مقالات
محمد رفعت
محمد رفعت

كاتب صحفي وأديب روائي

رزة وبشرى ولا عزاء للمناضلين!

بقلم: محمد رفعت يعرف كثيرون الفنانة بشرى، ولا يكاد يخلو موقع إليكتروني أو مجلة فنية من صورة لها ، ولكن قليلا جدا من الناس من يعرفون اسم والدها المناضل السياسي…

مشاركة:
حجم الخط:

يعرف كثيرون الفنانة بشرى، ولا يكاد يخلو موقع إليكتروني أو مجلة فنية من صورة لها ، ولكن قليلا جدا من الناس من يعرفون اسم والدها المناضل السياسي د. أحمد عبدالله رزه، رغم أن مسيرته الفكرية والسياسية والعلمية كانت حافلة ومؤثرة. هذه المفارقة تكشف حجم الاختلال في موازين الشهرة، حيث تتجه الأضواء بكثافة نحو نجوم الفن والرياضة، وإلى جانبهم المطبلاتية وأبواق السلطة ومحترفو لعق الأحذية والتقرب من الكبار، بينما يظل العلماء والمفكرون والمناضلون الحقيقيون في الظل، حتى وإن كانت أدوارهم أعمق أثرا وأبعد مدى.

كان الدكتور أحمد رزه أحد أبرز زعماء الحركة الطلابية وخطيب الطلبة في انتفاضتهم الوطنية عامي 1972 و1973، حين كان طالبا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. في تلك السنوات لعب دورا بارزا في التعبير عن جيل كامل كان يبحث عن الكرامة والاستقلال وصوت حقيقي داخل المجتمع. ومع ذلك، فإن هذه الأدوار التاريخية التي ساهمت في تشكيل وعي سياسي حقيقي لم تتحول إلى شهرة عامة أو حضور دائم في الذاكرة الشعبية، كما يحدث مع نجوم الشاشات والملاعب ومن يجيدون فن التزلف والتقرب من دوائر النفوذ.

بعد عودته من إنجلترا حاملا دكتوراه في العلوم السياسية، واصل نشاطه العلمي والفكري، وقدم إنتاجا بحثيا رفيعا، وظل متابعا دقيقا لمجريات الأمور في بلده والمنطقة والعالم. لكنه لم يكن من أولئك الذين يبدلون مواقفهم طلبا للقب أو منصب أو مساحة ظهور، ولم يكن مستعدا لأن يكون ضمن جوقة المصفقين أو أن يتحول إلى بوق يردد ما يُطلب منه.
ولهذا أخذت دائرة الضوء تخفت حوله رويدا رويدا، وانحصرت شهرته في الأوساط الأكاديمية والسياسية وبين المحيطين به فقط، بينما تتسع دوائر الشهرة والمال لمن يحسنون التموضع بالقرب من السلطة أو يجيدون فنون الترويج لأنفسهم.

أحمد عبد الله زرة
أحمد عبد الله رزة

ولمرات نادرة، لمع اسمه كوميض عابر من خلال عدد قليل من الحوارات التلفزيونية، فشدت تلك اللقاءات انتباه جمهور أوسع إلى أكاديمي مرموق وصاحب رأي مستقل يخلو من الرطانة والإلغاز، وقادر على شرح أفكاره ببساطة وبراعة وتوصيلها بيسر إلى الناس. لكن هذا الظهور ظل استثناء عابرا، لا يكاد يقارن بالحضور الطاغي والمستمر لمن يملؤون الشاشات كل يوم، سواء من نجوم الفن والرياضة أو من محترفي المداهنة والتطبيل.

لم يتقلد أحمد رزه منصبا في جامعات الدولة ولا في مراكز أبحاثها ولا في هيئاتها السياسية أو الدبلوماسية ولا في الصحف القومية أو المتخصصة حتى وفاته. لم يسع إلى التقرب من أصحاب القرار، ولم يحاول أن يضمن لنفسه مكانا مريحا داخل مؤسسات السلطة، بل ظل دائما على يسارها، محتفظا بمسافة واضحة بينه وبينها، مدفوعا بقناعاته واستقلاله وشرفه الفكري.
عاش معتمدا على عمله أستاذا زائرا ومشاركا في مشاريع بحثية داخل مصر وخارجها، وهو ما وفر له دخلا يكفيه ليحيا حياة كريمة بسيطة.
رحل في السادسة والخمسين بعد توقف منظم القلب الكهربائي الذي زرعه قبل سنوات، وقد تأخر قليلا في تجديد بطاريته. رحل بهدوء كما عاش بعيدا عن الأضواء، بينما تستمر أسماء أخرى في التردد يوميا على الألسنة والشاشات، محاطة بالشهرة والمال.

وتبقى قصته دليلا على حقيقة مؤلمة، وهي أن من يصنعون الوعي ويخوضون معارك الفكر والنضال بصدق لا ينالون إلا قدرا ضئيلا جدا من الشهرة، مقارنة بما يحصل عليه الفنانون ولاعبو كرة القدم، بل وحتى أولئك الذين يختارون طريق التزلف والتطبيل والتقرب من الكبار.
أما المناضلون المستقلون الشرفاء، الذين يصرون على البقاء خارج هذا المسار، فغالبا ما يدفعون ثمن مواقفهم عزلة وصمتا، ويتركون أثرهم الحقيقي في العقول لا في عناوين الأخبار

شارك المقال: