كاتب وكتاب
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت

كاتب وناقد وباحث

أحمد رجب شلتوت يقرأ كتاب: نهاية العهد الأمريكي

يؤكد كتاب "عندما يسقط العمالقة" أن الأرقام ليست محايدة دائمًا، وأن الجداول المالية قد تخفي داخلها قصة مجتمع بأكمله، وأن الميزانيات العامة قد تكون،

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة جديدة في كتاب “عندما يسقط العمالقة”

“مايكل جيه. بانزنر”، هو خبير مالي ومحلل اقتصادي أمريكي بارز، يمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في أسواق المال العالمية، وقد اكتسب شهرة واسعة في الأوساط الاقتصادية بفضل توقعاته الدقيقة للأزمات المالية قبل حدوثها، وخاصة توقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008.

أصدر في نهاية عام 2009 كتابه المهم “عندما يسقط العمالقة خريطة طريق اقتصادية لنهاية العهد الأمريكي” ( نقله إلى العربية طارق راشد عليان، وصدر عن المركز القومي للترجمة في 2013).

عنوان الكتاب وشهرة كاتبه دفعا القراء إلى اعتباره كتابا استشرافيا، وربما يهتمون بعد مرور هذه السنوات على صدوره بالسؤال عن مدى صدق التنبؤات.

ومثل هذه القراءة تظلم الكتاب لأنها تتعامل فقط مع عنوانه، وتقود إلى القول بأن الولايات المتحدة لم تسقط، وإن الدولار ما زال العملة المرجعية في الاقتصاد العالمي، وإن الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأكبر عالميًا من حيث الناتج المحلي الاسمي.

أحمد رجب شلتوت يكتب: الحرب والمنفي في قصص “قبلة الصباح”

مثل هذه القراءة يفوتها أن الكتاب يقصد نهاية مرحلة تاريخية، وليس نهاية دولة.

فعندما صدر الكتاب عام 2009، كان السؤال السائد عن مدى قدرة الولايات المتحدة على استعادة قيادة الاقتصاد العالمي بعد الأزمة؟

لكن السؤال اليوم عن كيفية إدارة التنافس مع الصين، وحول إعادة بناء الصناعات الاستراتيجية، وحول مستقبل النظام التجاري العالمي.
أي أن النقاش انتقل من إدارة العولمة إلى إدارة عالم ما بعد العولمة وهنا، تحديدًا، تبدو بصيرة بانزينر أكثر وضوحًا.

فهو لم يكن يتنبأ بزوال الولايات المتحدة، بل بانتهاء اللحظة التاريخية التي كانت تستطيع فيها أن تحدد، وحدها، قواعد الاقتصاد العالمي.

لقد أصبح الصراع على الرقائق الإلكترونية جزءًا من الأمن القومي

وأصبحت المعادن النادرة قضية استراتيجية. وعادت الدولة، بعد عقود من تمجيد السوق الحرة، لاعبًا رئيسيًا في توجيه الاستثمار الصناعي.

وكل هذه التحولات تشير إلى أن العالم الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة لم يعد يعمل بالقواعد نفسها.

ومن هنا، يمكن القول بأن الكتاب التقط المسار العام قبل أن يصبح ظاهرًا للجميع، بمعنى أن
بانزينر نجح في تشخيص التحول، حتى لو لم تتحقق كل النتائج التي توقعها، فحين طالب بمراجعة النموذج الاقتصادي الأمريكي، كان يبدو وكأنه يوجه نقدًا من خارج المؤسسة السياسية.

أما اليوم، فقد أصبح هذا النقد، بدرجات مختلفة، جزءًا من التفكير الرسمي داخل الولايات المتحدة نفسها.

فالتحول الذي امتد عبر إدارات متعاقبة، رغم اختلاف توجهاتها السياسية.

وهذا يقودنا إلى قراءة مختلفة لظاهرة دونالد ترامب.

فالكثيرون يفسرون صعود ترامب باعتباره انحرافًا عن المسار الأمريكي التقليدي، لكن كتاب بانزينر يرينا المسألة من زاوية أخرى.

فترامب، في هذا السياق، يمثل تعبيرا سياسيا عن الأزمة الأمريكية.

فالكثير من سياساته التي أثارت الجدل من الرسوم الجمركية، إلى إعادة التفاوض على الاتفاقات التجارية، تبدو في ضوء كتاب بانزينر، اعترافًا متأخرًا بأن النموذج القديم لم يعد قادرًا على تقديم النتائج نفسها.

وهنا نكتشف سببا يجعل هذا الكتاب هاما حتى اليوم، فبانزينر توقع أن أمريكا ستضطر إلى إعادة النظر في العولمة.

أيضا يمتاز الكتاب بأن صاحبه كتبه كما لو كان يروي سيرة حضارة، وليس تقريرًا عن الأسواق المالية.

فهو لم يبدأ من المعادلات الاقتصادية، ولكن طرح الأسئلة الكبرى:

لماذا تصعد الإمبراطوريات؟

ولماذا تفقد قدرتها على الاستمرار؟

ثم يستفيد من الأرقام في الإجابة عن هذه الأسئلة.

أيضًا نجح بانزينر في ترتيب الوقائع بحيث تبدو كل فكرة مقدمة لما يليها.

يبدأ من الدين، ثم ينتقل إلى الصناعة، ومنها إلى الطاقة، ثم إلى الجغرافيا السياسية، حتى يخرج القارئ بانطباع أن جميع هذه الملفات ليست سوى وجوه مختلفة لمسألة واحدة: كيف تتآكل القوة من داخلها؟

لكنه أحيانا يتجاوز المسافة الفاصلة بين المؤشرات والنتائج.

فبين الظاهرة ونتيجتها تقف عوامل كثيرة: الابتكار، والقدرة المؤسسية، والمرونة السياسية، والتحولات التكنولوجية، بل وحتى الصدفة التاريخية. وأيضا ليس كل عجز مالي يقود بالضرورة إلى سقوط إمبراطورية.

يؤكد كتاب “عندما يسقط العمالقة”

أن الأرقام ليست محايدة دائمًا، وأن الجداول المالية قد تخفي داخلها قصة مجتمع بأكمله، وأن الميزانيات العامة قد تكون، في بعض اللحظات، أكثر بلاغة من الخطب السياسية، ربما لذلك يؤدي إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها القارئ إلى العلاقة بين الاقتصاد والقوة، وبين الثروة والنفوذ.

وقد يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو مختلف مع كثير من توقعاته، لكنه سيخرج أيضًا وهو أقل يقينًا بفكرة كانت تبدو راسخة بعد نهاية الحرب الباردة: أن الهيمنة الاقتصادية والسياسية يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

لقد بالغ بانزينر في تقدير سرعة بعض التحولات، وفي اقتراب لحظة السقوط. فالولايات المتحدة لم تدخل بعد في مرحلة انهيار، ولا تزال تمتلك عناصر قوة هائلة:

اقتصادًا قادرًا على الابتكار، وجامعات رائدة، وشركات تقود الثورة الرقمية، وعملة ما زالت في قلب النظام المالي العالمي.

لكن توقعاته صدقت في نقطة أخرى أكثر عمقًا.

فالولايات المتحدة نفسها لم تعد تتحدث عن العولمة باللغة التي كانت تتحدث بها قبل عقدين.

وأصبح الحديث عن إعادة التصنيع، وتأمين سلاسل الإمداد، والسيادة التكنولوجية، وحماية الصناعات الحيوية، جزءًا من خطابها الاقتصادي.

أي أن الدولة التي صاغت قواعد مرحلة تاريخية، أصبحت تعيد النظر في تلك القواعد.

وأخيرا، فإن القيمة الباقية لهذا الكتاب تكمن في أنه التقط، مبكرًا، نهاية اليقين بأن العالم سيظل أمريكيًا بالطريقة نفسها إلى الأبد.

 

شارك المقال: