مقال بوك
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

كاتب صحفي

عزت إبراهيم يكتب:  العالم الخفي لسوق المراهنات في كأس العالم

كما كشفت بيانات أسواق المراهنات أن اهتمام الجمهور لا يقتصر على المباريات، بل يمتد إلى توقع هوية بطل العالم، حيث تركزت النسبة الأكبر من الرهانات على عدد محدود من المنتخبات الكبرى

مشاركة:
حجم الخط:

شهدت بطولة كأس العالم تحولاً جذرياً من مجرد حدث رياضي عالمي إلى أكبر موسم اقتصادي لصناعة المراهنات الرياضية، حيث أصبحت البطولة تمثل ذروة النشاط السنوي لشركات المقامرة القانونية ومنصات الرهانات الرقمية.

ولم تعد الإيرادات المرتبطة بكرة القدم تقتصر على حقوق البث والرعاية والإعلانات، بل أصبحت المراهنات أحد أهم مصادر العائدات المرتبطة بالبطولة.

ويعكس هذا التحول مدى اندماج الرياضة في الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث باتت كرة القدم منصة لتوليد مليارات الدولارات عبر أنشطة تجارية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

أدى النظام الجديد للبطولة، الذي رفع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً وعدد المباريات إلى 104، إلى توسع غير مسبوق في سوق المراهنات الرياضية.

فكل مباراة إضافية تعني ساعات أطول من النشاط على المنصات الرقمية وعشرات الأسواق الجديدة التي يمكن للمستخدمين المراهنة عليها قبل المباراة وأثناءها وبعد انتهائها.

ولذلك ارتفع حجم الأموال المتداولة بوتيرة فاقت كل التوقعات منذ انطلاق البطولة.

ولم تعد المراهنات تقتصر على توقع نتيجة المباراة أو هوية الفريق الفائز، بل أصبحت تشمل مئات الخيارات التي تغطي كل تفصيل داخل الملعب.

فأصبح بالإمكان المراهنة على عدد الأهداف والركنيات والبطاقات، وهوية أول وآخر هداف، وعدد التسديدات والاستحواذ، بل وحتى الأداء الفردي لكل لاعب.

وقد أدى هذا التنوع إلى مضاعفة القيمة التجارية لكل مباراة، وتحويلها إلى سوق مالية مصغرة تعمل طوال تسعين دقيقة.

كما لعب التوسع التشريعي في الولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا النمو، بعد أن أصبحت المراهنات الرياضية قانونية في عدد متزايد من الولايات الأمريكية.

وقد وفر هذا التحول لشركات المراهنات سوقاً تضم ملايين العملاء المحتملين، بالتزامن مع أكبر حدث كروي في العالم.

وأصبح تلاقي الحدث الرياضي مع البيئة القانونية الجديدة أحد أهم أسباب القفزة القياسية في حجم الرهانات.

استغلت شركات المراهنات كأس العالم باعتباره أكبر فرصة تسويقية لاجتذاب مستخدمين جدد، فأنفقت مليارات الدولارات على الحملات الإعلانية والعروض الترويجية.

وشملت هذه العروض رهانات مجانية، واسترداد قيمة الخسائر، وتحسين أسعار المراهنات، ومكافآت التسجيل الأولى، بهدف جذب أكبر عدد ممكن من العملاء.

ورغم التكلفة المرتفعة لهذه الحملات، فإن الشركات تعتبرها استثماراً طويل الأجل في بناء قاعدة عملاء دائمة.

وسجلت منصات المراهنات مستويات غير مسبوقة في عدد المستخدمين النشطين خلال الأسابيع الأولى من البطولة، وهو مؤشر تعتبره الشركات أكثر أهمية من الأرباح قصيرة المدى.

فكل مستخدم جديد يمثل فرصة لتحقيق إيرادات مستمرة بعد انتهاء كأس العالم من خلال البطولات المحلية والقارية والرياضات الأخرى.

ولذلك ينظر إلى البطولة باعتبارها أداة فعالة لبناء ولاء العملاء وليس فقط لتحقيق أرباح موسمية.

ورغم تضاعف حجم الأموال التي تم الرهان بها، فإن الأرباح الصافية للشركات لم ترتفع بالنسبة نفسها بسبب كثافة العروض الترويجية التي صاحبت البطولة.

فقد عمدت الشركات إلى تقليص هوامش أرباحها مؤقتاً مقابل جذب مستخدمين جدد والحفاظ على تنافسيتها في السوق.

ومع ذلك، فإن الزيادة الضخمة في حجم الرهانات عوضت هذا الانخفاض، لتواصل الإيرادات الإجمالية نموها بصورة ملحوظة.

واعتمدت الشركات استراتيجية تقوم على التضحية بجزء من أرباحها الآنية مقابل توسيع حصتها السوقية، إدراكاً منها أن العميل الذي يتم اكتسابه خلال كأس العالم قد يستمر في استخدام المنصة لسنوات.

ومن ثم أصبحت القيمة الاقتصادية للعلاقة طويلة الأجل مع العميل تفوق بكثير الربح الناتج عن رهان واحد أو بطولة واحدة.

مباراة النرويج والبرازيل والنجم النرويجي هولاند
مباراة النرويج والبرازيل والنجم النرويجي هولاند

ويعكس ذلك التحول من التفكير في الأرباح الموسمية إلى الاستثمار في النمو المستدام.

ورغم انخفاض هامش الربح لكل عملية مراهنة، فإن الإيرادات الإجمالية لشركات المقامرة واصلت تحقيق أرقام قياسية بفضل الزيادة الكبيرة في حجم التداول.

