كمال خليل يكتب: في ذكرى أحمد عبد الله رزة
"لن نفض الاعتصام إلا بشرط واحد هو مجيء رئيس الجمهورية هنا إلى القاعة للإجابة عن التساؤلات الطلابية وتلبية المطالب"

أحمد عبد الله رزة (وسائل التواصل)
اهداء خاص لروح المناضل احمد عبد الله رزة
رئيس اللجنة الوطنية العليا للطلاب عام 1972 وابن حى عين الصيرة
اعتصام جامعة القاهرة والكعكة الحجرية
طوال أيام الخميس والجمعة والسبت تقريبًا كان هناك نقاش طويل أعلنت عنه اللجنة الوطنية العليا من أجل صياغة “وثيقة الحركة الطلابية” وكان النقاش ديمقراطيًا والمنصة مفتوحة لكل من يرغب في الكلام وعرض وجهة نظره.
أيضًا تم الاستيلاء على الإذاعة ومكبرات الصوت وإدارتها بشكل جيد حتى لا يتم تخريب المؤتمر المنعقد بشكل مستمر بالقاعة ويحضره بالداخل أكثر من سبعة آلاف طالب.
كان عرسًا ديمقراطيًا بجد
في الإضرابات والاعتصامات يكون للجماهير قوتها وإبداعها
شيئا عظيمًا لا تحسه إلا وأنت بينهم.
تقريبًا في يوم الأحد ثم قراءة اقتراح بوثيقة الحركة الطلابية
صاغته اللجنة الوطنية العليا تتويجًا لنقاش الأيام السابقة
أخذ التصويت على الوثيقة وتم الموافقة عليها بإجماع الطلاب لأنها عبرت عن روح النقاش الذي دار.
تم طباعة الوثيقة ببدروم القاعة وبكميات هائلة وتم توزيعها على جميع طلاب الجامعة وعلى جميع المناطق المحيطة بالجامعة وتم توصيلها لجمع صحف الحكومة والتي أمتنعت عن نشرها.
تشكل وفد من اللجنة العليا للطلاب لمقابلة رئيس الجامعة وقتها ( دكتور حسن إسماعيل: أستاذ الهيدروليكا بكلية هندسة القاهرة)
وكان رجلاً شديد الاحترام فبعد أن قرأ الوثيقة التي حوت تساؤلات ومطالب الطلاب لم يكتفي بموافقته عليها بل أصدر بيانًا موقعًا بتوقيعه كرئيس للجامعة بتأييد مطالب الطلاب وتساؤلاتهم المشروعة.
أخذ الطلاب بيان رئيس الجامعة وطبعوه ووزعوه بنفس طريقة توزيع الوثيقة الطلابية.
“سلام مربع للطلاب”
وفي اعتصام طلاب الجامعة يبرز الشاعر زين العابدين فؤاد بقصائد جميلة:
“أحنا المساجين المساجين.. أحنا ولاد مصر الجايين.. أحنا أخوات الشهداء.. أحنا الشهداء الجايين
أخواتنا ماتوا على الكباري.. وإحنا ولاد نفس الحواري”
“وعرابي لما أنكسر على الحصان، ما أنهدت الخيل، ولا قلت الفرسان”
وتبرز أسماء كالقمر في سماء الجامعة والمجتمع:
“أحمد عبد الله رزة” و”سهام صبري”
قائدان جماهيريان حينما يتحدث كل منهما في قاعة الجامعة ينصت إليهم الجميع
إحساس عالي بالبشر وصدق في الكلمات تتعلم منهما يا من تريد أن تتعلم فن مخاطبة الجماهير.
محمد حماد يكتب: خطيئة ساويرس .. مصر ليست يتيمة
ويبرز أبناء الحركة الطلابية كالورد المفتح في جناين مصر:
بدأ الاعتصام في صباح يوم الخميس 17/ 1 / 1972 وتم فضه بالقوة الجبرية في فجر يوم الخميس 24 يناير 1972.
سبعة أيام هزت مصر كلها وكانت بمثابة عودة الروح.
ظللنا من صباح الخميس حتى الثلاثاء تقريبًا نردد كلمة واحدة قاعة ومنصة:
“لن نفض الاعتصام إلا بشرط واحد هو مجيء رئيس الجمهورية هنا إلى القاعة للإجابة عن التساؤلات الطلابية وتلبية المطالب”
لم تكن هناك خبرة كافية فقد كنا شبابًا في سن العشرين والثلاثة والعشرين عامًا.
طبعًا كان هذا شرطًا مستحيلاً لكن هذا الشرط أطال من عمر الاعتصام.
في صباح الأربعاء عرض من قبل السلطات على اللجنة الوطنية العليا عرضًا بإرسال وفود من الطلاب لمناقشة أعضاء مجلس الشعب في مطالبهم.
استجابت اللجنة لهذا العرض وطرحته للمناقشة فلاقي ترحيبًا من جماهير الطلاب.
وجهزت إدارة الجامعة عدة أتوبيسات لنقل وفود الطلاب إلى مجلس الشعب.
حرصنا على أن يكون الوفد كبيرًا.
فقد كان الوفد يضم كل لجنة وطنية تم انتخابها من كل كلية (يعني خمسة طلاب من كل كلية) ركبنا الأتوبيسات (اللجان الوطنية بالكليات مع اللجنة العليا) وظل الاعتصام قائمًا.
ذهبنا إلى مجلس الشعب بشارع القصر العيني ودخلنا إلى قاعة مجلس القرع.
وكان رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت هو الدكتور جمال العطيفي.
ودارت مناقشات حامية بين قادة الطلاب وبين أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا يتحدثون بلغة رجال السلطة وحراسها بينما الطلاب كانوا يتحدثون بلغة الوثيقة الطلابية وضمير الشعب.
أنتزع المتحدثون من قيادات الطلاب التصفيق الحاد حتى من كتلة النواب التي حضرت اللقاء.
برز دور أحمد عبد الله وسهام صبري في هذا اللقاء.
وانتهى النقاش بطلب متواضع من الطلاب:
“نحن مستعدون لفض الاعتصام فورًا إذا أخذنا وعدا بنشر الوثيقة الطلابية في الصحف الحكومية حتى يعرف الشعب مطالبنا والتي ليست مطالب فئوية للطلاب وإنما هي مطالب عامة تخص المواطنين جميعًا عن حالة اللا سلم واللا حرب وحرية الصحافة والإفراج عن المعتقلين من العمال… الخ”
صفق رئيس مجلس الشعب والحاضرون معه من النواب ووعدونا بنشر الوثيقة الطلابية في جرائد الصباح بل زادوا على ذلك وسنذيع نص الوثيقة في نشرة أخبار الحادية عشرة مساءًا.
وقالوا لنا:
أتركوا وفدا منكم من ثلاثة أشخاص لكي يرسلوا الوثيقة للإذاعة ولرؤساء تحرير الصحف.
أنتهى الاجتماع وصفقوا لنا وصفقنا لهم واعتبرنا إننا وصلنا إلى حل مُرضي.
تركنا معهم ثلاثة من زملائنا في اللجنة الوطنية العليا من بينهم رئيس اللجنة ورجعنا في الاتوبيسات إلى الجامعة والاعتصام.
(لم نكن نعرف أن هناك خديعة، وثقنا فيهم حينما صفقوا لنا ولم نكن ندري أن لهذه السلطة مخالب شرسة وأن أعضاء مجلس الشعب كانوا أمامنا أظافر ناعمة)
أعلنا لجميع الطلاب المعتصمين
(وكنا في حوالي الساعة العاشرة مساءًا وكان المعتصمون بالآلاف)
ما توصلنا إليه مع أعضاء مجلس الشعب ووعدهم بنشر الوثيقة الطلابية في الصحافة والإذاعة.
أعتبر الطلاب المعتصمون ذلك نصرًا هائلاً بأن تصل مطالبنا للشعب.
أعلنا عدم فض الاعتصام إلا بعد نشر واذاعة الوثيقة وحضور زملائنا الثلاثة.
لكن في الواقع أنصرف عدد هائل من المعتصمين ولم يتبقى بالقاعة غير ألف طالب..
والذين انصرفوا اعتقدوا أن الاعتصام حقق نتائجه.
فتحنا المذياع على صوت القاهرة في انتظار نشرة الحادية عشرة لنستمع للوثيقة الطلابية حين تذاع .
نشرة عادية كجميع النشرات المملة التي تعودنا عليها ولا شيء عن الوثيقة الطلابية ولا شيء عن لقاء اللجان الوطنية بأعضاء مجلس الشعب ولا شيء عن الوفد الذي لديهم.
إنها بداية اكتشاف الخديعة.
وأتجه تفكيرنا في أنهم اعتقلوا زملاءنا الثلاثة لديهم لكن بعد وقت قليل حضر الزملاء الثلاثة.
وأعلن أحمد عبد الله لبقية المعتصمين:
إنه عقب انصراف زملاءنا قال لنا أعضاء مجلس الشعب ورئيسهم:
ليس أمامكم إلا أن تعودوا وتعلنوا فض الاعتصام!
والوثيقة لن تنشر في صحف ولن تذاع في إذاعة!
ولقد كان هدف السلطة من هذه المناورة هو كسب الوقت فعيد الأضحي المبارك على الأبواب خلال أيام قادمة.
وكان الغيظ يملأ الجميع آه يا بلد الكدابين.
افترشنا الأرض في طرقات القاعة.
لم يكن أمامنا سوى انتظار مجيء زملائنا في الصباح (الذين انصرفوا إلى منازلهم بعد أن اعتقدوا أن الاعتصام قد حقق أغراضه) لعرض الأمر عليهم واتخاذ قرار موحد..
لم نكن ندرك أن لهذه السلطة أنياب.
ولم يفكر أحد منا في أن قوات الأمن المركزي تستعد لاقتحام الجامعة وفض الاعتصام بالقوة!
رحنا في نوم عميق وكانت هذه الليلة باردة.
كنا ننام على الأرض ونفرد السجاجيد كبطاطين فوقنا لتلافي برد الشتاء…
كانت الليلة هي فجر 24 يناير 1972.
فجأة جاءت مجموعة من فرق الحراسة والنظام من الطلاب والتي كانت تراقب بوابات الجامعة.
ثلاثة زملاء يصرخون بأعلى صوتهم:
أصحوا يا زملاء مجنزرة ضخمة تقتحم باب الجامعة.
قفلت لجنة النظام باب الجامعة بالجنزير لكن المجنزرة اقتحمت الباب وخلفها المئات من جنود الأمن المركزي.
أخذنا نصحو من النوم وكل طالب يهز زميله لكي يصحو:
أصحي، أصحي الأمن المركزي يقتحم الجامعة
وقفنا جميعًا في القاعة ونحن نشاهد العديد من طوابير الأمن المركزي المدججين بالبنادق والرشاشات يقتحمون طرقات القاعة في صيحات همجية.
كنا نرتعش من البرد ومن الخوف أيضًا.
إنها معركة حربية، طلاب عزل في مواجهة جحافل مسلحة.
صرخ بعض الطلاب:
لا بد أن نقاوم لن نستسلم وأحضروا بعض الشوم من مخزن لمعدات الدفاع المدني ببدروم القاعة.
دخل ضابط جنرال يعلن أنه العقيد أو العميد الفولي من خلال مكبر الصوت:
“كله يسلم نفسه كل واحد يرفع أيديه الاثنين لفوق… وتخرجوا من القاعة في طابور فردي”
“أوعدكم بشرفي أنكم مروحين حالاً على بيوتكم،الأوامر عندي من أعلى السلطات بفض الاعتصام”
وهنا أمسك أحمد عبد الله رزة رئيس اللجنة الوطنية ميكرفون المنصة قائلا:
“أيها الشباب لن نقاوم، القوة غير متكافئة، نحن عزل وهم مدججون بالسلاح”
“نحن أصحاب كلمة وقلم وفكر، نحن أصحاب مبادئ، معركتنا مستمرة معهم”
“سنراهن على جماهير الطلاب وعلى الحركة الطلابية، قد نستسلم لهم في هذه اللحظة أمام جحافل قواتهم،لكن الحركة الطلابية لن تستسلم ولن تلين”
إلى العقيد الفولي نقول لك لا تحلف بشرفك.
فالسلطات العليا اللي أعطتك الأوامر باقتحام الحرم الجامعي لو كان عندهم شرف كانوا نفذوا الاتفاق الذى تم معهم بالأمس بنشر وثيقة الطلاب على الرأي العام!
“أخواني الطلبة… مشوارنا لسه في أوله… ومادام بدأنا نكمله…”
ورفع أحمد عبد الله يديه إلى أعلى ليشكل أول طابور المعتقلين.
خرجنا جميعًا رافعين الأيدي والرؤوس وسط الجنود المدججين بالسلاح.
خرجنا من القاعة إلى الحرم الجامعي في طابور فردي طويل وشبورة الصباح تملأ المكان.
وفجأة أنطلق وبدون ترتيب من أحد وبشكل تلقائي صفير بالفم من أحد الطلاب أتبعه الجميع.
نغمة الصفير تنطلق من بين شفاه الألف معتقل تغرد:
“بلادي… بلادي.. بلادي… لك حبي وفؤادي”
لم يكن سيد درويش يدرك حينما أبدع هذا اللحن الجميل أن ذلك اللحن وعلى نغماته سوف يحشر الطلاب المعتقلين كل 40 فرد في عربة أمن مركزي… وما زالت الشبورة قائمة.
ما زال الصفير مستمرًا داخل العربات… خمسة وعشرون عربة تسير في طابور طويل.
منطلقة من أمام باب الجامعة إلى تمثال نهضة مصر إلى كوبري الجامعة إلى شارع صلاح سالم إلى معسكر أمن مركزي بالدراسة.
طوال الطريق لم ينقطع نغمة الصفير “بلادي… بلادي”.
لم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبين؟
بشكل عام نعرف إننا ذاهبون وراء الشمس.
دخلنا إلى أحد إسطبلات الخيول في معسكر الدراسة، مكان فسيح حشرنا فيه ورائحة الروث تنبعث من المكان.
والاسطبل له حائط خارجي تتخلله عدة شبابيك .
وعلى كل شباك من الخارج يقف عدد من الجنود مدججين بالسلاح للحراسة.
الشيء الوحيد الذي كنا نعرفه وقت أن وصلنا لمعسكر الأمن المركزي هذا:
أن العقيد الفولي ليس عنده شرف،كانت كلماته ترن في أذن الجميع:
“بشرفي كلكم مروحين حالاً لبيوتكم”!
جلسنا في مجموعات متجاورة طلبة وطالبات نتجاذب أطراف الحديث.
كان السؤال المطروح في ذهن كل منا:
ماذا سيفعل زملاؤنا حينما يذهبون إلى الجامعة ويعرفون أننا اعتقلنا في الفجر؟
هل سيتحركون؟!
هل سيخافون؟!!
في التاسعة صباحًا حضر إلينا أحد الجنرالات بزي مدني وأخذ يحدثنا:
“الجامعة فتحت صباح اليوم، الدراسة منتظمة بالجامعة،القاعدة الطلابية سليمةن وأنتم فعلاً مظلومين، نحن نريد منكم فقط 30 طالب، همه المشاغبين، وبعد كده كل واحد يروح لبيته، وعلى فكرة كل اللي كانوا معتصمين معكم منتظمين في الدراسة!”
ثم قرأ علينا أسماء الثلاثين المطلوبين.
عقب هذه الكلمات أمسكنا جميعًا بأيدي بعض وجعلنا الثلاثين مشاغبًا في وسط الدائرة.
أحطناهم كحائط صد وخرج الهتاف الشهير:
“يا نعيش سوا… يا نموت سوا” يهز أركان الاسطبل.
لم يستطيعوا أن ينتزعوا طالبًا واحدًا من بين الألف طالب.
تشابكت السواعد وشكل الألف طالب سلسلة بشرية متصلة.
من حين لآخر كان بعضنا يذهب للعساكر على الشبابيك نسألهم:
هل توجد مظاهرات بالخارج؟
وكانت الإجابة جاهزة:
الأمور عادية ومفيش أية مظاهرات.
في الواحدة ظهرًا شاهدنا من الشباك أحد الجنود مصابًا ومحمولاً من زملائه وكانوا قادمين به من الخارج لداخل المعسكر.
وسمعنا أحد الجنود يقول لزميله:
“يا عم تعال شيل معايا… المظاهرات مولعة الدنيا برة… المظاهرات وصلت لميدان التحرير”
سرى الخبر كالهشيم وسط الألف معتقل وتعالت الهتافات:
“حركة طلابية واحدة… وكلنا يد واحدة.. يا نعيش سوا… يا نموت سوا…”
استنتجنا إن الستة آلاف طالب الذين غادروا الاعتصام بالأمس على أن الاعتصام حقق أغراضه قد تحركوا حينما جاءوا في الصباح وعرفوا أنه تم اعتقالنا في الفجر.
والذي حدث ولم نكن نعرفه أنه بعد اعتقالنا ظهرت جرائد الصباح وطبعًا ليس بها وثيقة الطلاب وإنما تحتوي على خبر إغلاق الجامعات المصرية لمدة شهر.
وتم حصار الجامعة بقوات ضخمة من الجنود لمنع الطلاب من دخول الجامعة ومواصلة الاعتصام.
ولما تجمع الطلاب خارج الكردونات العسكرية التي تمنعهم من دخول الجامعة انطلقوا بالمظاهرات نحو ميدان التحرير.
وتم نقل الاعتصام من جامعة القاهرة أو عين شمس إلى ميدان التحرير..
وشكل اعتصامهم كعكعة حجرية من البشر تلتف حول صينية ميدان التحرير.
وكانت أيام الأربعاء والخميس (24 ,25 يناير 1972) من الأيام الجميلة في تاريخ شعبنا بميدان التحرير.
لكننا كنا في هذه الأيام الحلوة داخل الاسطبل خلف الأسوار لكن قلوبنا كانت في التحرير.
” واصحى أصحى يا جماهير ورد بلادك في التحرير”
عند المغرب جاء إلينا الجنرال الكذاب مرة ثانية وأعترف في حديثه بأن هناك مظاهرات من أجلنا في ميدان التحرير وأنه صدر قرار بالإفراج عنا.
تم تجميعنا في الـ 25 عربة أمن مركزي مرة ثانية كل 40 في عربة وسارت العربات إلى مبنى مكون من عدة طوابق يحيط به فناء عرفنا بعد ذلك أنه معهد أمناء الشرطة بمنطقة سجون طره.
كل 40 طالب أدخلوا في عنبر من عنابر المبني بأحد الطوابق وبالعنابر أسرة نظيفة.
أحضروا لنا طعام من مربى وعسل نحل وبيض وجبن واعتبرنا أن ذلك من مقدمات الإفراج (أسرة وطعام جيد) وكان الأمر كذلك، لكن أمورهم دائمًا لا تخلو من خديعة.
لماذا تم نقلنا من الإسطبل إلى عنابر معهد أمناء الشرطة؟
في الإسطبل تشابكت الأيادي وكون الألف معتقل سلسلة بشرية لم يتمكنوا من خلالها انتزاع الثلاثين طالبًا.
(كان بالطبع يمكن انتزاعهم بالقوة، ولكن بمعركة سوف يسقط فيها ضحايا من الطرفين)
أما في معهد أمناء الشرطة والذي يتكون تقريبًا من سبعة طوابق فإنه تم تفريقنا على مجموعات متباعدة ليسهل عليهم انتزاع الثلاثين من بيننا.
جلسنا نأكل الطعام بعد يوم من العناء الطويل وهنا سمعنا صوتًا جميلاً من الطلاب وقف يغني على شباك أحد العنابر،توجهنا ناحية الشبابيك.
عرفنا أننا في مكان واحد لكننا متفرقين داخل العنابر صاح زميلنا مغنيا:
“ومنين أجيب ناس لمعاني الكلام يتلوه.
الطالب في البلد دي لما أتكلم يا ناس اعتقلوه.
الحادثة اللي جرت على شاب مصراوي.
الاسم طالب.. لكن في الأصل مصراوي…
مواله شعبه، وشعبنا ظلموه
وأسترسل في الموال بنفس طريقة محمد رشدي في موال أدهم الشرقاوي بعد تحويره على الطلاب وقال:
“الطالب دخل المعتقل سنه 18…
وقعد في المعتقل لما بلغ 118
وفي السن ده جاله خبر أنور”
زعق الطلاب من الشبابيك:
أنت عايزنا نعقد هنا 100 سنة كمان.
ورد آخر: وعايز أنور السادات يحكمنا 100 سنة كمان”
كانت ليلة جميلة وكان مصدر جمالها إن زملاءنا يواصلون القضية في الشارع في ميدان التحرير.
وعرفنا أن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام نزلا إلى اعتصام ميدان التحرير.
وقرأنا بعد ذلك عندما أفرج عن الجميع قصيدة الكعكة الحجرية للشاعر العظيم أمل دنقل…
وقرأنا أيضًا البيانات السبعة لاعتصام التحرير، شاهدتها مع من شاركوا في الاعتصام.
كان العنوان دائمًا (بيان رقم 1) أو (بيان رقم 5) وكل بيان لا يزيد عن سبعة سطور تم كتابتها بالورق والكربون، تحوي مطالب سريعة مثل الإفراج عن الطلاب المعتقلين، حرية الصحافة، رفض حالة اللا سلم واللا حرب.
غنى إمام ونجم مع المعتصمين
” جيفارا مات “
الحياة تتفتح… والجسور تتلاحم”
وأخرج نجم وإمام قصائد وأغنيات جديدة:
“رجعوا التلامذة.
يا عم حمزة للجد تاني.
رجعوا التلامذة ورد الجناين”
وكان أشهر الشعارات للطلاب في ميدان التحرير:
العيد ده مش عيدنا… بياكلوا ف لحم أخواتنا.
يا نعيش أحرار في بلدنا…. يا نموت ويا أخواتنا”
طوال الليل كنا نرحل على هيئة مجموعات متفرقة إلى مبنى في وسط القاهرة
عرفنا فيما بعد أنه مبنى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي.
في الدور الرابع كان يجلس جنرال مع كل مجموعة قادمة من معهد أمناء الشرطة ويلقى عليهم نفس الأسطوانة المشروخة:
“القاعدة الطلابية سليمة، فيه مخطط أجنبي ضد مصر، الثلاثين اللي أخذناهم طلعوا عملاء لكوريا الشمالية، وبتوع كيم أيل سونغ، دول مخربين، دول شيوعيين، أنتو ناس وطنيين، عشان كدة أفرجنا عنكم، ومش في كل مرة بتسلم الجرة، وبصوا بقي لدراستكم وأهاليكم، ولما تتخرجوا أبقوا أعملوا اللي أنتم عايزينه، الطالب طالب علم فقط”
وكنا جميعًا نستقبل تلك الكلمات باستهجان ونقول لهم الثلاثين اللي تم اعتقالهم دول أشرف ناس.






