تقرير : “نازا” الفيلم الذي فتح خزائن الحرب وأشعل إسرائيل
كل تصريح غاضب، وكل تهديد قانوني، وكل نقاش حول الجنسية منح «نازا» جمهورًا جديدًا لم يكن سيبحث أصلًا عن فيلم وثائقي مدته ثمانون دقيقة. لقد دخل الفيلم فينيسيا كعمل استقصائي، وخرج منها كقضية سياسية دولية.
نازا فيلم وثائقي تحول إلى قضية سياسية دولية
24 شهادة من داخل الجيش تحوّل «الضرر الجانبي» إلى أزمة دولة
كان يكفي أن تصل أصداء ما قيل فوق شاشة فينيسيا إلى تل أبيب، وأن يقف جمهور المهرجان مصفقًا، ثم يعود الفيلم من إيطاليا حاملًا جائزة لجنة التحكيم الخاصة، حتى تتحول شاشة سينما إلى جبهة جديدة:
رئيس حكومة يهاجم، رئيس أركان يتحرك، وزير يتحدث عن الجنسية، والجيش يبحث المسارات القانونية، بينما يقف صانعا فيلم نازا في قلب عاصفة لم تعد سينمائية على الإطلاق.
فالمشكلة بالنسبة إلى المؤسسة الإسرائيلية لم تكن أن «نازا» جاء من الخارج.
المشكلة أنه خرج من داخل البيت نفسه.
24 صوتًا من الغرف المغلقة
ثلاث سنوات قضاها الصحافي الإسرائيلي يوفال أبراهام والمخرجة راحيل تسور في صناعة الفيلم.
وفي ظلام الليل، وعلى أسطح مبانٍ في تل أبيب، جلس أمامهما جنود وعاملون في أجهزة الاستخبارات، بعضهم أخفى وجهه وصوته، ليتحدثوا عن عالم لا يصل عادة إلى نشرات الأخبار:
غرف العمليات، بنك الأهداف، تقديرات أعداد المدنيين، الخوارزميات، واللحظة التي يتحول فيها إنسان على الأرض إلى نقطة داخل منظومة استهداف.
الفيلم يستند إلى شهادات 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية ممن شاركوا أو اطلعوا على عمليات الحرب في غزة.
وقد قُدمت الشهادات باعتبارها نافذة على كيفية اتخاذ بعض قرارات الاستهداف وحساب الخسائر المدنية المصاحبة لها.
هنا تحديدًا تبدأ خطورة «نازا» السياسية.
فالحديث ليس تعليقًا صادرًا عن ناشط فلسطيني، ولا تقريرًا من منظمة دولية تستطيع إسرائيل اتهامها بالانحياز؛ بل روايات يقدمها إسرائيليون عملوا داخل المنظومة نفسها.
«نازا».. عندما يصبح المدني رقمًا
“NAZA” هو مصطلح عسكري يشير إلى تقدير عدد المدنيين المتوقع سقوطهم إلى جانب الهدف المقصود في الضربة.
ويضع الفيلم هذا المفهوم في قلب سؤاله الأخلاقي: ماذا يحدث عندما يصبح احتمال موت المدنيين خانةً داخل الحسابات التشغيلية؟ وأين ينتهي تقدير الخسائر بهدف الحد منها، وأين تبدأ قابلية قبولها كجزء من القرار؟
صانعا الفيلم يقدمان شهادات تقول إن الخسائر المدنية الواسعة دخلت بالفعل في بعض حسابات الاستهداف خلال حرب غزة.
بينما يرفض الجيش الإسرائيلي هذا التصوير، ويتمسك بأنه يستخدم إجراءات وقواعد تهدف إلى تقليل إصابة المدنيين، وينفي أن تكون رواية الفيلم وصفًا عادلًا لطريقة عمله.
إنها إذن مواجهة بين روايتين إسرائيليتين قبل أن تكون مواجهة بين إسرائيل وخصومها، وهنا تكمن قوة الفيلم.

فينيسيا تصفّق.. وتل أبيب تنفجر غضبًا
عُرض «نازا» في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 لمهرجان البندقية يوم 10 سبتمبر 2026، وهو عمل بريطاني الإنتاج مدته 80 دقيقة، من إنتاج «الغارديان» وJW Films، ثم منحت لجنة التحكيم الفيلم جائزتها الخاصة في ختام المهرجان يوم 12 سبتمبر.
بعد العرض، استمر التصفيق قرابة 25 دقيقة؛ لحظة سرعان ما تحولت هي الأخرى إلى مادة سياسية داخل إسرائيل.
من هنا لم يعد السؤال: ماذا يقول الفيلم؟ بل: كيف يمكن احتواء ما يقوله؟
إسرائيل تحارب الشاشة
وصف بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه «تحريض صادم»، بينما اعتبر رئيس الأركان إيال زامير أنه يشوّه صورة الجيش، وطُرحت داخل المؤسسة العسكرية إمكانية اتخاذ خطوات قانونية مرتبطة بالفيلم ومصادر المعلومات المستخدمة فيه.
وفي الأيام التالية صعّد نتنياهو موقفه معلنًا الدفع نحو تشريعات أشد ضد من يتهمهم بتشويه سمعة الجنود الإسرائيليين.
بل إن وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار ذهب إلى حد المطالبة باتخاذ إجراءات تمس جنسية المخرجين، فيما ظهرت كتابات في إسرائيل تصفهما بـ«الخونة».
هنا تجاوزت قصة «نازا» حدود الفن نهائيًا.
صار الفيلم اختبارًا لمدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على سماع شهادات قادمة من داخله عندما تناقض الرواية الرسمية للحرب.
الفيلم الذي حاولوا محاصرته فوسّعوا صداه
المفارقة أن الغضب الإسرائيلي ربما أدى إلى النتيجة العكسية تمامًا.
فكل تصريح غاضب، وكل تهديد قانوني، وكل نقاش حول الجنسية منح «نازا» جمهورًا جديدًا لم يكن سيبحث أصلًا عن فيلم وثائقي مدته ثمانون دقيقة.
لقد دخل الفيلم فينيسيا كعمل استقصائي، وخرج منها كقضية سياسية دولية.
والسؤال الذي تركه خلفه أكثر إزعاجًا من أي مشهد:
إذا كانت روايات «نازا» مجرد أكاذيب، فلماذا استدعت فيلمًا واحدًا كل هذا الاستنفار السياسي والعسكري والإعلامي؟
ربما لهذا السبب لا تكمن قوة «نازا» فقط فيما عرضه على الشاشة، وإنما في الذعر السياسي الذي بدأ لحظة انطفائها.
فالمرآة هذه المرة لم يحملها خصوم إسرائيل.
حملها إسرائيليون، ووجهوها نحو الداخل.
شاركنا برأيك