لماذا يستمر الجدل حول عبد الناصر؟
علما بأن خسائر مصر البشرية في يونيو 67 تتراوح بين 10 ل 15 ألف شهيد، بحساب المفقودين

صورة تعبيرية للمقال
صراع الحاضر وليس الماضي
الذين يُحيون ذكرى عدوان يونيو 67 بالعويل والنحيب لا ينطقون بكلمة عندما تأتي ذكرى مقتل نصف مليون مصري من اصل مليون و200 ألف.
شاركوا بأمر من الاحتلال الإنجليزي والسلطان حسين كامل في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) لخدمة الإنجليز في حربهم مع الألمان والأتراك.
إن كنت تُشفق على دم المصريين وكرامتهم، فأي الحربين أولى بإحياء ذكراها؟
علما بأن خسائر مصر البشرية في يونيو 67 تتراوح بين 10 ل 15 ألف شهيد، بحساب المفقودين.
معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟
معصوم مرزوق يكتب: متواليات الجيش والسلطة؟
لماذا يحدث ما سبق؟
لأن التذكير بدم المصريين الذي راح هدرًا في الحرب العالمية الأولى سيجر الرأي العام المصري لكراهية المحتل الإنجليزي.
لكن التهويل مما جرى في يونيو ٦٧ سيرسخ لدى الأجيال الناشئة الخوف من تحدي الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني.
أو السعي لبناء قطاع عام قوي وصناعة مستقلة مرة ثانية حتى لا تكون العاقبة “هزيمة فادحة” جديدة وهنا يتلخص الأمر كله.
خذ عندك مثال آخر:
ذهبت مصر إلى الكونغو في عهد جمال عبد الناصر لدعم باتريس لومومبا المناضل ضد الاستعمار البلجيكي بعدما تولى رئاسة الحكومة عقب الاستقلال.
كانت المشاركة عربية (مصرية سورية) مشتركة بقيادة سعد الدين الشاذلي، وكان الهدف حماية دولة الكونغو الناشئة من المؤامرات الاستعمارية التي تستهدف تفكيكها.
لاحقا إنقاذ أسرة لومومبا بعد نجاح المؤامرة
ثم أرسلت مصر -مرة أخرى- في عهد أنور السادات طيارين ضمن نشاط نادي السفاري الذي أسسته المخابرات الغربية لدعم موبوتو عميل الاستعمار الذي نجح في الوصول للحكم بعد استشهاد لومومبا.
لكن من يتحدث عن الكونغو و”مغامرات مصر في العالم” سيتعرض لتجربة عبد الناصر، ولن ينطق كلمة واحدة عن تجربة أنور السادات.!
لماذا أيضا يحدث ما سبق؟
لأن الذي يضع الأجندة ويوجه سياق الجدل السياسي، يريدك أن تعادي الأساس التحرري الذي انطلق منه عبد الناصر، وتملك مشاعر سلبية تجاهه.
لكن فيما يتعلق بالسادات فالتدخل العسكري كان بتحريض من الغرب لذا لن تصل إلى مسامعك أي إدانة بخصوصه.
الحقيقة أن الخديوي إسماعيل أرسل الجيش المصري في مغامرات عسكرية فاشلة (معركة جوندت في نوفمبر 1875 وجورا في مارس 1876) في أثيوبيا.
كما أرسل الخديوي عباس الأول الجيش المصري للقتال بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا لنصرة العثمانيين في مواجهة الروس في حرب القرم 1835.
كما أرسل الخديوي سعيد أورطة مصرية/سودانية لدعم الإمبراطورية الفرنسية في المساعي الاستعمارية والاستبدادية المحلية في المكسيك.
وأرسل حسني مبارك الجيش في تحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية للحرب على العراق عام 1990 بذريعة تحرير الكويت، وكان المقابل شطب ديون مصرية.
كل ما سبق أنت ستتسامح معه، أو لن تسمع به
لكن ستعرف فقط عن المشاركة المصرية في دعم ثورة اليمن في الشمال ودعم تحرير جنوبها من الإنجليز في الستينات، وستأخذ موقفا سلبيا منها.
السبب من جديد يعود إلى أن خصم مصر وقتها كان تحالف من القوى الرجعية الإمامية الحاكمة لليمن – السعودية – شاه إيران- إسرائيل- الإنجليز.
كل دعاية مستمرة حتى اليوم ضد التدخل المصري في اليمن يقف خلفه أعضاء في هذا التحالف.
عندما يتورط أحد في الدفاع عن تصرفات الأمن مع أعضاء جماعة الإخوان في السجون بعهد عبد الناصر، عليه قبل ذلك أن يسأل الجماعة نفسها:
لماذا تُسامح الملك فاروق الذي قامت حكومته برئاسة إبراهيم باشا عبد الهادي بتدبير قتل حسن البنا مؤسس الإخوان، ومنعت الرجال من المشاركة في جنازته، فحملت النساء جثمانه؟!
ولماذا تتسامح الجماعة مع حسين كامل الذي كان تنصيبه سلطانا بعد عزل الخديوي عباس حلمي الثاني بأمر مباشر من وزير خارجية الإنجليزي إعلانا بانتهاء أي رابطة بين مصر والسلطة العثمانية حتى لو كانت رابطة أسمية شكلية؟!
إن كانت القضية حقوقية صرف
لماذا أصلا نتجادل حول عبد الناصر و(سجون) عبد الناصر؟
ولا نتجادل حول فاروق والسادات و(سجونهما) أيضا؟!
وبالمثل وعلى سياق أممي، لماذا نتجادل حول النظام في كوريا الشمالية، بينما جرائم سنجمان ري في كوريا الجنوبية أو الإمبراطور/الإله هيروهيتو الياباني لا يعرف أحد بها؟!
مرة أخيرة:
الأمر كله أن ثمة مشروع أسسه ناصر وسعى لإتمامه، أخطأ وأصاب خلال التنفيذ، نعم.
لكن المستهدف هو تلطيخ سمعة المشروع نفسه لمنع أي مساعي لتكراره مرة أخرى. وتأتي المحاولات عبر هذا الباب أو ذاك بالتبادل.






