العائدون من هناك
أعوام 1948 أيام النكبة ثم فى أعوام 1967 وماحولها عندما كانت النكسة وكان الخطباء على المنابر يبشرون بأننا فى آخر الزمان

العائدون إلى غزة مأساة إننسانية منذ سبعين عاما
فى سبتمر من عام 1972 نحن طلاب السنة الأخيرة من الثانوية العامة دخلنا فصولنا فى مدرسة العقاد الثانوية العسكرية بداية العام الدراسى ونحن متحمسون أن تنقضى سنتنا الأخيرة على خير ويبقى حسن الختام فوجدنا بعضاً من الطلاب القدامى باقين فى فصلنا للإعادة فمنهم الراسب ومنهم الباقى لتحسين المجموع أيام كانت هناك فرصة تانية مجانية لمن أراد ليدخل الكلية التى يرجوها ربما إحتاج إلى واحد فى المية أو أكثر قليلاً ليتحصل على ذلك.
كنا ننظر إليهم بأنهم الأكبر سناً والأكثر خبرة منا نحن الطلاب الجدد وكانوا محل فضولنا فمنهم من كان يلزم الصمت طول الوقت وهو فى حالة إنعزال تام عنا وفى حالة توحد دائمة مع نفسه ومنهم من كان يبعث فينا الأمل وياخد ويدى معانا بروح رياضية وأن الموضوع بسيط لكن يحتاج شوية إجتهاد زيادة وسننال مانريد بمشيئة الله وماحدث له هو شوية تقصير وإستهتار ومنهم من كان مُحبطاً وكل يوم يبعث فينا المزيد من المشاعر السلبية !
كان عددهم تقريباً حول الثمانية.
إنهم العائدون من الآخر ليبدأوا من جديد ليحسنوا الدرجات وقد رأوا مالم نراه من إمتحانات وقلق فى إنتظار النتيجة فى سنة غير ماسبق من سنوات…
هؤلاء تدريجياً إنعزلت عنهم لأنى دائماً أرى أن كل إنسان له تجربته الذاتية التى وإن تشابهت مع تجارب الغير لكنها لاتتطابق معها (طبق الأصل) لأن هناك فروق شخصية وفروق حياتية وفروق فى كل تفاصيل الصورة من حيث الحالة المادية والنفسية والظروف الوقتية والمحيط الإجتماعي لكل شخصية.وبعيداً عن هذا الكلام الذى يحتاج إلى تفصيل الذى خلاصته هو أن كل إنسان له تجربته الذاتية المتفردة وإن تشابهت مع آخرين فهى لاتطابقها،
هذا أيضاً ينطبق على الذين سافروا للخليج والذين سافروا إلى أوربا ثم عادوا وكل واحد فيهم مُحمل بتجربته الإيجابية أو السلبية !
كانت هناك كتب تحكى عن العائدين من الموت،قصص تحكى عن شخوص كانوا فى عداد الموتى بسبب حوادث أو حالات مرضية أدخلتهم فى غيبوبة طالت أم قصرت فحسبوهم ماتوا وبعضهم دفنوا ,بالخطأ,ثم عادوا فنُقلت مشاعرهم إلينا.
لكن لم يذهب أحد إلى الموت وقد قامت قيامته ثم عاد حياً إلا فتى بنى إسرائيل القتيل الذي ضربوه ببعض مافى البقرة الذبيحة (ربما البعض هذا هو ذيلها) ولكنه لم يقل شيئاً سوى إسم قاتله ثم مات بعدها، وهناك معجزة عيسى عليه السلام التى أحيا فيها الميت بإذن الله.
إبراهيم القاضي يكتب: ثمن العرق وثمن الوطنية
لكن لم يذكر لنا التاريخ أى لقاءات صحفية أو تلفزيونية تمت معه ليحكى لنا ذكرياته عن هذه الفترة ! تأملت هذا الموقف بما كان يقصه علىَّ رفيق طريقى اليومى فى زمن أن كنت طالباً مدرسياً عن علامات يوم القيامة، وكنت أحاول دائماً أن أبعده وأبعد نفسى عن ذلك الموضوع الجدلى ولكنه كان دائماً مصراً على طرحه حتى أصابني بالكآبة.
ومع قليل من التأمل وجدت أن مثل أولئك الطلاب زملاء الفصل كمثل العائدين من الموت فكل واحد منهم حكى تجربته بطريقته ومن وجهة نظره ولكن صديقى مازال فى دنيانا وليس له تجربة مع القيامة فلماذا العجلة لتوقع شئ قد لايدركه وتقوم القيامة بمعناها الشامل فى زمن غير زمنه ثم وهو فى مقتبل الحياة ماذا عساه أن يفعل حتى لو علم يومها بالتحديد ؟!
وإعتقادى الدائم هو مع مقولة أن الإنسان عندما يموت فهذه هى قيامته !

كنت أجد أمام المساجد بعد صلاة الجمعة باعة كتيبات صغيرة معنونة تتحدث عن علامات القيامة وعن عذاب القبر ولكنى لم أحاول حتى أن أتصفحها، لأنى رأيت أناساً رحلوا وقد كان شغلهم الشاغل علامات يوم القيامة، فالبعض فى زماننا والذين عاشوا فى أعوام 1936 وماحولها عندما بدأ اليهود فى الهجرة إلى فلسطين وأتوا إليها لفيفاً من كل بقاع الأرض ظنوها أنها من علامات يوم القيامة ثم فى أعوام 1948 أيام النكبة ثم فى أعوام 1967 وماحولها عندما كانت النكسة وكان الخطباء على المنابر يبشرون بأننا فى آخر الزمان وبأن الحجر سينطق ويقول يامسلم هذا يهودي ورائى فأقتله !







