علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

خطاب ماكرون عن فلسطين يواجه انتقادات في فرنسا وإسرائيل

أثار خطاب إيمانويل ماكرون في الأمم المتحدة جدلًا بسبب انتقاداته للوضع الإنساني في غزة والعنف والاستيطان في الضفة الغربية، إضافة إلى تصريحاته حول حماس. وانتقدت شخصيات من اليسار الفرنسي الخطاب باعتباره غير متسق مع بعض سياسات باريس، بينما رد مسؤولون إسرائيليون على تصريحاته. ولاحقًا أوضح مصدر دبلوماسي فرنسي أن ماكرون قصد القول إن حماس لا تحكم الضفة الغربية.

مشاركة:
حجم الخط:

أثار خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن فلسطين وغزة ردود فعل متباينة في فرنسا وإسرائيل.

ففي الوقت الذي انتقد فيه ماكرون الوضع الإنساني في غزة،

ودعا إلى احترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، رأى سياسيون من اليسار الفرنسي

أن خطابه لا ينسجم بالكامل مع سياسة باريس العملية.

وفي المقابل، هاجم مسؤولون إسرائيليون تصريحات ماكرون المتعلقة بالضفة الغربية،

ولا سيما العبارة التي أثارت جدلًا حول نشاط حركة حماس في المنطقة.

ما الذي قاله ماكرون عن غزة؟

رفع ماكرون نبرة خطابه عندما انتقل إلى الحديث عن غزة.

وتساءل عن مصداقية المجتمع الدولي إذا استمر في عدم التحرك إزاء الوضع في القطاع،

كما انتقد ما وصفه بالاحتفاء بسلام لم يؤدِّ، بحسب قوله، إلى إعادة فتح الممرات الإنسانية.

وقال إن استمرار عدم وصول المساعدات الإنسانية يمثل اختبارًا لمصداقية المجتمع الدولي.

كما انتقد الرئيس الفرنسي الوضع في الضفة الغربية، وربط بين تصاعد الانتهاكات هناك والنقاش حول الأمن الإسرائيلي.

وقد أكدت وكالة رويترز أن ماكرون انتقد خلال خطابه ما اعتبره غيابًا للممرات الإنسانية في غزة،

كما وجه انتقادات إلى العنف المرتبط بالمستوطنين في الضفة الغربية.

عبارة عن حماس أشعلت الخلاف

أثار جزء من خطاب ماكرون جدلًا خاصًا عندما تحدث عن حركة حماس والضفة الغربية.

وبحسب الترجمة التي انتشرت لتصريحاته، قال ماكرون إن حماس لم تكن ناشطة في الضفة الغربية.

وسرعان ما رد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التصريح،

واعتبره غير صحيح، مستشهدًا بهجمات تنسبها إسرائيل إلى حماس في الضفة الغربية.

لكن التطور لم يتوقف عند الرد الإسرائيلي.

فقد أوضح مصدر دبلوماسي فرنسي لاحقًا أن ماكرون كان يقصد القول إن حماس لا تحكم الضفة الغربية،

وليس أنها لم تنشط فيها. كما أشارت وكالة أسوشييتد برس إلى أن الأمم المتحدة لم تنشر ترجمة رسمية للتصريح محل الخلاف.

وهكذا، تحول جزء من خطاب ماكرون إلى محور مستقل للجدل، بعيدًا عن انتقاداته للوضع الإنساني والاستيطان.

اليسار الفرنسي: الموقف جاء متأخرًا

في فرنسا، لم يقتصر الاعتراض على اليمين.

فقد انتقدت شخصيات من اليسار الفرنسي خطاب ماكرون، معتبرة أن موقفه من فلسطين

جاء متأخرًا أو لم يترافق مع إجراءات عملية كافية.

ووصف زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلانشون الخطاب بأنه «خطاب ندم»، معتبرًا أن

ماكرون انتهى إلى تكرار مواقف كان اليسار الفرنسي يطرحها منذ بداية الحرب.

كما انتقد ميلانشون ما اعتبره تناقضًا بين خطاب الرئيس الفرنسي وسياسات الحكومة.

عبور طائرة نتنياهو الأجواء الفرنسية

ومن أبرز الملفات التي أثارت انتقادات اليسار الفرنسي أيضًا سماح باريس لطائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي

بنيامين نتنياهو بعبور الأجواء الفرنسية أثناء توجهه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأفادت تقارير بأن هذه كانت المرة الخامسة التي تسمح فيها فرنسا بعبور الطائرة الإسرائيلية أجواءها، وفق ما نقلته مصادر إعلامية.

