محمد حماد يكتب: خطيئة ساويرس .. مصر ليست يتيمة
كانت، في الوقت نفسه، إنكارًا لمكانة مصر التاريخية ولدورها الذي سبق نشأة كثير هذه الدويلات في يوم من الأيام.

نجيب ساويرس (وسائل التواصل)
حين وصف الملياردير نجيب ساويرس الشيخ محمد بن زايد حاكم الامارات بأنه “الأب الروحي لمصر”
لم تكن المسألة مجرد زلة لسان ساقطة أو مبالغة لفظية ممجوجة يمكن تجاوزها بسهولة.
العبارة التي ارادها تعبيرًا عن الامتنان والتقدير الشخصي لدور يراه ساويرس مؤثرًا في البيئة الاقتصادية والاستثمارية التي استفاد منها هو وغيره من رجال الأعمال خلال العقود الأخيرة.
وكانت، في الوقت نفسه، إنكارًا لمكانة مصر التاريخية ولدورها الذي سبق نشأة كثير هذه الدويلات في يوم من الأيام.
ولا خلاف على حق أي إنسان في أن يعبر عن امتنانه لمن يعتقد أنه أسهم في نجاحه أو نجاح محيطه.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الشخص الذي وُجه إليه المديح، ولا حتى في النوايا التي دفعت إلى إطلاقه، بل في الدلالة السياسية والفكرية الكامنة وراء التعبير نفسه.
محمد حماد يكتب: الإمبراطورية المهزوزة ترامب يتوعد شركاءه
محمد حماد يكتب: بين الرئيس والإعلامي
فالدول لا يكون لها آباء روحيون. هذه اللغة قد تصلح لوصف علاقة فرد بمعلمه أو مريد بشيخه، لكنها تصبح سقوطًا حين تُسقط على دولة بحجم مصر وتاريخها ومكانتها.
مصر ليست موضوعًا لمجاملة وقحة، ولا ساحة تُسقط عليها مشاعر الامتنان الشخصية، ولا دولة تحتاج إلى “أب روحي” يُمنح لها من خارج حدودها.
وليست جمعية أهلية تبحث عن راعٍ، ولا شركة تحتاج إلى مستثمر رئيسي، ولا كيانًا مستحدثًا يدين بوجوده لمن أنقذه أو موّله.
مصر دولة ضاربة في التاريخ، سبقت معظم الكيانات السياسية المعاصرة في المنطقة بقرون طويلة، وأسهمت في تشكيل محيطها العربي والإقليمي قبل أن تظهر الثروات النفطية وقبل أن تتشكل خرائط النفوذ الحالية.
ومهما بلغت مكانة أي قائد أو دولة أو حجم ما قدمه من دعم أو مساندة، فإن الأوصاف التي قد تصح في إطار العلاقات الشخصية لا تستقيم حين تُلصق بأمة تمتد جذورها في التاريخ آلاف السنين.
خطيئة ساويرس ليست لأنه مدح شخصًا بعينه، بل لأنها وضعت مصر في موضع المتلقي للوصاية الرمزية، ولو على سبيل المجاز.
وهنا تكمن السقطة الحقيقية. فالأمم الكبيرة لا تُعرّف نفسها من خلال الأشخاص، ولا تستمد مكانتها من رعاية الآخرين، ولا تبحث عن آباء روحيين مهما كانت أسماؤهم أو مواقعهم.
ومن هنا فإن القضية ليست في المديح ذاته، بل في الرؤية التي يقف خلفه.
فالتصريح يعكس تصورًا يرى أن النفوذ المالي قادر على إعادة ترتيب المكانات التاريخية، وأن الثروة تمنح أصحابها موقعًا يتجاوز حدود دولهم ليصبحوا مرجعيات معنوية لأمم أخرى.
وهي رؤية تستحق التوقف عندها لأنها تكشف تحولًا أعمق في طريقة نظر بعض النخب العربية إلى السياسة والتاريخ.
لقد أصبح المال، في نظر كثيرين، المعيار الوحيد تقريبًا للحكم على وزن الدول والأشخاص.
ومن هذه الزاوية يبدو طبيعيًا أن يُنظر إلى أصحاب الثروة والنفوذ الاقتصادي بوصفهم صانعي المشهد الجديد.
لكن التاريخ يعلمنا أن المال، على أهميته، لم يكن يومًا المصدر الوحيد للقوة، ولا العامل الوحيد في صناعة المكانة.
فالحضارة لا تُقاس بحجم الاحتياطي النقدي، والشرعية التاريخية لا تُشترى بالاستثمارات، والدور الإقليمي لا يُختزل في القدرة على التمويل.
ولو كانت الثروة وحدها تصنع الأمم لكانت خرائط النفوذ العالمي مختلفة تمامًا عما عرفه التاريخ قديمًا وحديثًا.
ولهذا فإن الاعتراض على كلام نجيب ساويرس لا ينبغي أن يُفهم باعتباره اعتراضًا على دولة أو قيادة بعينها، بل اعتراضًا على فكرة أوسع:
فكرة اختزال السياسة في المال، واختزال التاريخ في النفوذ الاقتصادي، واختزال مكانة الأمم في قدرتها على الاقتراض أو تلقي الدعم.
إن أخطر ما في هذا النوع من التصريحات أنه لا يكشف فقط عن موقف صاحبه، بل يكشف عن ثقافة كاملة بدأت تتسلل إلى المجال العام، ثقافة تنظر إلى الثروة بوصفها مصدرًا لكل شرعية، وإلى أصحابها بوصفهم أصحاب الحق في إعادة تعريف الأوزان والمقامات التاريخية للشعوب والدول.
وهنا يصبح النقاش ضروريًا، لا دفاعًا عن الماضي، بل دفاعًا عن فكرة أن الأمم أكبر من أرصدتها البنكية، وأن التاريخ لا يُقاس بلغة الميزانيات وحدها.
ولعل السقطة الحقيقية في كلام ساويرس لا تكمن في المديح نفسه، بل فيما يكشفه من خلل في ترتيب المعاني.
فحين يصبح المال معيارًا للتاريخ، والثروة معيارًا للمكانة، يغدو من السهل الخلط بين النفوذ والقيمة، وبين القدرة على التمويل والقدرة على صناعة الأمم.
غير أن مصر لم تكن يومًا مشروعًا استثماريًا حتى تبحث عن مستثمر رئيسي، ولم تكن كيانًا ناشئًا حتى تحتاج إلى راعٍ أو وصي أو أب روحي.
لقد كانت مصر موجودة قبل معظم خرائط المنطقة المعاصرة، وأسهمت في صنع كثير من الوقائع التي قامت عليها هذه الخرائط نفسها.
لهذا فإن عبارة “الأب الروحي لمصر” ليست مجرد مجاملة ثقيلة الظل، بل تعبير عن رؤية ترى التاريخ من نافذة المال وحده.
وهي رؤية قد تفسر نظرة بعض رجال الأعمال إلى العالم، لكنها تعجز عن تفسير مسيرة الأمم.
الأمم لا تُقاس بحساباتها البنكية، ولا تُشترى مكانتها بالاستثمارات، ولا تُستعار هويتها من أحد.
ومصر، مهما اختلف الناس حول سياساتها أو أوضاعها أو أزماتها، تبقى حقيقة أكبر من أن تُنسب إلى وصاية أحد، وأكبر من أن تبحث لنفسها عن أب روحي.
مصر ليست يتيمة. يا ساويرس.






