مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلـــزال هــــــــــــــرمز (12) التحالـــــــــــف الشرقـــــــــــي العظيــــــــــــــــــم

مستقبل هذا التحالف سيتحدد بناءً على قدرة طهران على البقاء كلاعب عقلاني في ذروة جنونها العسكري، لكي تظل "درعاً" يحمي مصالح حلفائها الكبار دون أن تتحول إلى "ثقب أسود" يبتلع استقرارهم الاستراتيجي،

مشاركة:
حجم الخط:

هل أصبحت طهران “الخاصرة الرخوة” أم “الدرع المتقدم” لروسيا والصين؟

في اللحظة التي اعتلى فيها المرشد الجديد سدة القيادة في إيران وسط دخان الحرائق وأزيز الطائرات، لم يكن التحدي الأكبر أمامه هو تثبيت أركان الداخل فحسب، بل كان يتمثل في إعادة تعريف “التحالف الشرقي” وتحويله من إطار تعاوني حذر إلى درع صلب يحمي الجمهورية الثالثة من الانهيار الكامل تحت وطأة الضغوط الغربية.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم بحدة في أروقة مراكز الأبحاث العالمية لا يكمن في مدى حاجة إيران لروسيا والصين، بل في المدى الذي تستعد فيه موسكو وبكين للذهاب إليه في دعم نظام يتبنى عقيدة “المواجهة الشاملة”

هل باتت طهران تمثل اليوم “الدرع المتقدم” الذي يشغل الولايات المتحدة عن الصراعات في أوكرانيا وتايوان، أم أنها تحولت إلى “خاصرة رخوة” قد تجر القوى الشرقية إلى مواجهة مباشرة وغير محسوبة النتائج مع المعسكر الغربي في توقيت لا يخدم طموحاتها الاستراتيجية بعيدة المدى؟

روسيا وإيران: زواج الضرورة في خندق المواجهة الوجودية

تمثل العلاقة بين موسكو وطهران في ظل القيادة الإيرانية الجديدة نموذجاً فريداً للتحالف العسكري الذي تجاوز حدود التنسيق التكتيكي ليصل إلى مرحلة “وحدة المصير الجيوسياسي”، حيث ترى روسيا في صمود إيران تحت قيادة مرشدها الراديكالي فرصة ذهبية لاستنزاف القدرات العسكرية واللوجستية الأمريكية بعيداً عن الجبهة الأوكرانية، مما يجعل من دعم طهران بالتقنيات الدفاعية المتقدمة وصواريخ الدفاع الجوي المتطورة مصلحة وطنية روسية عليا لضمان بقاء “البعبع” الإيراني شاخصاً في وجه تل أبيب وواشنطن.

مع ذلك، فإن هذا الدعم الروسي يظل محكوماً بحسابات دقيقة لا تريد لطهران أن تذهب بعيداً في إشعال حريق إقليمي شامل قد يؤدي إلى تدمير البنية التحتية النفطية التي تعتمد عليها موسكو جزئياً في صفقات الالتفاف على العقوبات، وهو ما يجعل روسيا تمارس دور “المحرك والمكبح” في آن واحد، فهي تدفع إيران نحو “الردع النشط” لإشغال الغرب، لكنها تخشى في الوقت ذاته من تحول طهران إلى عبء أمني يفرض عليها التدخل المباشر لحماية حليفها الوحيد في الشرق الأوسط من السقوط.

الصين وحسابات “التنين” الهادئ: النفط مقابل البقاء السياسي

الصين تتعامل مع إيران “المرشد الجديد” من منظور اقتصادي استراتيجي يرى في طهران “رأس جسر” حيوي لمبادرة الحزام والطريق، ومصدراً مستداماً للطاقة الرخيصة بعيداً عن الهيمنة الدولارية، مما يدفع بكين إلى تقديم طوق نجاة مالي وسياسي لطهران يمنع انهيارها الكامل تحت ضغط التضخم الذي تجاوز حاجز الـ 100%. إن الصين تدرك جيداً أن سقوط النظام في طهران أو تحوله إلى دولة فاشلة سيعني خسارة أحد أهم حلفائها المشاكسين للولايات المتحدة في المنطقة، ولذلك فهي تستمر في ضخ الاستثمارات وشراء النفط الإيراني عبر مسارات معقدة، لكنها تظل حريصة على عدم الانزلاق نحو تحالف عسكري معلن قد يعرض مصالحها التجارية الضخمة مع الغرب للخطر.

إن طهران بالنسبة لبكين هي “الدرع المتقدم” الذي يمتص الضربات الأمريكية ويشتت انتباه واشنطن عن بحر الصين الجنوبي، لكنها ستبقى دائماً حذرة من أن تصبح إيران هي الشرارة التي تشعل حرباً عالمية تعطل سلاسل التوريد الصينية التي هي شريان الحياة الحقيقي للتنين الآسيوي.

توازن الرعب وصياغة النظام العالمي الجديد

إن إيران في عهد مرشدها الجديد تراهن بكل أوراقها على أن “التحالف الشرقي العظيم” سيجد نفسه مضطراً لدعمها مهما بلغ سقف التصعيد، منطلقاً من قناعة بأن انكسار طهران هو انكسار لمشروع “العالم متعدد الأقطاب” الذي تسعى روسيا والصين لتكريسه، مما يجعل من استمرار الضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية وتجدد القصف على تل أبيب جزءاً من اختبار القوة بين الشرق والغرب.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل هذا التحالف سيتحدد بناءً على قدرة طهران على البقاء كلاعب عقلاني في ذروة جنونها العسكري، لكي تظل “درعاً” يحمي مصالح حلفائها الكبار دون أن تتحول إلى “ثقب أسود” يبتلع استقرارهم الاستراتيجي، فالعالم اليوم لا يراقب فقط ما تفعله صواريخ طهران، بل يراقب مدى الصبر والقدرة على التحمل لدى الكرملين والقصر الإمبراطوري في بكين أمام مغامرات حليفهم الذي قرر كتابة تاريخه الجديد بالبارود.
وفي نهاية المطاف، فإن “زلزال هرمز” لم يحطم فقط سكون الملاحة الدولية، بل حطم معها أوهام الانفراد الغربي بالقرار العالمي، ليترك العالم أمام حقيقة واحدة: أن إيران التي استطاعت إفراز قيادتها وتجديد ضرباتها في ذروة القصف، لم تعد تخوض معركتها الخاصة، بل باتت رأس الحربة في مواجهة كونية كبرى ستحدد نتائجها ملامح القرن الحادي والعشرين.

إن الصمود الذي تبديه طهران اليوم، مدعوماً بـ “النفس الطويل” لحلفائها في موسكو وبكين، يثبت أن استراتيجية “قطع الرأس” قد فشلت في شل جسد الدولة، وأننا بصدد ميلاد إقليمي جديد لن يكون فيه للبراغماتية مكان، بل ستسود فيه لغة “إعلام الصدمة” وقوة الواقع الميداني الذي يفرضه “التحالف الشرقي العظيم” كأمر واقع لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.

شارك المقال: