علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
علاء عوض
علاء عوض

كاتب وباجث

علاء عوض يكتب: الحرب تشتعل في إثيوبيا على النفوذ الإمارتي الإسرائيلي

تم اليوم رصد نقل عناصر ومقاتلين للدعم السريع من مدينة الكرمك إلى مطار أصوصا في إثيوبيا، تمهيدًا لإرسالهم إلى دارفور لتعويض هذا النقص، وسط ضغوط وخسائر ميدانية للمليشيا في كردفان، بالتزامن مع توترات الحرب المتصاعدة في إثيوبيا.

مشاركة:
حجم الخط:

الحكومة الإثيوبية تفقد السيطرة على الأراضي الاستراتيجية

في الساعات الأخيرة، تحالف قوات الأمهرة والتيغراي يضعون مدينة لاليبيلا تحت السيطرة، إنها المركز التاريخي الأرثوذكسي لإثيوبيا، وأحد أكثر الأماكن السياحية في البلاد.

في منطقة عفر، الرئة التي يتنفس بها اقتصاد إثيوبيا، تتقدم القوات العفرية المنضمة لتحالف قوات الشعب الإثيوبي ضد حكومة آبي أحمد، في هجمات خاطفة للسيطرة على الطرق التجارية بين جيبوتي وأديس أبابا.

ميليشيات أمهرة وتيغراي ما زالت تحرر مدنًا استراتيجية، وتم الاستيلاء على بلدة سيكوتا في منطقة واغ همرا بإقليم أمهرة الإثيوبي، ويقتربون الآن من أديس أبابا.

أما باقي قوات تحالف الشعب الإثيوبي، فتفوز باللعبة في الريف الإثيوبي وتسيطر على معظمه، في ظل انهيار سريع لقوات آبي أحمد.

في الحرب السابقة، من عام 2020 وحتى 2022، نجح آبي أحمد في حملة دعائية لتصوير جبهة تحرير شعب تيغراي على أنها السبب الوحيد لكل المصائب.

نتيجة لذلك، وقف فانو، ذراع عرقية أمهرة، وإريتريا إلى جانب آبي أحمد، وحاربوا جبهة تحرير شعب تيغراي، بدعم أبوظبي
ورغم أن معاهدة السلام الموقعة في بريتوريا في نوفمبر 2022 جمّدت العداءات مؤقتًا، إلا أن العجز عن حل التوترات الإقليمية الأساسية حوّل السلام إلى هدنة هشة للغاية.

بدلًا من الاستقرار، تفتت المشهد الأمني بشكل دراماتيكي في السنوات التالية.

أدى التسليح غير الكامل والاستياء بين الأعراق إلى إنبات تمردات متوازية عنيفة للغاية.

من جهة، ثارت ميليشيات فانو في منطقة أمهرة بالسلاح ضد القوات الاتحادية، بعد الشعور بالخيانة من التنازلات التي قدمتها الحكومة لتيغراي.

من جهة أخرى، في المنطقة الأهم، أوروميا، معقل آبي أحمد، كثّف جيش تحرير أورومو تمرده المسلح طويل الأمد.

أكدت بيانات الرصد من منظمات مستقلة أن البلاد عانت بين 2022 ومنتصف 2026 من أكثر من 7,400 هجوم مسلح، مع كون عرقيتي أمهرة والأورومو محورَي عدم الاستقرار.

الآن يتم الانهيار الكامل للنظام الهش.

بعد إعلان سبع مجموعات متمردة من مناطق مختلفة عن إنشاء ائتلاف عسكري موحد يُدعى تحالف قوات الشعب الإثيوبي للبقاء، بهدف التخلص من حكومة آبي أحمد.

هذا التحالف يحظى بدعم إريتريا وأكثر من دولة إقليمية تقف خلف الكواليس، وتعد لما يحدث الآن منذ أكثر من عام، بالتزامن مع إعلان إثيوبيا رغبتها في الوصول بالقوة إلى البحر الأحمر عبر أرض الصومال وإريتريا، بالإضافة إلى دعمها لحركة الدعم السريع في السودان بتنسيق كامل مع تل أبيب وأبوظبي والحكومة العميلة في أرض الصومال.

أما لماذا الآن تحديدًا انفجر الوضع؟

لا شك أن ساعة الصفر كانت إعلان إريتريا قطع علاقتها الدبلوماسية مع الإمارات، بالتزامن مع تقدم الحوثيين وسيطرة قوات أنصار الله على النقاط الاستراتيجية المحيطة بمضيق باب المندب.

هنا لم يعد أمام التحالف الإسرائيلي الإماراتي في لعبة موانئ البحر الأحمر خيار إلا التفكير في سواحل إريتريا وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية لها، للسيطرة على المياه الاستراتيجية المحيطة باليمن وباب المندب، حيث تبرز إريتريا باعتبارها نقطة استراتيجية مهمة بسبب ساحلها الطويل على البحر الأحمر وقربها من اليمن.

الهدف الاستراتيجي من التخلص من نظام أسياس أفورقي هو إيصال إثيوبيا إلى ميناء عصب على البحر الأحمر، لإحداث توازن جيوسياسي مع النفوذ الحوثي، بما يسمح للكيان المحتل بتأمين بوابته البحرية الجنوبية في إيلات، في ظل صراع محتدم على النفوذ والممرات اللوجستية والموانئ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

لأن التحالف المضاد يدرك ذلك جيدًا، فكان يجب التحرك لإفشال مخطط تفكيك نظام أسياس أفورقي، عبر نقل لعبة الفوضى إلى الداخل الإثيوبي وإعلان تحالف قوات الشعب الإثيوبي، الذي على الفور سيطر على المفاصل المهمة في أكثر من بقعة استراتيجية في إثيوبيا، بالتزامن مع قيام قوات الجيش السوداني بالانتشار على الحدود الإثيوبية لقطع طريق إمدادات قوات الدعم السريع في كردفان، مما ساعد على استعادة القوات السودانية اليوم منطقة “أم سورا” الاستراتيجية في غرب شمال كردفان، واستولت أمس على منطقة سوداري.

يؤدي هذا التقدم إلى تعزيز خطوط الإمداد التابعة للقوات المسلحة وزيادة الضغط على المواقع المتبقية في كردفان لمجموعة حميدتي الإرهابية المدعومة من الإمارات، ليتبقى إقليم دارفور، معقل حميدتي، وجارٍ هو الآخر تطويقه، في ظل انشقاق العديد من قادة وجنود الدعم السريع وانضمامهم للجيش السوداني.

قد تم اليوم رصد نقل عناصر ومقاتلين للدعم السريع من مدينة الكرمك إلى مطار أصوصا في إثيوبيا، تمهيدًا لإرسالهم إلى دارفور لتعويض هذا النقص، وسط ضغوط وخسائر ميدانية للمليشيا في كردفان، بالتزامن مع توترات الحرب المتصاعدة في إثيوبيا.
مما يؤكد وحدة مسرح عمليات الحرب، ليس في إثيوبيا والسودان فقط، بل أيضًا في الصومال، التي تنتظر الفرصة لاقتحام دويلة أرض الصومال للقضاء على آخر موضع قدم لنتنياهو في القرن الأفريقي، بدعم مصري تركي.

ثمة هدف آخر لاشتعال الأوضاع في القرن الأفريقي في هذا التوقيت تحديدًا، قبل انتخابات الكنيست الإسرائيلي نهاية الشهر القادم، لزيادة الضغوط والعزلة على نتنياهو، مما يسهل التخلص منه في تلك الانتخابات.

أما الإمارات، فلم تتحمل تلك الأنباء المؤلمة وخسائر موانئ القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فأصدرت بيانًا اليوم تندد فيه بقوات تيغراي، وتعلن رفض التخلص من عميلها آبي أحمد، وأنها ستقف بجواره حتى النهاية.

تظن أبوظبي أن الوقت يشبه عام 2022، عندما أنقذت آبي أحمد من السقوط أمام قوات تيغراي التي كانت تقف على باب أديس أبابا، لولا المسيرات الجوية التي مولتها الإمارات وأجبرت قوات تيغراي على التراجع.

وقتها كانت إريتريا وعرقية أمهرة تقفان مع حكومة آبي أحمد. اليوم انقلبت المعادلة، وأصبحوا حلفاء لقوات تيغراي.
لذلك ستفشل محاولات الإمارات وآبي أحمد في تصدير صورة ذهنية أن ما يحدث في إثيوبيا مجرد تمرد من إقليم تيغراي.

في منطقة أمهرة، على سبيل المثال، تؤكد التقارير أن الأيام الثلاثة الماضية شهدت إخراج مئات من قوات الحكومة عن الخدمة، بينما تم أسر عدد من العقيدين، كل منهما يقود أكثر من 800 جندي، بعد أن هُزمت وحداتهما على يد مقاتلي فانو.

فقط اليوم، على سبيل المثال، حرّر مقاتلو فانو الأمهري بلدة سيكوتا الاستراتيجية، عاصمة منطقة واغ همرا في منطقة أمهرة.
وفي إقليم عفر، أدت اشتباكات مماثلة إلى فقدان القوات الحكومية السيطرة على ستة أحياء لصالح قوات العفر.

لذلك، كذب آبي أحمد بحصر التمرد في إقليم تيغراي حيلة فاشلة لن يشتريها أحد، ويبدو أنه خلال الساعات القادمة سيدفع الفاتورة المؤلمة لعمالته لأجندة الإمارات وإسرائيل.

بالنظر إلى خريطة أديس أبابا، سنجد:

إريتريا في الشمال تترقب الفرصة المناسبة للتدخل المباشر

أما السودان في الغرب، فلديه كل الحق في كراهية آبي أحمد، بعد الفوضى والخراب الذي حدث للسودان بسبب دعمه قوات حميدتي للدعم السريع.

إلى الشرق، أصبح ممر جيبوتي، الطريق الذي ينقل معظم واردات إثيوبيا، في متناول متمردي إقليم عفر الذين يقاتلون إلى جانب قوات تيغراي.

هذا ليس تمردًا، بل هو تطويق كامل يؤشر إلى نهاية حقبة

لهذا فإن ما يجري حول آبي أحمد قد لا يكون نهاية حكومة فحسب، بل بداية إعادة رسم لخريطة النفوذ من أديس أبابا إلى باب المندب.

في هذه اللعبة، عندما تُغلق طرق التجارة من الشرق وتُفتح الجبهات من الشمال والغرب، يصبح السؤال ليس: هل ستصل الحرب إلى أديس أبابا؟

بل: هل بدأت أديس أبابا نفسها تتحول إلى آخر مربعات الشطرنج في معركة السيطرة على البحر الأحمر؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك