أحمد رجب شلتوت يكتب: حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب(3-3)
في المسافة بين الجسد كما هو والجسد كما تراه المخيلة، يجد "ديريك هوبود "مادته التاريخية الأكثر إثارة، ويجد قارئه سؤال الكتاب الأعمق
صور ة من كتاب الهواجس الجنسية
إن الكاتب هنا يستخرج من الأعمال الأدبية دلالات مهمة حول الصدمة والاغتراب والجنس، لكنه يميل إلى قراءة التجربة الجنسية باعتبارها مفتاحًا كافيًا لفهم التحول الذي يصيب الشخصية العربية في أوروبا.
والحال أن ما تعرضه هذه الأعمال أكثر تعقيدًا
فالجنس يتقاطع فيها مع السياسة والمنفى والهوية والاغتراب النفسي، وليس دائمًا العامل المركزي في التجربة.
لذلك فإن القيمة الكبرى لهذه الأعمال الأدبية تكمن في إظهار ما يحدث للإنسان حين تتصدع المسافة بين الصورة التي يحملها عن الآخر والصورة التي يحملها الآخر عنه.
أحمد رجب شلتوت يكتب: حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب
بهذا المعنى، يمثل الفصل العاشر خاتمة مناسبة للكتاب
لأنه يعيد العلاقة إلى وضعها المتبادل بعد أن بدت في أجزاء سابقة وكأنها نظرة أوروبية إلى شرق موضوع للخيال والرغبة.
وفي «العرب في أوروبا» يصبح الغرب نفسه موضوعًا للنظر، ويصبح العربي هو الذي يدخل التجربة حاملاً تصوراته وأسئلته ورغباته.
وبالتالي لم تعد المشكلة في أن أحد الطرفين يملك صورة خاطئة عن الآخر، وإنما في أن كليهما قد يدخل اللقاء وهو يتعامل مع صورة بدلًا من إنسان.
وختاما فالفكرة المحورية للكتاب تتمثل في أن الاستعمار يبدأ باحتلال الأرض، لكنه لا يكتمل إلا حين يحتل الخيال صورة الإنسان الذي يسكنها.

ومن هذه الزاوية يصبح الجسد أحد ميادين الصراع على تعريف الآخر.
فحين يتحول جسد الشرقي إلى موضوع للرغبة أو الخوف أو الاشتهاء أو الاحتقار، فإنه يفقد جزءًا من فرديته ليصبح علامة على «الشرق» كله.
وحين يرد العربي بالنظر إلى الأوروبي من موقعه الخاص، تبدأ عملية أخرى من إعادة تعريف الآخر.
كذلك نجح “ديريك هوبود” في اختيار موضوع مهم ومهمل نسبيًا، وفي إدراك أن العلاقات بين الشعوب لا تتشكل فقط عبر السياسة والاقتصاد، وإنما عبر المخيلة أيضًا.
ونجح في الربط بين التصورات الجنسية وبين الصورة الأوسع التي صنعها الأوروبي عن الشرق الأوسط.
كما أن انتقاله بين التجارب البريطانية والفرنسية والعربية، وبين اللقاءات الفردية والأحكام العامة، يمنح الكتاب ثراءً تاريخيًا واجتماعيًا واضحًا.
أيضا كان موفقا في التعامل مع العلاقات الجنسية باعتبارها وثائق تكشف عن الإنسان وعن المجتمع وعن علاقات القوة.
لكن الكتاب يتعثر حين يوسع طموحه من دراسة التصورات الجنسية إلى الزعم بتأثيرها في مجرى التاريخ من دون أن تكون العلاقة السببية بين الأمرين واضحة دائمًا.
كما أن كثرة الوقائع والشهادات قد تجعل بعض المواضع أقرب إلى التراكم منها إلى التحليل، فضلًا عن أن حضور التجربة العربية لا يبدو في جميع مراحل الكتاب موازيًا لحضور النظرة الأوروبية.
والأهم أن الكتاب يقف قريبًا من أسئلة الاستشراق، لكنه لا يحول هذه الأسئلة إلى إطار نظري مكتمل.
وبالرغم من ذلك، يظل الكتاب مهما، رغم مرور ربع قرن على صدور طبعته الإنجليزية الأولى، حتى وإن لم تنجح كل أطروحاته بالدرجة نفسها.
فهو لا يقدم الكلمة الأخيرة في تاريخ الجنس والاستعمار، لكنه يفتح بابًا مهمًا لكتابة تاريخ مختلف للعلاقة بين الشرق والغرب.
وهنا، في المسافة بين الجسد كما هو والجسد كما تراه المخيلة، يجد “ديريك هوبود “مادته التاريخية الأكثر إثارة، ويجد قارئه سؤال الكتاب الأعمق:
هل يمكن أن نلتقي بالآخر حقًا إذا كنا قد صنعناه في خيالنا قبل أن نراه؟
شاركنا برأيك