الدكتور حسين عبد البصير يكتب: عالم الآثار الذي أعاد رسم حدود مصر القديمة؟
برحيله، لا تفقد مصر عالم آثار بارزًا فحسب، وإنما تفقد أحد الرجال الذين عاشوا حياتهم مؤمنين بأن حماية الماضي هي أفضل استثمار في المستقبل.

صورة مجمعة للدكتور محمد عبد المقصود (وسائل التواصل )
ليست قيمة عالم الآثار فيما يعثر عليه من تماثيل أو نقوش أو أوانٍ فخارية فحسب، وإنما في قدرته على تغيير فهمنا للتاريخ.
وهناك علماء لا يضيفون قطعة جديدة إلى متحف، بل يضيفون فصلًا جديدًا إلى كتاب الحضارة.
وكان الدكتور محمد عبد المقصود واحدًا من هؤلاء القلائل.
برحيله، لا تفقد مصر عالم آثار بارزًا فحسب، وإنما تفقد أحد الرجال الذين عاشوا حياتهم مؤمنين بأن حماية الماضي هي أفضل استثمار في المستقبل.
لقد كان ينتمي إلى جيل صنع نفسه في الحفائر، وتعلم أن الحقيقة لا تُولد في قاعات المؤتمرات، بل تحت شمس الصحراء، وبين طبقات الأرض، وفي مواجهة الزمن.
أسرار يرويها الأثر : هل يرقد رأس الإمام الحسين حقًا في مشهده بالقاهرة؟
كان شمال سيناء هو المسرح الأكبر لإنجازاته.
تلك الأرض التي ظلت طويلًا تُختزل في الجغرافيا والسياسة، أعادها الدكتور محمد عبد المقصود إلى مكانها الطبيعي في قلب التاريخ المصري.
لقد أثبت بالحفر والدليل العلمي أن سيناء لم تكن مجرد معبر بين القارات، بل كانت خط الدفاع الأول عن الدولة المصرية، وجسرها إلى آسيا، وشاهدًا على واحدة من أعظم التجارب السياسية والعسكرية في العالم القديم.
ومن خلال اكتشافاته في طريق حورس، لم يكن يكتشف طريقًا قديمًا فقط، بل كان يعيد اكتشاف فكرة الدولة المصرية نفسها.
فالدولة التي استطاعت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام أن تبني سلسلة من القلاع والحصون والآبار ومراكز الإمداد على امتداد حدودها الشرقية، كانت دولة تعرف معنى التخطيط، وتفهم قيمة الأمن، وتمارس الإدارة بكفاءة تسبق كثيرًا من الدول الحديثة.
لقد غيّرت أعمال الدكتور محمد عبد المقصود نظرة الباحثين إلى شمال سيناء، وربطت بين النصوص الملكية والواقع الأثري، وبين التاريخ المكتوب والشواهد المادية.
وهنا تكمن عظمة عالم الآثار الحقيقي فهو لا يكتفي بتفسير الأدلة، بل يجعل الأدلة نفسها تتحدث.
وعندما انتقل إلى مواقع المسؤولية داخل المجلس الأعلى للآثار، لم ينسَ أنه في الأساس باحث.
ظل يحمل عقلية الميدان، ويعرف أن القرارات الإدارية لا قيمة لها إذا لم تكن في خدمة المواقع الأثرية والباحثين وحماية التراث.
ولذلك ظل اسمه محل تقدير بين زملائه، لما عُرف عنه من إخلاص للمهنة، وهدوء في الأداء، واحترام للعلم.

لقد عرفت الدكتور محمد عبد المقصود عالمًا جادًا، وزميلًا كريمًا، وإنسانًا يحمل همَّ الآثار المصرية في قلبه قبل أن يحملها في منصبه.
وكان من أولئك الذين يفضلون أن تتحدث أعمالهم عنهم، لا كلماتهم.
وربما يكون هذا هو الدرس الأكبر الذي يتركه لنا. فالحضارات لا يحميها الخطاب، بل يحميها رجال يهبون أعمارهم لها.
والآثار ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة أمة، تحتاج في كل جيل إلى من يصونها بإخلاص وتجرد.
إن أفضل تكريم للدكتور محمد عبد المقصود ليس أن نبكي رحيله، وإنما أن نواصل الطريق الذي آمن به.
طريق البحث العلمي الرصين، والحفاظ على التراث، واحترام قيمة الأثر بوصفه وثيقة حية عن الإنسان. فالأمم التي تعرف قيمة ماضيها، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها.
أتقدم بخالص العزاء إلى أسرته الكريمة، وإلى زملائه وتلاميذه، وإلى جميع الأثريين المصريين، وإلى المجلس الأعلى للآثار، وإلى وزارة السياحة والآثار، في فقدان واحد من أنبل رجال الآثار في مصر.
رحم الله الدكتور محمد عبد المقصود، وجزاه عن مصر خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وعمل باقياً في ميزان حسناته، كما سيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة كل من يؤمن بأن الحضارة المصرية تستحق رجالًا يهبون لها أعمارهم.






