آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: مملكة الزيف!

يولد الزيف الحقيقي؛ لا حين يكذب الإنسان، بل حين يفقد إيمانه بأن الحقيقة تكفي للحياة.

مشاركة:
حجم الخط:

وما أكثرَ الإخوانَ حين تعدُّهمُ
ولكنهمُ في النائباتِ قليلُ.
 المتنبي

لا أحد يقرر أن يعيش في مملكة الزيف؛ فنحن لا ندخلها من بابٍ واحد، بل نتسلل إليها في غفلة من أعمارنا، حتى إذا ألفناها نسينا أنها لم تكن يومًا طبيعية.

فهي لا تُشيَّد بالحجارة، بل بتنازلات صغيرة تتراكم في صمت، حتى يغدو ما كان استثناءً قانونًا، وما كان مرفوضًا مألوفًا.

نولد ونحن نصدق الوجوه كما نصدق ضوء الصباح، ونحسب أن الكلمة عهد، وأن الوفاء لا يحتاج إلى شاهد.

لكن الحياة لا تسلب الإنسان براءته دفعة واحدة؛ إنها تقتطع منها جزءًا مع كل خيبة، حتى يكتشف أن بعض الوجوه لا تُخفي أصحابها، بل تُخفي غيابهم، وأن الكلمات قد تُقال لتُسمع، لا لتُصدق.

ومن هنا تبدأ الحكاية.

فالإنسان لا يختار الزيف لأنه يعشق الكذب، بل لأنه يخشى ثمن الحقيقة.

يخاف أن يخسر فرصة، أو يرفضه الناس، أو يبقى وحيدًا إذا قال ما يؤمن به. فيصمت حين ينبغي أن يتكلم، ويجامل حين ينبغي أن يعترض، ويرتدي قناعًا يظنه مؤقتًا، ثم يكتشف، بعد زمن، أنه نسي ملامح وجهه الأول.

وهنا يولد الزيف الحقيقي؛ لا حين يكذب الإنسان، بل حين يفقد إيمانه بأن الحقيقة تكفي للحياة.

وما يبدأ خوفًا في قلب فرد، يتحول، مع الأيام، إلى ثقافة تحكم العلاقات.

فلا يعود السؤال: من هذا الإنسان؟ بل: ماذا يمكن أن يقدم؟

وتتراجع قيمة الوفاء أمام حسابات المنفعة، حتى يصبح الناس أقرب إلى تقدير ما تملكه الأيدي من تقدير ما تحمله القلوب.

ولعل أقسى ما يواجهه الإنسان أن يكتشف، بعد سنوات من العطاء، أنه كان وسيلة لا غاية.

يقف إلى جوار صديق في أيام ضيقه، يمنحه من وقته وطمأنينته ما لا يحسبه دينًا، ثم تدور الأيام، فيحتاج هو إلى كلمة صادقة أو كتفٍ يسند ضعفه، فلا يجد إلا اعتذارًا باردًا، بينما يرى ذلك الصديق يهبّ لغيره بالحماسة نفسها التي بخل بها عليه.

عندها لا تؤلمه الخيبة بقدر ما يؤلمه انكشاف الحقيقة.

يدرك أن بعض العلاقات لم تكن ترى فيه الإنسان، بل المنفعة التي يحملها. ومنذ تلك اللحظة لا يعود يخشى خسارة صديق، بقدر ما يخشى أن يمنح قلبه ثقة جديدة.

وهكذا لا ينتصر الزيف بسرقة علاقة واحدة، بل بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الناس.

فحين يتكرر الألم، يبدأ القلب في الاحتماء بالشك، ويصبح الحذر فضيلة، بينما تبدو الثقة ضربًا من المجازفة.

ومن هنا يغادر الزيف حدود السلوك الفردي، ليتحول إلى مناخ عام.

فلا يعود مجرد كذبة تُقال، أو وعدٍ يُخلف، بل يصبح الميزان الذي تُوزن به العلاقات، والمعيار الذي تُقاس به قيمة الناس.

وعندها لا يختفي الصدق من العالم، لكنه يفقد مكانته في النفوس، ويبدأ كثيرون في البحث عن الصورة قبل الحقيقة، وعن المنفعة قبل الإنسان.

ومع الزمن، لا يعتاد الإنسان ارتداء القناع فحسب، بل يعتاد النظر إلى العالم من خلفه.

فلا يعود يسأل: ما الحقيقة؟ بل: كيف أبدو في أعين الناس؟

وحين يصبح الظهور أهم من الوجود، تكون الهزيمة قد وقعت بالفعل. فالمجتمعات لا تفقد أخلاقها بضربة واحدة، وإنما حين تستبدل قيمة الإنسان بالصورة التي يصنعها عن نفسه.

وعندئذٍ تتبدل الموازين في صمت؛ فيغدو الصدق سذاجة، والصراحة تهورًا، والوفاء ضعفًا، بينما يُكافأ من يجيد تبديل الوجوه بحسب المقام.

وليس لأن الناس لم يعودوا يميزون بين الخير والشر، بل لأنهم بدأوا يشكون في قدرة الخير على حماية أصحابه.

وهنا يبلغ الزيف ذروة انتصاره؛ فهو لا يفرض الكذب على الناس، بل يقنعهم بأن الصدق لم يعد مجديًا.

ومن هنا تولد أكثر أشكال الوحدة قسوة؛ أن يكون الإنسان محاطًا بالوجوه، ولا يجد بينها وجهًا يطمئن إليه.

يكثر الكلام، وتقل الطمأنينة، ويصبح الحذر أقرب إلى القلب من الثقة؛ فالجراح القديمة لا تعلّم الإنسان الكراهية بقدر ما تعلّمه الخوف، والخوف لا يغلق بابًا واحدًا، بل يغلق أبواب القلب كلها.

ومع ذلك، لا تنتصر مملكة الزيف انتصارًا كاملًا.

ففي كل زمن يبقى أناس يرفضون أن يجعلوا الخوف قائدًا لحياتهم. يعرفون أن الصدق قد يكلفهم منصبًا، أو علاقة، أو فرصة، لكنهم يعرفون أيضًا أن الإنسان إذا خسر نفسه، فلن يعوضه شيء.

هؤلاء لا يغيّرون العالم بضجيج الشعارات، بل بهدوء المواقف؛ يوفون إذا وعدوا، ويعتذرون إذا أخطؤوا، ويتمسكون بما يعتقدونه حقًا، حتى حين يبدو الطريق إليهم أطول من كل الطرق.

ولذلك، فليس أخطر ما تفعله مملكة الزيف أنها تنشر الكذب، بل أنها تزرع في القلوب الشك في جدوى الصدق.

فإذا استقر هذا الشك، لم يعد القناع وسيلة مؤقتة، بل صار وجهًا يظنه صاحبه حقيقته.

وربما لا تبدأ نهاية مملكة الزيف يوم يختفي الكذب، فهذا ما لن يكون، لكنها تبدأ في اللحظة التي يقرر فيها إنسان، وسط ضجيج الأقنعة، أن يحتفظ بوجهه كما هو.

فالممالك لا تسقط دائمًا بضربةٍ من خارجها؛ وكثيرًا ما تبدأ نهايتها حين يعجز أول قناع عن إخفاء وجهٍ لم يرضَ أن يتخلى عن حقيقته.

شارك المقال: