مقالات
د. أحمد السيد الصاوي
د. أحمد السيد الصاوي

أستاذ الأثار ومفكر سياسي

د. أحمد السيد الصاوي يكتب: لعنة يناير والحكام؟

قبل أحداث يناير تلك كانت حكومة السادات قد دشنت أول محاولات التخلص من شرعية يوليو لتحل مكانها شرعية أكتوبر

مشاركة:
حجم الخط:

محطات كثيرة مر بها تاريخ مصر الحديث في شهر يناير في كل منها كانت نقاط تحول حاسمة ومن كل منها خرجت الحكومة ومن قبلها الشعب والقوى السياسية بدروس مستفادة تكاد أن تكون متطابقة رغم الاختلاف البين في الاستجابة لتلك الدروس

لن أقف هنا أمام 26 يناير لا في 1952 ولا في 2011

ولكن سأتوقف سريعا أمام 18-19 يناير 1977

وقفة تأمل عجلى إلى أن تسنح فسحة من الوقت والجهد لتناول ارتدادات ما يعرف بانتفاضة الخبز التي أسماها السادات في حينه انتفاضة الحرامية
قبل أحداث يناير تلك كانت حكومة السادات قد دشنت أول محاولات التخلص من شرعية يوليو لتحل مكانها شرعية أكتوبر
شهدت السنوات الثلاث السابقة على يناير 1977 إصدار القانون 74 لسنة 1974 لاستثمار المال العربي والأجنبي تدشينا لما عرف بسياسة الانفتاح الاقتصادي.

رافق ذلك إعادة بناء تحالفات نظام السادات مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وفك عرى العلاقات مع السوفييت.

كذلك بناء تحالفات داخلية مع “طلائع الطبقة الجديدة” وهي مزيج من تكنوقراط وعسكريين جاءوا من رحم الدولة الناصرية ورأسمالية ريعية تتطلع لتفكيك وبيع القطاع العام.

ويوازي هذا التحالف الطبقي تحالف سياسي مرتبك ومتحرك

بدأ بالتحالف مع قيادات ماركسية ثم سرعان ما انتهى للتحالف مع تشكيلات منطقية من قوى ليبرالية عتيقة والجماعات الإسلامية ثم الإخوان المسلمين.

ثلاث سنوات شهدت هجوما إعلاميا كاسحا على التجربة الناصرية وعبد الناصر نفسه بكل الحجج الماركسية والليبرالية والاستعمارية والدينية.

وعندما أحس السادات أنها استوت على الجودي بدأ اول خطوات رفع الدعم السلعي بزيادة أسعار السكر والزيت والخبز الافرنكي فقط وفوجئ بردة فعل الشارع ومن وقتها ونحن نعيش في سياسة محورها الرئيسي تجنب تكرار ما حدث في 18-19 يناير.

سأضع هنا اختصارا عدة نقاط كل منها يحتاج شرحا مستفيضة

1 – محاصرة الكتلة السكانية للقاهرة الكبرى بمدن جديدة ليس بهدف تخفيف الكثافة السكانية ولكن لتوفير ملاذات ٱمنة لنخبة الانفتاح بعيدا عن مرمى أحجار المتظاهرين ومهاجمتهم للمحلات.

فظهرت العاشر من رمضان في اتجاه الشمال الشرقي والسادس من أكتوبر في اتجاه الغرب ولحقت بهم ١٥ مايو لتفكيك الكتلة السكنية اللصيقة بالمجمع الصناعي في شرق النيل.

لست بحاجة للاستفاضة في سرد معلومات عن تطور هذا التوجه تحت مسميات مختلفة بدأت بالمدن الجديده ثم المجتمعات العمرانية وسرعان ما انتهت حاليا المجمعات السكنية المغلقة بأسوار فيما يمكن وصفه بالمعازل الاجتماعية.

2- نقل ممنهج لملكية الدولة من المصانع والأراضي الزراعية والبور للنخب الجديدة سواء تحت لافتة الخصخصة أو الإصلاح الاقتصادي.

لكن ذلك اتسم دوما بالمرحلية استفادة من درس يناير 1977

حتى لا تلتئم معارضة عدة أطراف للإجراءات وكان في ذلك صدى مريب لسياسة الخطوة خطوة التي اشتهر بها هنري كيسنجر.

3-إغلاق ممنهج لمسارب الحراك الاجتماعي بدأ بمجال “الملكية” ثم هاجم سياسات إعادة توزيع الدخل ولاسيما في مجال خدمات التعليم والصحة والنقل قبل أن يحط رحاله في فسطاط الدعم السلعي مهاجما الحصص التموينية ودعم الخبز بعد أن جرى إفراغهما عمليا من أي جدوى

4- بناء على ما انتهت إليه محاكمات “انتفاضة الحرامية” وتبرئة القضاء للمتهمين دشنت سياسة ثابتة هدفها عزل القضاء اجتماعيا (الرواتب والامتيازات وتوريث الوظائف وتدشين المعايير الاجتماعية في التعيينات)

ثم تطعيم الهيئات القضائية بضباط من الشرطة لطالما مارسوا عملهم وكأنهم ضباط انتقلوا للخدمة في مكاتب بصلاحيات أكبر وبالتنسيق التام مع الشرطة.

هذه عجالة رثيما أعود بالتفصيل لبعض النقاط ولكنها تكفي للدلالة على عمق تأثير انتفاضة الخبز على سياسات الحكومات المتعاقبة.

 

شارك المقال: