة.
لقد اكتشف متأخرًا أن الماضي يعيش بداخله. ومن العلامات على ذلك حضور الصورة والمرآة.
السعيد يهرب من صورته، والبيت يخلو من المرايا، لأن صورته الحقيقية أصبحت موجودة في عيني ابنته. وفي لحظة أخرى يتأمل صورة قديمة ثم يكتشف أن الوجه الذي يراه هو وجه رجل يكرهه.
تظهر ابنته بوصفها ضميرًا حيًا يواجه الأب
لذلك لا تمنحها الرواية تاريخًا موازيًا، لأن وظيفتها السردية هي أن تجعل الماضي حاضرًا أمام السعيد. هي ابنة رجل صنعته الحرب، لكنها تنتمي إلى جيل آخر، لغتها أكثر مباشرة، ولا تتعامل مع الكلمات باعتبارها أقنعة اجتماعية.
ويلاحظ السعيد نفسه أن هذا الجيل «لا يصبغ الكلمات، بل يعريها» وبذلك يصبح الصراع بين الأب والابنة أعمق من خلاف عائلي، إنه صراع بين جيل تعلم الصمت كوسيلة للبقاء، وجيل يتكلم لأنه يريد معرفة الحقيقة.
وحين تقول له في النهاية: «جرحتني»، فإنها تختصر تاريخًا من الغياب.
هذا وتبدو المرأة في الرواية، جزءًا من السيرة العاطفية للسعيد، لكن حضورهن يكشف أيضًا البنية الذكورية التي صنعت عالمه.
الزهرة تدخل حياته امتدادًا لصراع الرجال، الأب يريدها لابنه، وقدور يريد أن زواجها غصبا، والسي علي يدخل المنافسة.
أما عيشة، فهي من عالم مختلف، امرأة مغنية تتحول في الحكاية الشعبية إلى موضوع للرغبة والرهان بين الرجال.
وتكشف قصتها عن ازدواجية مجتمع يستمتع بالفن في السر ثم يدين المرأة علنًا.
وبهذا تكشف الرواية أن السلطة لا تعمل فقط في السياسة، وإنما تعمل أيضًا في الحب والزواج والجسد، وأن الرجل الذي يرفض الاحتلال قد يكون هو نفسه أسيرًا لمنطق السيطرة في حياته الخاصة.
تعتمد الرواية لغة ذات طابع اعترافي واضح، لكنها لا تتخلى عن الشعرية.
فالجمل كثيرًا ما تتحرك بين السرد والتأمل، وبين الحكاية والصورة، وبين الاعتراف والمونولوج.
وتتكرر مفردات بعينها، مثل الصمت، العينان، الصورة، الليل، البحر، الذاكرة، الحرب، القلب، لتشكل شبكة رمزية متماسكة، فالعينان، مثلًا، تتحولان إلى أداة معرفة وإدانة.
السعيد يقرأ عيني ابنته كما يقرأهما عمر، ويخاف النظرة التي تكشف أكثر مما يستطيع الكلام إخفاءه.
أما البحر، فيأتي في النهاية بوصفه قرينًا للصمت والحزن يقف السعيد أمامه كما لو كان أمام ذاكرته نفسها، بحرًا لا يستطيع عبوره ولا يستطيع الابتعاد عنه. وهكذا تتحول العناصر الطبيعية إلى مرايا للحالة الداخلية.
لعل أعمق ما تقوله الرواية فكريًا لا يتعلق بالاستعمار وحده، وإنما أيضا بمفهوم الحياد، السعيد يكرر أنه كان محايدًا، لكنه يكتشف تدريجيًا أن الحياد في لحظات التحول التاريخي ليس دائمًا موقفًا خارج الصراع.
قد يكون شكلًا من أشكال الاستفادة من الوضع القائم، فهو لم يكن مثل العمدة تمامًا، لكنه عاش داخل النظام الذي صنع العمدة.
ولم يكن مثل بلقاسم، لكنه استخدم بلقاسم،ولم يكن ثائرًا في البداية، لكنه استفاد لاحقًا من الثورة.
وبعد الاستقلال، يلتحق بالحزب ويستفيد من مواقع السلطة، حتى يعترف بأن تلك السنوات شهدت فقدانه لإنسانيته، وأن ترقياته كانت جزءًا من تعويضاته الشخصية واستغلالًا للفراغات التي اكتشفها في بنية المجتمع.
«بحر الصمت» تتجاوز رواية الاحتلال إلى مساءلة ما بعد الاحتلال.
الإهداء نفسه يضع «الوطن» إلى جوار الأب: «إلى روح أبي وإلى روح الوطن». هكذا تتضح العلاقة بين الخاص والعام. ولذلك لا تنتهي الرواية بانتصار بسيط.
فالوطن الذي حلم به الناس دفع ثمنه الشهداء، لكنه لم يمحُ كل آثار الظلم، ولم يمنع ظهور علاقات جديدة بالسلطة.
والسعيد نفسه يصل إلى لحظة يرى فيها أن الذين عاشوا الحرب وجدوا بعد الاستقلال طريقًا إلى الامتياز، وأنه استخدم الحزب ليعيد بناء مكانته الاجتماعية.
في المشاهد الأخيرة تعود الرواية إلى المكان الذي بدأت منه، السعيد وابنته، الليل، البحر، الصور، والصمت.
لكن شيئًا ما قد تغير. لم تعد الابنة مجرد عين تدينه، ولم يعد السعيد قادرًا على الاحتماء بصمته.
هناك محاولة للتماس، وسترته التي يضعها على كتفيها، ويده التي تستقر لحظة على كتفها، ثم تراجعها.
إنها حركة صغيرة، لكنها أصدق من كل كلمات الاعتذار.
هنا تتضح دلالة العنوان، فبحر الصمت ظل قائمًا بين الأب وابنته، وبين الإنسان وماضيه، وبين الثورة وحقيقتها، وبين الوطن وحلم أبنائه؛ غير أن الرواية لا تغلق أبواب العبور تمامًا.
إنها تتركنا أمام احتمال الكلام، لا أمام اكتمال المصالحة.
شاركنا برأيك