فكلما ارتفع عدد الرهانات وعدد المستخدمين، زادت الإيرادات المطلقة حتى وإن انخفضت نسبة الربح من كل عملية. ويؤكد ذلك أن اقتصاد الحجم أصبح العنصر الحاسم في نجاح شركات المراهنات الحديثة.

وأظهرت البطولة أن الولايات المتحدة باتت أحد أهم محركات صناعة المراهنات الرياضية عالمياً، بعدما كانت الأسواق الأوروبية تحتكر هذا الدور لعقود طويلة.

فقد سجلت شركات مثل DraftKings وFanDuel مستويات قياسية في عدد المستخدمين وقيمة الرهانات خلال الشهر الأول من البطولة، مستفيدة من توسع السوق الأمريكية وتقنين النشاط في عدد كبير من الولايات.

ويشير هذا التحول إلى أن مركز الثقل الاقتصادي لصناعة المراهنات العالمية يتجه تدريجياً نحو أمريكا الشمالية، بما يعيد رسم خريطة هذه الصناعة خلال السنوات المقبلة.

كما كشفت بيانات أسواق المراهنات أن اهتمام الجمهور لا يقتصر على المباريات، بل يمتد إلى توقع هوية بطل العالم، حيث تركزت النسبة الأكبر من الرهانات على عدد محدود من المنتخبات الكبرى.

وتصدرت فرنسا قوائم الترشيحات في معظم شركات المراهنات العالمية، تلتها إسبانيا وإنجلترا والأرجنتين، بينما جاءت البرازيل والبرتغال ضمن دائرة المنافسين الرئيسيين، مع اختلاف طفيف بين شركات المراهنات في ترتيب هذه المنتخبات.

وتظهر تقديرات أسواق المراهنات أن فرنسا تمتلك أعلى فرصة للفوز باللقب،

إذ تراوحت احتمالاتها بين 16 و18%، مقابل 17 إلى 19% لإسبانيا في بعض النماذج، بينما تراوحت فرص إنجلترا بين 11 و13%، والبرازيل بين 10 و12%، والأرجنتين بين 9 و11%، في حين جاءت البرتغال بنسبة تراوحت بين 7 و9%. وتعكس هذه الأرقام تركّز معظم الأموال المتداولة في أسواق المراهنات على خمسة أو ستة منتخبات فقط، رغم مشاركة 48 منتخباً في البطولة.

ومع تقدم البطولة، تغيرت حركة المراهنات بصورة ملحوظة تبعاً للنتائج، حيث أصبحت إنجلترا في بعض الأسواق الفريق الأكثر حصولاً على رهانات الجماهير بعد تأهلها إلى الأدوار الإقصائية، إذ استحوذت على نحو 30% من الرهانات الجديدة لدى منصة Betfair.

بينما جاءت فرنسا في المركز الثاني بنسبة 13%، وحققت النرويج مفاجأة بحصولها على نحو 12% من الرهانات بعد إقصائها البرازيل.

ويؤكد ذلك أن أسواق المراهنات تتغير بصورة ديناميكية مع كل جولة، وأن الأداء داخل البطولة قد يكون أكثر تأثيراً من الترشيحات السابقة لانطلاقها.

لم تقتصر المراهنات على نتائج المباريات أو هوية بطل العالم، بل امتدت بقوة إلى الأداء الفردي للنجوم، حيث أصبحت أسواق “الرهان على اللاعبين” من أسرع القطاعات نمواً خلال كأس العالم 2026.

وتشمل هذه الأسواق المراهنة على هداف البطولة، وأفضل لاعب، وأكثر اللاعبين صناعة للأهداف، وعدد أهداف اللاعب في كل مباراة، والتسجيل في أي وقت، والتسجيل أولاً أو أخيراً، وحتى عدد التسديدات والتمريرات الحاسمة والمراوغات الناجحة.

وتعد هذه الأسواق من الأعلى إقبالاً لأنها تتيح للمراهنين متابعة نجومهم المفضلين بغض النظر عن نتيجة المباراة.

وتصدر Kylian Mbappé وLionel Messi وErling Haaland وHarry Kane قوائم أكثر اللاعبين جذباً للمراهنات الفردية، سواء في سوق هداف البطولة أو التسجيل في المباريات.

وكانت شركات المراهنات تعد مبابي المرشح الأول للفوز بالحذاء الذهبي، يليه ميسي مباشرة، ثم هالاند وكين، مع تغير هذه الترشيحات بصورة مستمرة وفقاً لنتائج كل جولة وأداء كل لاعب.

كما حظي Lamine Yamal بإقبال كبير في أسواق أفضل لاعب شاب والكرة الذهبية بفضل مستواه اللافت.

ومع تقدم البطولة، أصبحت حركة الأموال تتبع أداء النجوم بصورة مباشرة، إذ ارتفعت المراهنات على ميسي بعد تصدره سباق هدافي البطولة بوصوله إلى ثمانية أهداف، مقابل سبعة أهداف لكل من مبابي وهالاند، بينما سجل هاري كين ستة أهداف، وهو ما أدى إلى تغير أسعار المراهنات بشكل يومي.

وتعتمد شركات المراهنات على خوارزميات تقوم بتحديث الاحتمالات فور تسجيل أي هدف أو إصابة لاعب أو تأهل منتخب، بما يجعل أسواق اللاعبين من أكثر الأسواق تقلباً وربحية في البطولة.

المصدر صفحة الكاتب على فيس بوك 

 

شارك المقال: