علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن لمداسني
حسن لمداسني

كاتب مغربي

 حسن لمداسني يكتب: ​ابن كيران والنسر ماذا يحدث للفراخ داخل العش؟

النسر قد يكون حيًا، محلقًا، وحاضرًا بقوة وقسوة في السماء، لكن أبناءه لا يعيشون بالطريقة نفسها على الإطلاق، فمنهم من يتخم حد التخمة والرفاهية، ومنهم من يموت قهرًا وتهميشًا تحت ثقل الحاجة.

مشاركة:
حجم الخط:

​خلال إحدى المحطات الانتخابية لعام 2026، وأمام حشد من الجماهير المتتبعة للخطاب السياسي، استشهد عبد الإله بنكيران زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي، ورئيس الوزراءالأسبق، بالمثل الشعبي المغربي الشهير: “إلى عاش النسر، عاشو ولادو”

 القصد السياسي المستهدف من هذا الاستشهاد المباشر واضحًا ولا لبس فيه

ومفاده أن الدولة إذا كانت قوية ومستقرة، فإن أبناءها بالضرورة يستفيدون من قوتها ويحتمون بظلها الورق، أي إن رفاهية المواطن وتنميته مرتبطتان تلقائيًا بقوة الدولة وهيبتها في محيطها.

لكن هذا الاستشهاد بالذات، وبدافع الفضول المعرفي والعلمي، يدفعنا للبحث في البيولوجيا العميقة لطبيعة حياة النسور والطيور الجارحة داخل أعشاشها… وهنا تكمن المفارقة والصدمة!

​إن حياة الفراخ داخل عش النسر خالية تمامًا من كل معاني التضامن، والتكافل، والعدالة في توزيع الموارد.

في عالم البيولوجيا، تُعرف هذه الظاهرة باسم “القتل بين الأشقاء” (Siblicide)، حيث يسود العش منطق أليم وصارم؛ إذ يستحوذ فرخ واحد — وغالبًا ما يكون الأكبر سنًا والأشرس بنية — على الموارد والغذاء كله.

في المقابل، لا يتدخل الأبوان مطلقًا لحماية الفرخ الضعيف أو إنصافه، بل يلتزمان بالحياد التام ويكتفيان بتقديم الطعام لمن يصرخ أكثر، ولمن يمتلك القدرة البدنية على انتزاع اللقمة بالقوة.

في أغلب الأحيان، ينتهي هذا التدافع داخل العش الصغير بوفاة الفرخ الأصغر جوعًا وإرهاقًا وتهميشًا.

بل إن الأكثر قسوة في منطق “عش النسر” أنه عند موت الفرخ الضعيف لا يُحزن عليه، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى وجبة دسمة يستمتع بها أخوه الأقوى أو حتى أبواه لمواصلة البقاء!

تبرز المفارقة السياسية المخيفة عند إسقاط هذا النموذج البيولوجي على الاجتماع البشري:

إذا تركت الدولة (النسر) التنافس المجتمعي والاقتصادي داخل الوطن (العش) يُدار بلغة الأنياب والمخالب، حيث يُترك المستضعفون لمواجهة مصيرهم المحتوم تحت أقدام الكبار، بلغةٍ لا ترحم أنين الجياع ولا تسأل عن القتلى عند خط النهاية، فإننا نكون أمام تطابق مرعب مع قانون الغاب.

​فالنسر قد يكون حيًا، محلقًا، وحاضرًا بقوة وقسوة في السماء، لكن أبناءه لا يعيشون بالطريقة نفسها على الإطلاق، فمنهم من يتخم حد التخمة والرفاهية، ومنهم من يموت قهرًا وتهميشًا تحت ثقل الحاجة.

إن المعنى الحقيقي لوجود وطن يلمس شتات أبنائه، وتجسيد دولةٍ تصون أدميتهم، يتجلى في كسر هذا المنطق الوحشي.

فالفرق الجوهري بين منطق “عش النسر” ومفهوم “الوطن” هو أن الأول محكوم بقانون الطبيعة المجرد (البقاء للأقوى والتطاحن على الموارد) بينما الثاني لا يستقيم استقراره، ولا تستمر مشروعيته، إلا بمنطق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحماية الضعفاء من توحش الأقوياء.

شارك المقال:

شاركنا برأيك