وجاء ذلك في توقيت قريب من خطاب ماكرون، الأمر الذي استخدمه سياسيون فرنسيون منتقدون للحكومة

باعتباره مثالًا على الفارق بين الخطاب الدبلوماسي والسياسة العملية.

وانتقد الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور حديث ماكرون عن «المصداقية الدولية»،

بينما اعتبر منسق حزب فرنسا الأبية مانويل بومبار القرار الفرنسي موضع انتقاد شديد.

كذلك قال النائب عن الحزب إريك كوكريل إن فرنسا لم تتخذ، بحسب تقييمه، إجراءات كافية تجاه إسرائيل منذ اعترافها بالدولة الفلسطينية.

أما الأمين العام للحزب الشيوعي فابيان روسيل، فانتقد السماح للطائرة الإسرائيلية بالمرور في الأجواء الفرنسية.

وهذه المواقف تمثل تقييمات سياسية لأحزاب وشخصيات فرنسية، ولا تعني وجود موقف موحد داخل اليسار الفرنسي.

إسرائيل ترد على ماكرون

في إسرائيل، جاء الرد أكثر مباشرة.

فقد هاجم مكتب نتنياهو تصريحات ماكرون بشأن حماس والضفة الغربية، ووصفها بأنها «عبثية» وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.

كما انتقد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تصريحات الرئيس الفرنسي، بينما وصف رئيس الأركان الإسرائيلي

السابق غادي أيزنكوت موقف ماكرون بأنه بعيد عن الواقع الميداني، بحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية.

كذلك انتقد السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي خطاب ماكرون، معتبرًا أنه بعيد عن الواقع.

في المقابل، لم تقتصر تصريحات ماكرون على مسألة حماس، إذ تناول أيضًا الوضع الإنساني في غزة والاستيطان والعنف في الضفة الغربية.

لماذا أثارت تصريحات ماكرون هذا القدر من الجدل؟

يمكن تقسيم الجدل إلى مسارين رئيسيين.

الأول فرنسي داخلي:
يركز على مدى انسجام خطاب ماكرون مع سياسات الحكومة الفرنسية تجاه إسرائيل وفلسطين.

والثاني إسرائيلي:
يركز على انتقادات ماكرون للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وعلى عبارته بشأن حماس.

وفي الوقت نفسه، فإن توضيح مصدر دبلوماسي فرنسي بأن المقصود كان عدم حكم حماس للضفة أضاف طبقة جديدة إلى النقاش، لأن حماس لا تحكم الضفة بالفعل، لكنها تملك حضورًا وشبكات ونفذت أو أعلنت مسؤوليتها عن هجمات هناك، بحسب مصادر متعددة.

قراءة الصحافة الفرنسية للخطاب

ذهبت قراءات صحافية فرنسية إلى أن خطاب ماكرون حمل رسائل موجهة إلى أكثر من طرف.

وبحسب التقرير، رأت صحيفة لوموند أن خطاب ماكرون جاء في اتجاه مختلف عن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا في ما يتعلق بالقانون الدولي ودور الأمم المتحدة.

أما صحيفة ليبراسيون، فقرأت الخطاب باعتباره دفاعًا عن دور الأمم المتحدة في ظل الأزمات الدولية.

وفي المقابل، رأت لو باريزيان أن ماكرون وجه انتقاداته إلى الولايات المتحدة وإسرائيل من دون تسمية مباشرة، بما يسمح له بالحفاظ على قنوات التواصل مع الطرفين.

وهذه القراءات الصحافية تبقى تفسيرات للخطاب وليست مواقف رسمية معلنة من الرئاسة الفرنسية.

فرنسا وإسرائيل.. خلاف يتجاوز خطاب الأمم المتحدة

يأتي الخلاف في سياق توتر متزايد بين باريس والحكومة الإسرائيلية بشأن الحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

كما أشارت تقارير حديثة إلى خطوات فرنسية وأوروبية تتعلق بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما أثار اعتراضات إسرائيلية.

وفي المقابل، تؤكد فرنسا استمرار دعمها لحل الدولتين واحترام القانون الدولي،

بينما تصر الحكومة الإسرائيلية على أن أمن إسرائيل ومواجهة حماس يمثلان أولوية.

لذلك، لم يكن خطاب ماكرون أمام الأمم المتحدة مجرد موقف بشأن غزة،

بل جاء أيضًا في سياق أوسع من الخلافات الفرنسية الإسرائيلية حول الضفة الغربية والاستيطان والدولة الفلسطينية ودور الأمم المتحدة.

 

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك