محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب: الحرب والممرات البحرية في الشرق الاوسط
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اغلاق هرمز او باب المندب، بل في اعتياد العالم على وجود ممرات بحرية مضطربة
لم تعد الممرات والمضائق مجر طرق وصول بل أصبحت تحمل أهمية استراتيجية كبرى
لم تعد الحرب في الشرق الاوسط تدور على اليابسة وحدها
المعركة الاكثر حساسية تنتقل يوما بعد يوم الى البحر، حيث تتحول الممرات المائية الى ادوات ضغط سياسي واقتصادي وعسكري، وتصبح ناقلات النفط وسفن الحاويات جزءا من ميزان الردع، لا مجرد وسائل لنقل البضائع.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، ذلك الممر الضيق الذي يصل الخليج العربي بخليج عمان، ويحمل اهمية تفوق مساحته الجغرافية بكثير.
قبل اندلاع الحرب، كان المضيق يمرر نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية، لكن حركة الملاحة فيه تراجعت بصورة حادة مع تصاعد التوتر بين ايران والولايات المتحدة واسرائيل.
هرمز: الخنق من بوابة الطاقة
لا يحتاج اغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة حتى يترك اثرا عالميا، يكفي ان تصبح الملاحة فيه محفوفة بالمخاطر، او ان تضطر السفن الى اطفاء اجهزة التتبع، او ان ترتفع كلفة التأمين والحماية، حتى تبدأ الاسواق في اعادة حساباتها.
فالمشكلة ليست في عدد السفن التي تعبر فحسب، بل في الثقة التي تقوم عليها التجارة الدولية، وعندما تفقد شركات الشحن الثقة في سلامة الطريق، فانها لا تنتظر وقوع الهجوم، بل تغير المسار مسبقا، وتضيف كلفة التأمين والوقود والوقت الى كل شحنة.
هكذا يتحول المضيق من ممر تجاري الى ورقة تفاوض استراتيجية، فالدولة التي تملك القدرة على تهديده لا تحتاج دائما الى استخدام القوة بصورة مباشرة، يكفي ان تجعل المرور عبره غير مضمون حتى تضغط على اسعار النفط، وتربك سلاسل الامداد، وتدفع القوى الكبرى الى نشر مزيد من القطع البحرية.
وتكشف الاوضاع الحالية ان الرهان على استمرار تدفق الطاقة مهما كانت الظروف لم يعد مضمونا، فالانتقال من الخليج الى الاسواق العالمية بات مرتبطا بدرجة التصعيد العسكري، وبقدرة الدول على حماية السفن، وبمدى استعداد شركات الملاحة لتحمل المخاطر.
باب المندب: الجبهة الجنوبية
اذا كان هرمز هو بوابة الخليج، فان باب المندب هو بوابة البحر الاحمر وقناة السويس، ومن يضغط على هذا المضيق لا يهدد صادرات النفط وحدها، بل يهدد الطريق التجاري الذي يربط اسيا باوروبا وشرق افريقيا بالبحر المتوسط.
خلال السنوات الماضية، دفعت الهجمات على السفن التجارية في البحر الاحمر شركات عالمية الى تحويل مساراتها بعيدا عن قناة السويس، والابحار حول رأس الرجاء الصالح.
هذا الخيار يضيف اياما طويلة الى الرحلة، ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ويؤخر وصول السلع الى موانيها.
لكن التطور الاخطر في المرحلة الراهنة يتمثل في انتقال التهديد من هجمات متفرقة الى محاولة فرض نفوذ جغرافي على السواحل والجزر القريبة من باب المندب.
وقد اثار وصول الحوثيين الى جزيرة بريم، المعروفة ايضا باسم ميون، مخاوف من تحول المضيق الى جبهة عسكرية مفتوحة، وليس مجرد منطقة عبور معرضة للهجمات.
وفي تحليل نشرته رويترز، اعتبرت السيطرة على الساحل اليمني المطل على البحر الاحمر وسيلة لفتح جبهة ضغط ثانية على صادرات النفط السعودية، بعد تراجع حركة الملاحة عبر هرمز.
ممرات بديلة تحت النار
المفارقة الكبرى ان الحرب لا تغلق طريقا واحدا، ثم تترك للدول خيارا امنا، فحين يتعطل هرمز، يصبح البحر الاحمر اكثر اهمية، وحين يتعرض باب المندب للخطر، تتحول طرق النفط والتجارة الى مسارات اطول واكثر كلفة.
بذلك يجد الاقتصاد العالمي نفسه امام شبكة من الممرات المهددة، لا امام ازمة محلية محدودة.
حاولت دول الخليج استخدام خطوط انابيب وموانى بديلة لتقليل الاعتماد على هرمز، لكن هذه البدائل ليست بمنأى عن الخطر.
فقد تعرض خط انابيب سعودي يمتد من المنطقة الشرقية الى موانى البحر الاحمر لهجمات، ما اظهر ان نقل الطاقة برا لا يلغي المخاطر، بل ينقلها من البحر الى البر.
كما ان موانى البحر الاحمر نفسها قد تتحول الى اهداف عسكرية اذا اتسعت رقعة الصراع، وبدلا من ان تكون طريقا بديلا، تصبح جزءا من الازمة، خصوصا مع استمرار التوتر على الساحل اليمني وتزايد التحذيرات الدولية من تهديد حرية الملاحة.
عسكرة التجارة العالمية
ما يحدث في البحر ليس مجرد اضطراب في جداول السفن، انه اعادة تشكيل لخريطة الامن الدولي.
فالقوى الكبرى تعود بقوة الى الممرات البحرية، وتنشر سفنا حربية، وترافق ناقلات النفط، وتعيد بناء تحالفات بحرية مؤقتة لحماية طرق التجارة.
غير ان الحماية العسكرية، مهما اتسعت، لا تستطيع ان تضمن عودة الملاحة الى طبيعتها ما لم تتوقف الحرب نفسها، فالاساطيل قد تردع هجوما، لكنها لا تلغي خطر الالغام والصواريخ والطائرات المسيرة، ولا تمنع شركات التأمين من رفع الاسعار، ولا تعيد الثقة الى قادة السفن.
في المقابل، تؤدي الحماية العسكرية الى نتيجة سياسية معقدة:
كلما زاد حضور القوى الخارجية في البحر، زادت احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير. وقد تتحول حادثة محدودة بين سفينة حربية وقارب مسلح الى شرارة تصعيد اوسع، خصوصا في منطقة تتداخل فيها الجبهات وتتشابك فيها حسابات ايران واسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج والجماعات المسلحة في اليمن.
الاقتصاد يدفع الثمن
تدفع الاسواق ثمن عسكرة الممرات البحرية عبر ثلاث قنوات رئيسية: اسعار الطاقة، وتكلفة الشحن، وارتفاع اسعار التأمين. وتنعكس هذه العناصر على الغذاء والدواء والسلع الصناعية، حتى في الدول البعيدة عن الشرق الاوسط.
وتشير دراسات حديثة الى ان اضطرابات الممرات البحرية لم تعد تقتصر على تغيير مسارات السفن، بل باتت تضغط بصورة هيكلية على الطاقة وسلاسل الامداد والتجارة متعددة الوسائط.
كما ان مخاطر الهجمات الالكترونية والقيود التنظيمية ونقص الشفافية في حركة السفن تضيف طبقات جديدة من عدم اليقين.
ولا تتساوى الدول في تحمل هذه الكلفة، فالدول المستوردة للنفط تواجه فاتورة طاقة اعلى، والدول الفقيرة تواجه تضخما اشد، بينما تجد الدول المطلة على الممرات نفسها امام معادلة صعبة:
حماية امنها الداخلي من دون تحويل موانيها الى ساحات مواجهة.
مصر وقناة السويس
في هذه المعادلة، تكتسب قناة السويس اهمية استثنائية، فهي ليست مجرد قناة مصرية، بل عقدة استراتيجية في نظام التجارة العالمي.
كل اضطراب في البحر الاحمر او باب المندب ينعكس مباشرة على حجم السفن العابرة للقناة، وعلى ايراداتها، وعلى حركة الموانى والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
لكن التحدي بالنسبة الى مصر لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، فاستقرار قناة السويس يتطلب بيئة امنية مستقرة في البحر الاحمر، وهو امر لا تملكه دولة واحدة مهما بلغت قدراتها.
لذلك تصبح حماية القناة مرتبطة بتطورات اليمن والخليج، وبطبيعة التفاهمات بين القوى الكبرى، وبمدى قدرة المجتمع الدولي على منع تحويل الممرات الدولية الى رهائن للصراع.
وكلما طال امد الحرب، زادت حوافز شركات الشحن لبناء طرق بديلة، وتوقيع عقود نقل طويلة عبر مسارات اخرى، وتنويع موانيها ومخازنها.
وهذا يعني ان عودة الملاحة الى طبيعتها بعد انتهاء القتال قد لا تكون سريعة، لان الثقة التجارية التي تهتز خلال اشهر قد تحتاج الى سنوات كي تستعيد عافيتها.
معركة على النفوذ لا على الممرات فقط
في جوهرها، تكشف ازمة الممرات البحرية عن صراع اوسع على النفوذ الاقليمي، ايران ترى في هرمز اداة ضغط على خصومها، بينما يمثل باب المندب منفذا استراتيجيا يتيح التأثير في البحر الاحمر وقناة السويس. اما الولايات المتحدة والقوى الغربية، فتنظر الى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة امنية واقتصادية لا يمكن تركها رهينة لجماعة مسلحة او دولة اقليمية.
اما دول الخليج، فتجد نفسها بين خيارين كلاهما مكلف:
الدخول في ترتيبات امنية اكثر اعتمادا على القوى الخارجية، او بناء قدرة مستقلة على حماية طرق الطاقة والتجارة. وفي الحالتين، تبقى الجغرافيا اقوى من الحسابات السياسية، فالمضائق لا يمكن نقلها، والطرق البحرية لا يمكن تعويضها بسهولة، والبدائل البرية تظل محدودة ومكلفة.
الخطر الاكبر هو الاعتياد
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اغلاق هرمز او باب المندب، بل في اعتياد العالم على وجود ممرات بحرية مضطربة
فعندما تصبح الهجمات امرا متكررا، والمرافقة العسكرية قاعدة دائمة، والتأمين المرتفع تكلفة طبيعية، تتحول الازمة من استثناء مؤقت الى نظام جديد للتجارة.
وهذا النظام سيجعل الاقتصاد العالمي اكثر هشاشة، وسيمنح الجماعات المسلحة والدول المتنافسة قدرة اكبر على التأثير في الاسواق الدولية، حتى من دون امتلاك اقتصاد كبير او جيش تقليدي ضخم.
فصاروخ واحد قرب ممر حيوي قد يرفع كلفة شحنة في قارة كاملة، وطائرة مسيرة واحدة قد تدفع شركة عالمية الى تغيير طريقها.
إن مستقبل الشرق الاوسط لن يتحدد على الجبهات البرية وحدها، فالمياه التي تفصل القارات صارت ساحات صراع، والمضائق الضيقة صارت مفاتيح للقوة، والسفن التجارية تحولت الى رسائل سياسية عائمة.
وما لم تنجح القوى الاقليمية والدولية في فصل التجارة عن الحرب، فان هرمز وباب المندب سيبقيان عنوانين لازمة اكبر: ازمة نظام امني اقليمي لم يعد قادرا على حماية البحر، ولا الاقتصاد، ولا مستقبل المنطقة.
شاركنا برأيك