سعيد علام يكتب: مخاطر تفكيك مصر التاريخية، الوشيكة.. النيل (2)
حوض "النهر الدولى" يعتبر "وحدة هيدرولوجية واحدة" لا يجوز تقسيمه، فى حين ان حوض "النهر العابر للحدود" يعتبر بحيرة تابعة لدولة المنبع، وهو ما جعل اثيوبيا تعلن بعد الملئ الاول، ان نهر النيل اصبح بحيرة اثيوبية.
اقامة سد النهضة بعد تغيير صفة النيل كارثة على مصر والسودان
“لقد كانت مصر “قاعدة قوة طبيعية” أكبر قاعدة قوة طبيعية فى المنطقة، وخلف هذه القاعدة الصلبة، بالطبع، يكمن النيل، فأليه ترجع كل قوتها ممثلة فى وفرة انتاجها وثراء غلاتها.
الواقع ان النيل منح مصر حياة مستقرة ومتجددة معاً ومن غنى ووفرة مع ترف وجمال، وبالتالى من امن وطمأنينة مع تفاؤل بالمستقبل وثقة بالنفس.
حتى اعدائها كانوا على وعى بهذه الحقيقة الاساسية، الى حد أن منهم، مثل هيتون، من نصح قومه بالتربص بها وقت امتناع النيل عن الفيضان حين تغيب قوتها وتستحيل ضعفاً فيكون مقتلها.”.
“والحقيقة العظمى فى كيان مصر ونقطة البدء لأى فهم لشخصيتها الاستراتيجية، هى اجتماع موقع جغرافى أمثل مع موضع (قدرات) طبيعى مثالى وذلك فى تناسب او توازن نادر المثال، فالموقع والموضع هنا متكاملان جداً فى الدور، ومتناسبان الى حد بعيد فى المقياس، فكلً منهما ضخم الحجم او الخطر، ولكن فى تناسق دقيق وشبه محسوب، فمصر ليست مجرد موقع او موضع هام، بل الاثنان معاً، ليست مجرد ممر او مقر خطير، بل كلاهما، ليست محطة طريق حاسمة أو صومعة غلال ضخمة، بل هى هما على السواء.”
شخصية مصر – دراسة فى عبقرية المكان، جمال حمدان.
الجزء الثانى – الباب السادس – الفصل الخامس والعشرون – شخصية مصر الاستراتيجية.
“تلتزم الدولة بحماية نهر النيل، والحفاظ على حقوق مصر التاريخية المتعلقة به”
المادة 44 من دستور 2014 المعدل فى 2019.
خلال شهر أكتوبر الحالي، في مؤتمر صحفي للرئيس السيسي مع رئيس كوريا الجنوبية في العاصمة سول، وكذلك خلال لقائه مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ 53 لانتصارات أكتوبر، صرح الرئيس السيسي بأن “مصر ستواصل الدفاع عن أمنها وحصتها المائية بشتى الوسائل التي يكفلها لها القانون الدولي”
كان فى يوم الاربعاء 8 ابريل2021، قد جاء فى كلمة الرئيس السيسى، فى افتتاح مجمع الأصدارات المؤمنة والذكية:
“.. احنا بنأكد للعالم عدالة القضية بتاعتنا، وفى اطار القانون الدولى والاعراف الدولية ذات الصلة بحركة المياه عبر “الانهار الدولية”
لقد تحدث الرئيس السيسى عن نهر النيل باعتباره “نهر دولى” فى حين أن ديباجة وثيقة إعلان المبادئ (وهى الأساس القانونى للاتفاقية) التى وقعتها مصر مع كلً من السودان واثيوبيا فى 23 مارس 2015، قبلت فيها تغيير تصنيف نهر النيل من نهر دولى، إلى نهر عابر للحدود “for their over-border water sources, “!.
وقد جاء نصاً فى الديباجة
“تقديراً للاحتياج المتزايد لجمهورية مصر العربية، جمهورية أثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، وجمهورية السودان لـ”مواردهم المائية العابرة للحدود”؛ “for their over-border water sources, “!. وإدراكا لأهمية نهر النيل كمصدر الحياة ومصدر حيوي لتنمية شعوب مصر وإثيوبيا والسودان”.
كيف نوقع على وثيقة تزور تصنيف النيل من “نهر دولي” الى “نهر عابر للحدود”
ثم نطالب الأخرين باعتباره “نهر دولى”؟!
من الامور المفجعة، ان توافق مصر فى وثيقة مارس 2015، التي تزور تصنيف نهر النيل من نهر دولى، الى نهرعابر للحدود، (for their over-border water sources,) وهو ما يفقد مصر، كل المزايا التى خص بها القانون الدولى “النهر الدولى” عن “النهر العابر للحدود”
والتى يمكن تلخيصها فى الاتى
اولاً: حوض “النهر الدولى” يعتبر “وحدة هيدرولوجية واحدة” لا يجوز تقسيمه، فى حين ان حوض “النهر العابر للحدود” يعتبر بحيرة تابعة لدولة المنبع، وهو ما جعل اثيوبيا تعلن بعد الملئ الاول، ان نهر النيل اصبح بحيرة اثيوبية.
ثانياً: فى حالة “النهر الدولى”، تكون المياه مياه مشتركة “مياه دولية”، وفى هذه الحالة، لا سيادة لاثيوبيا عليها، سوى على مواردها المائية الداخلية، عما يتدفق فى الروافد من المياه الدولية، فى حين ان الموارد المائية لدولة المنبع فى “الانهار العابرة للحدود”، هى ملكية خالصة لدولة المنبع، وهى صاحبة سيادة مطلقة على مواردها المائية، وهو ما جعل اثيوبيا تكرر ان موضوع مياه نهر النيل، هو جزء من سيادتها، وان المياه مياهها.
ثالثاً: يعترف القانون الدولى لدول المصب للـ”النهر الدولى”، بالحقوق التاريخية المكتسبة، اى بالاتفاقيات السابقة، على العكس من دول المصب للـ”النهر العابر للحدود”، الذى لا يتمتع بهذه الميزة، وهو ما يجعل اثيوبيا ترفض الاعتراف بالحقوق التاريخية المكتسبة لمصر من مياه النيل، وفقاً لاتفاقيات سابقة.
رابعاً: لا يسمح القانون الدولى باقامة اى سد او منشأ على طول مجرى “النهر الدولى”، الا بموافقة دول المصب، ولا يفرض نفس الشرط، على مجرى “النهر العابر للحدود”، أي لا تعتبره من مسائل السيادة لدول مجرى “النهر العابر للحدود”.
خامساً: لقد نصت اتفاقية الأمم المتحدة للمياه لعام 1997 والخاصة بـ”الأنهار الدولية”، على ضرورة قيام دولة المنبع الراغبة في إنشاء سد على “نهر دولي” مشترك، القيام بجميع الدراسات البيئية والإنشائية؛ وأن تُخطر بها في شفافية تامة الدول التي تليها، المحتمل أن تتضرر من إقامة هذا السد أو المُنشأ، وإذا ما رفضت الدولة التي يمكن أن تتضرر، فينبغي تأجيل إقامة السد أو المُنشأ لحين التوافق والتراضي حول التداعيات الضارة لهذا السد وتلافيها.
سادساً: من الحصانات القانونية الدولية التى يمنحها القانون الدولى للـ”الانهار الدولية” اشتراطه للموافقة على اى تمويل للمشروعات المائية عليها، ألا يؤثر المشروع بالضرر، على أي دولة أخري من دول حوض “النهر الدولى”
(وهو ما جعل البنك الدولى، المالك الفعلي لسد النهضة، كما سنرى تالياً، جعله يوقف اى تمويل للسد الا بعد موافقة مصر والسودان، كأحتياط قانونى اضافى، حتى بعد ان استطاع تمرير صفة “نهر عابر للحدود” وليس نهر دولى، فى الاساس القانونى لاتفاقية 23 مارس 2015).
وهو ما يعنى للاسف، ان إثيوبيا، لم تخرق القوانين الدولية حرفياً (لغياب قوانين استغلال الموارد المائية للـ”الانهار العابرة للحدود”، هناك اتفاقيات بينية فقط، ولكن ليس هناك قانون دولى كما هو الحال بالنسبة للـ”الانهار الدولية” التى يختصها قانون دولى)
لكن عموماً، كانت اثيوبيا قد انتهكت قاعدة قانونية وهي حق الاستعمال التاريخي لمصر والسودان، والبلدان التي يتأثر اقتصادها بأسعار صادرات وخدمات مصرية تعتمد على مياه النيل، لكن حتى هذه القاعدة القانونية قد تم أهدارها عندمل لم تتحرك الأدارة المصرية للعمل على عدم أكتمال النصاب القانوني لكي تصبح “أتفاقية عنتيبي” نافذه، وهو للأسف قد تم منذ الثلاثاء 11 أغسطس 2026، حيث بدأ حرمان مصر من حصتها التاريخية من ماء النيل، بعد أن أصبحت أتفاقية “عنتيبي” نافذة!.
هذا كله يتعلق بخسائرنا من نقطة واحدة فى وثيقة 23 مارس 2015، النقطة المتعلقة بالاساس القانونى للاتفاقية، الديباجة، الخاصة بقبولنا بتغيير تصنيف نهر النيل من “نهر دولى” الى “نهر عابر للحدود”، اما باقى خسائرنا فى هذه الاتفاقية، يمكن اختصارها فى النقاط الاربع التالية:
النقطة الاولى: نصت على انه من حق اثيوبيا “منفردةً” ضبط قواعد التشغيل السنوى للسد!
النقطة الثانية: نصت على انه على اثيوبيا ان تخطر “مجرد اخطار” دولتى المصب بأية ظروف طارئة تستدعى اعادة ضبط عملية تشغيل السد، “والتى تقوم بها اثيوبيا منفردةً وفقاً للنقطة السابقة”!.
النقطة الثالثة: نصت على ان مدة تنفيذ العملية هى خمسة عشر شهراً، اى يجرى التنفيذ خلال هذه المدة لا يؤجلها شئ، وفقاً للوثيقة الملزمة الموقع عليها!
النقطة الرابعة: نصت انه فى حال فشل المفاوضات، على مبدأ التسوية السلمية للمنازاعات (تحديد تعبير “التسوية السلمية”، يعنى التزام قانونى من الموقعين على الوثيقة، بعدم اللجوء لـ”عمل عسكرى”) ويمكن للدول الثلاث “مجتمعين” اللجوء للتوفيق، الوساطة، او احالة الامر الى رؤساء الدول الثلاث!
وهو ما يعنى استبعاد اللجوء الى القضاء الدولى الملزم، والاكتفاء بمستوى اقل ودى، مجرد “وساطة” هذا من ناحية، ومن الناحية الاخرى، احالة الامر للرؤساء الثلاثة “مجتمعين” يعطى حق الفيتو لاثيوبيا!، وهو فى نفس الوقت يعنى اشتراط موافقة اثيوبيا، على عملية اللجوء الى الوساطة، ذاتها، من حيث المبدأ، وموافقتها ايضاً، على شخصية الوسيط نفسه!.
هل نجرؤ على الانتصار؟!
السد الأستعماري “النهضة”، مشروع سياسي قبل أن يكون مشروع تجاري، والخطر يكمن في وظيفة السد السياسية وليس في مباني السد المائية، وبعيداً التهريج المغرض بـ”الخيار العسكري” فأن الحل الوحيد الحقيقي هو تغيير وظيفة السد من أداة أستعمارية لـ”خنق من الرقبة” للأرادة السياسية المصرية، التي صممت وظيفته كأداة أستراتيجية كي تتحكم في الأرادة السياسية المصرية “السيادة”، في الحاضر والمستقبل، بغض النظر عن طبيعة النظام القائم، وطبيعة القائمين عليه، هذه هى حقيقة وظيفة السد الأستعماري، التي لا حل حقيقي لهذا السد سوى بتغيير وظيفته، هنا الوردة، فلنرقص هنا.
قدر مصر انها العامل المشترك الوحيد في العالم، بحكم المكان، المكانة والموقع، – حسب حمدان – فى المشروعان الأستعماريان الأستراتيجيان الكبيران للولايات المتحدة “الشرق الاوسط الكبير، الجديد، النيوليبرالي” و “القرن الافريقى الكبير، افريكانو، النيوليبرالي” عبقرية المكان نعمة، لا يجب ان تتحول الى نقمة، لابد من مقاومة فرض سيناريو أستعماري مدمر، وفرض سيناريو بديل وطني مزدهر يليق بمكان مصر ومكانتها.
السيناريو الاسوأ لمستقبل مصر بعد السد الاستعماري “النهضة” هو التفكيك، هو التقسيم، الذي يخدم المشروعان الاستعماريان التي تشكل مصر العامل المشترك الوحيد فيهما، لذا فتفتيت العائق الاكبر امام مديرها التنفيذي في المشروعان، “اسرائيل” اليمينية القوية .. السيناريو الذى لا نتمناه بكل تأكيد، ولكننا لسنا فقط نحذر منه، بل نعمل بأقصى جهد من اجل سيناريو وطني بديل، بتحليل عناصر هذا السيناريو الكارثى.
هل يمكننا ان نبدء فى اعادة بناء وترميم “المجتمع المدنى” بأنتزاع قدرته في بناء مؤسساته المستقلة، المستقلة حقا.
هذا الحق الذى تم وأده منذ 52، والذي أول من دفع ثمن غيابه هو مشروع عبد الناصر الوطني للتنمية المستقلة، “كعب أخيل” عبد الناصر .
بدون أستعادة المجتمع المدني لحقه في بناء مؤسساته المستقلة، بدون مجتمع مدني قوي ومستقل، لا يمكن احداث اى تغيير ايجابى، وان نكون على أستعداد لدفع الاثمان الغالية المتوقعة لأستعادة هذا الحق الأصيل، الذى ستقف السلطة بكل قوة ضد استعادته وبناء “المجتمع المدنى” القوى والمستقل.
ام اننا سنكتفى بـ”الشعب يريد اسقاط النظام”، وحال سقوط “رمزه”، لا ندرى ماذا نحن فاعلون، ويبدأ الصراع النخبوى والانتهازي السياسي من كل الاتجاهات، ونعيد الكرة مرة اخرى!.
الحل الوحيد هو تغيير وظيفة السد من محبس لأحتلال الارادة السياسية المصرية والسودانية والاثيوبيه، الى مجال للتعاون الوثيق والواسع بين شعوب “المجتمع المدنى”، للدول الثلاث للتعاون فى مشروعات تنميه شاملة متكاملة انتاجية خدمية، زراعية صناعية خدمية، قادرة على مجابهة الضغوط الهائلة التى سيمارسها النظام الرأسمالي العالمي، حكام عالم اليوم، لمنع هذا التوجه الجماعي للتنمية المستقلة، هذا الذى لن يقدر عليه سوى نمط من التعاون بين المجتمع المدنى فى المجتمعات المدنية الثلاث، مصر والسودان واثيوبيا، كون اللصوص متعاونون،
شاركنا برأيك