د. محمد الغمري يكتب: الخيال الحضاري وأزمة العقل العربي (3)
القدرة ليست منفصلة عن الكتلة الحضارية التي تحملها، ولا عن ذاكرة المجتمع وتراكم تجاربه وطاقة أسئلته.

صورة تعبيرية للمقال
كيف يستعيد العقل خياله؟ من اليقين المغلق إلى صناعة الممكن
في عام 1871، وبعد أشهر قليلة من الهزيمة الساحقة أمام بروسيا، لم يكن السؤال الذي شغل قطاعات من النخبة الفرنسية:
كيف خسرنا الحرب فقط؟
بل كيف أصبحنا عاجزين عن رؤية العالم الذي كان يتشكل حولنا؟
لم تكن الهزيمة عسكريةً فحسب، كانت، في أحد مستوياتها الأعمق، هزيمة في الإدراك: لحظة اكتشاف مؤلمة بأن خرائط الأمس لم تعد كافية لقراءة واقع تغيّرت قواعده.
هذا النمط من الصدمات يتكرر في التاريخ أكثر مما نظن.
فالحضارات لا تدخل أزماتها دائمًا لأنها تفتقر إلى الموارد أو الذكاء أو التراث، بل كثيرًا لأنها تفقد القدرة على تخيّل أن شروط العالم تغيّرت بينما تواصل النظر إليه بعدسات الماضي.
د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند
العصر الحجري الثاني: حين يتصلب العقل العربي بدل أن يتجدد (١)
وهنا يبرز السؤال العربي الأكثر تعقيدًا:
إذا كان التصلب لا يعمل فقط بوصفه قيدًا سياسيًا أو مؤسسيًا، بل كبنية إدراك داخلية متجذّرة، فكيف يستعيد العقل قدرته على التصور؟
كيف يتعلم أن يرى إمكانات جديدة دون أن يشعر أن كل مراجعة تهديد لوجوده؟
وكيف ينتقل من تحصين المعنى إلى إعادة إنتاجه؟
أولًا: كيف يُغلق الخيال؟ حين يتحول اليقين إلى نظام دفاع
الخيال الحضاري ليس حلمًا جميلًا عن المستقبل، ولا موهبة تخص المفكرين أو الفنانين وحدهم.
إنه قدرة مجتمع كامل على تصور ما لم يوجد بعد، وعلى إعادة تعريف الممكن قبل أن يتحول إلى واقع.
وهذه القدرة ليست منفصلة عن الكتلة الحضارية التي تحملها، ولا عن ذاكرة المجتمع وتراكم تجاربه وطاقة أسئلته.
وحين تضعف هذه القدرة، لا يتوقف المجتمع عن التقدم فقط؛ بل يبدأ الواقع نفسه في الانكماش.
ما هو قائم يصبح حدود ما يمكن تخيله، وما يمكن تخيله يصبح حدود ما يجوز التفكير فيه، حتى ينتهي المجتمع إلى عالم ضيق يبدو طبيعيًا لمن يعيش داخله.
وليس هذا الانكماش التدريجي مجرد ظاهرة فكرية؛ بل عملية استنزاف بطيئة للفاعلية من الداخل.
هنا تكمن إحدى أخطر آليات التصلب:
أن يتحول اليقين من بوصلة تساعد العقل على الحركة إلى جدار يمنعه من رؤية ما وراءه.
وحين يبلغ اليقين هذه العتبة، يكف عن كونه معرفة توسّع الفهم، ويصبح نظام دفاع وظيفته الأساسية حماية الإطار من السؤال لا توسيع أفق الإدراك.
ونظام الدفاع لا يحتاج إلى البرهان؛ يحتاج فقط إلى إغلاق المساءلة قبل أن تولد.
وليس هذا وضعًا عربيًا خالصًا.
فحين واجهت الصين في القرن التاسع عشر القوة الصناعية الغربية، لم تكن فقيرة في التاريخ، ولا في التنظيم الإداري، ولا في الخبرة الحضارية، لكنها دخلت المواجهة وهي ترى نفسها مركزًا مكتفيًا بذاته، كما لو أن الكتلة المتراكمة لديها كافية وحدها لمواجهة شروط عالم جديد لم تستشعر تحولاته في الوقت المناسب.
لم تكن المشكلة جهلًا كاملًا بالعالم، بل ضيق المساحة التي يمكن أن يولد داخلها سؤال من نوع مختلف: ماذا لو لم تعد أدواتنا القديمة كافية؟
وهذا تحديدًا ما يضعف عادةً في لحظات التصلب الحضاري.
وفي المجال العربي الحديث، كثيرًا ما جرى التعامل مع القدرة على التصور بوصفها منطقة مريبة:
السؤال الجذري يبدو أحيانًا أقرب إلى الفوضى منه إلى المعرفة، والنقد يُفهم خصومةً مع الهوية أكثر من كونه محاولة لفهم شروط استمرارها، والتجريب يُقرأ تهديدًا للاستقرار لا اختبارًا لإمكانات جديدة.
وهكذا تتراكم التشوهات داخل بنية الإدراك الجمعي دون أن تُرى على حقيقتها؛ لأن كل تشوه، منفردًا، يبدو قابلًا للتبرير أو التأويل.
لكن المجتمعات لا تنهار لأنها سألت أكثر مما ينبغي.
كثيرًا ما تنهار لأنها فقدت القدرة على مساءلة البدهيات التي تنظم رؤيتها للعالم؛ البدهيات التي تمنع السؤال قبل أن تكتمل صياغته.
ثانيًا: النهضات لا تبدأ بالأجوبة… بل بشرعية السؤال
في بغداد العباسية، لم يكن المشهد الاستثنائي كامنًا فقط في امتلاء الرفوف بالكتب المترجمة، بل في تحوّل أعمق: انتقال المعرفة من وضعية النقل إلى وضعية الاشتباك.
فلو كانت الترجمة وحدها تكفي لصناعة النهضة، لتحولت كل حضارة قارئة إلى حضارة منتجة بالضرورة.
لكن ما منح لحظة بيت الحكمة وزنها الحقيقي أن المعارف الوافدة لم تُعامل دائمًا بوصفها حقائق نهائية ينبغي تبجيلها أو رفضها، بل بوصفها مواد قابلة للفحص وإعادة البناء.
ولهذا لم يكن علماء مثل ابن الهيثم أو الخوارزمي أو ابن رشد مجرد وسطاء ثقافيين؛ كانوا يعملون داخل أفق يسمح بأن يكون الاعتراض جزءًا من المعرفة لا خروجًا عليها.
ذلك الأفق هو ما أنتج تراكمًا حقيقيًا، لا مجرد إضافة كمية للمعلومات.
وفي النهضة العربية المتأخرة تكرر الدرس نفسه بصوت عربي واضح. لم يذهب رفاعة الطهطاوي إلى باريس عام 1826 لينسخ المناهج، بل عاد ليسأل:
ما الذي يجعل الفرنسيين قادرين على تنظيم المدرسة والمدينة والقانون؟
ولم يكن خير الدين التونسي في أقوم المسالك يمدح أوروبا بقدر ما كان يفكك آليات إدارتها ليقترح أفقًا إصلاحيًا محليًا.
أما الجمعية السورية للعلوم والفنون في بيروت، فقد جعلت النقاش العلني — لا الحفظ — شرطًا للحيوية الفكرية.
وهنا يظهر الفرق العميق بين مجتمع يستهلك الأفكار ومجتمع ينتج شروط التفكير.
إنه فرق لا يُقاس بعدد الكتب، ولا بحجم الإنفاق على التعليم، بل بمدى قدرة المجتمع على تحويل ما يرثه وما يستعيره إلى موارد لإنتاج أفق جديد من الفهم.
وفي العصر الحديث تتكرر القاعدة نفسها بصيغ مختلفة.
فحين خرجت بعثة إيواكورا اليابانية إلى الغرب في سبعينيات القرن التاسع عشر، لم يكن هدفها نسخ أوروبا نسخة ميكانيكية.
كان السؤال الأعمق:
ما الذي يجعل هذه المجتمعات قادرة على إنتاج قوتها؟
ثم كيف يمكن تحويل التعلم الخارجي إلى قدرة داخلية فاعلة؟
ذلك الفارق حاسم؛ فالتحديث الحقيقي لا يقوم على استيراد المنتجات أو الشعارات أو المؤسسات الجاهزة، بل على بناء عقل يستطيع إعادة إنتاج السؤال داخل بيئته الخاصة، عقل يمتلك فاعلية حقيقية في مواجهة شروطه، لا قدرة محدودة على استنساخ شروط غيره.
ومن هنا يمكن إعادة النظر في أزمة التعليم العربي من زاوية أعمق من النقاش المعتاد حول المناهج والتمويل والتصنيفات.
فالسؤال الحاسم ليس: كم مدرسة بنينا؟ بل: أي نوع من العقول نُشكّل؟
هل نُخرّج أفرادًا أتقنوا اجتياز امتحانات الجواب الصحيح؟
أم عقولًا تملك الجرأة المعرفية على صياغة أسئلة لم تدخل بعد في الملخصات؟
فالسؤال هنا ليس ترفًا فلسفيًا؛ إنه الأداة التي تمنع العقل الجمعي من التحول إلى مؤسسة ضخمة لإعادة تدوير اليقين؛ تلك الحال التي يتحول فيها الموروث من مورد للتجاوز إلى سقف للممكن.
ثالثًا: كيف يبدأ الخروج؟ من استعادة الخيال إلى بناء الفاعلية
لكن إذا كانت النهضات تبدأ بشرعية السؤال، فإن استعادة القدرة على إنتاج الممكن لا تتحقق بالدعوة إلى السؤال وحدها؛ بل بإعادة تشكيل العلاقة بالمجهول نفسه.
فهذه القدرة لا تعود بقرار وعظي، ولا باستدعاء خطابي لماضٍ مجيد. إنها تبدأ حين يتغير شيء أعمق:
حين يتحول المجهول من مصدر تهديد وجودي إلى مساحة يمكن دخولها دون أن يفقد المجتمع معناه.
في أوروبا القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لم يكن التحول الكبير مجرد تراكم اختراعات أو اكتشاف قارات جديدة.
كان أيضًا اتساعًا تدريجيًا في شرعية الشك، وفي قابلية بعض المسلمات لأن تصبح موضوعًا للمراجعة.
ولم يأتِ هذا الاتساع دفعة واحدة، ولم يبدأ إعلانًا نظريًا ضخمًا؛ بل تشكل ببطء داخل الممارسة اليومية قبل أن يتحول إلى وعي فكري أوسع.
ولهذا فإن استعادة القدرة على إنتاج الممكن عربيًا لا تبدأ من البحث المباشر عن «المشروع الكبير» بل من إعادة فتح المجال الذي يسمح للعقل بأن يتحرك دون خوف دائم من الخطأ، أو الوصم، أو انهيار المعنى.
وهذا الفتح لا يُلغي الهوية؛ بل يعيد تشكيل علاقتها بالسؤال.
وقد يبدأ الأمر من أشياء تبدو صغيرة أمام ضخامة الأزمة: مدرسة تعتبر النقاش جزءًا من التعلم لا انحرافًا عنه.
جامعة تكافئ الاكتشاف لا إعادة التدوير. مؤسسة تفهم النقد بوصفه آلية تحسين لا إعلان عصيان.
ومجال عام يسمح بتعدد تصورات المستقبل دون أن تتحول الاختلافات فورًا إلى معارك وجودية.
وهذه ليست تفاصيل هامشية في مشهد الأزمة؛ بل التربة التي تتجذر فيها الفاعلية أو تموت قبل أن تولد.
وهذا يحدث بالفعل، لا في الكتب فقط.
ففي القاهرة، يدرب «فاب لاب مصر» منذ عام 2012 آلاف الشباب على تحويل الأفكار إلى نماذج أولية، موسعًا مساحة الانتقال من الاستهلاك التقني إلى التجريب العملي.
وفي أبوظبي، تقدم «مدرسة 42» نموذجًا تعليميًا يقوم على حل المشكلات المفتوحة والعمل التعاوني، بلا أساتذة تقليديين ولا منهج ثابت.
وفي عمّان، فتحت منصة «إدراك» باب تعلم العلوم والمهارات الرقمية لملايين العرب خارج القنوات التعليمية المعتادة.
ما يجمع هذه التجارب ليس الأدوات التقنية بقدر ما يجمعها نمط مختلف من العلاقة بالمجهول:
مساحة للاختبار لا مصدرًا دائمًا للتهديد.
ومع ذلك، لا تملك هذه المبادرات — حتى الآن — ثقلًا كافيًا لإعادة توجيه المنظومة الكبرى. لكنها تكشف شيئًا بالغ الأهمية:
أن الحيوية لا تنتظر دائمًا إذن المركز، وأن ما يبدو جزيرة معزولة قد يكون، إذا تراكمت حوله جزر أخرى وتشابكت شروط استثمارها، نواةً لكتلة أوسع من الفاعلية.
غير أن تحويل هذه الجزر إلى قدرة اجتماعية مستدامة يشترط ما هو أصعب من مجرد وجودها:
أن تجد مسارًا للتشابك والتعزيز المتبادل، وأن تنتج من داخلها نماذج قابلة للنقل إلى بيئات أخرى، وأن تؤطر داخل وعي جمعي يرى فيها بدايةً لا استثناء.
وهذا لا يحدث تلقائيًا؛ بل يحتاج إلى إعادة بناء عادات مؤسسية تسمح للسؤال بأن يتحول إلى ممارسة طبيعية لا امتيازًا نخبويا.
فضاءات تعليمية تعترف بالنقاش بوصفه جزءًا من المعرفة. أنظمة تقييم تكافئ أصالة المساءلة لا سرعة استرجاع الجواب.
ومؤسسات قادرة على التعامل مع الخطأ باعتباره موردًا للتعلم لا دليلًا على الفشل النهائي.
هذه ليست مطالب إصلاحية فحسب، إنها شروط الزمن الحضاري القادر على الإنتاج.
خاتمة: حين يكتشف الأستاذ حدود خريطته
تخيّل أستاذًا جامعيًا أمضى ربع قرن يدرّس المادة نفسها بالطريقة نفسها.
وذات يوم يسأله طالب:
لماذا نفترض أن هذا الإطار النظري هو الإطار الوحيد الممكن؟
يصمت الأستاذ لحظة.
ثم يكتشف، على نحو مقلق، أنه لا يعجز عن الجواب فقط؛ بل يعجز عن تخيّل السؤال نفسه.
هذا العجز ليس فرديًا في جوهره؛ إنه انعكاس لبنية إدراك جمعية لم تتعرض لما يكفي من الاحتكاك الحقيقي مع الجديد، احتكاك يزعزع دون أن يهدم، ويسائل دون أن يفكك.
هنا تبدأ الأزمة.
وربما هنا يبدأ الخروج أيضًا.
فالقدرة على التصور لا تولد حين نعثر على الحقيقة النهائية، بل حين ندرك أن خرائطنا ليست العالم، وأن الهوية الحضارية القوية ليست تلك التي تخاف المراجعة، بل تلك التي تستطيع العبور عبرها دون أن تفقد نفسها.
لكن يبقى سؤال أكثر صعوبة يلوح من خلف كل ذلك:
إذا كان إنتاج الممكن يحتاج إلى مؤسسات وتعليم ومجال عام كي يتحول إلى فاعلية تاريخية، فمن أين تبدأ المجتمعات المأزومة بناء هذه الشروط، بينما لا تزال تتحرك داخل الأزمة نفسها؟
كيف تُنتج مجتمعاتٌ مأزومة شروطَ تجاوزها، بينما أدوات التغيير المتاحة لها لا تزال، بدرجات مختلفة، جزءًا من البنية التي صنعت الأزمة؟
أو بصيغة أشد إزعاجًا:
إذا كانت أدوات التغيير نفسها تتحرك داخل حدود الإدراك التي أنتجت المأزق، فكيف يفتح مجتمع نافذة على الممكن من داخل الشروط التي ما تزال تعيد إنتاج حدود رؤيته؟
ذلك، على الأرجح، هو السؤال الذي لا يواجه العقل العربي في لحظة أزمته فقط، بل في لحظة بحثه عن الخروج منها أيضًا.
الحلقة القادمة:
حين تكون السلطة هي الحارسة على حدّ الإدراك.






