مقالات

عندما تنتصر السلطة على الدولة: ماذا يبقى لننقذه؟

الخطأ الشائع في قراءة هذا المسار هو الاعتقاد أن ما يجري ناتج عن سوء تقدير أو غباء سياسي. وهم مريح لكنه مضلل، النظام عادة لا يخطئ الحساب، لكنه يحسب من زاوية واحدة فقط: زاوية البقاء.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم:
معتز منصور – باحث سياسي

ليس المقصود هنا التحريض، ولا تقديم حلول جاهزة، ولا الانغماس في أوهام التغيير السريع. المقصود هو تسمية ما يجري باسمه الحقيقي قبل أن يتحول إلى قدر لا مناص منه. فالظاهر قد يبدو مستقراً، والكل يقرأ الاستقرار من الخارج، بينما يجري من الداخل تفريغ معنى الدولة نفسها. وعندما يدرك الناس الحقيقة متأخرين، يتضح أن ما كان محمياً لم يكن الوطن، بل السلطة. عندها لا يعود السؤال كيف ننجو، بل ماذا يبقى لننقذه.

أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة ليس الاستبداد في حد ذاته، بل اللحظة التي يصبح فيها وجود الدولة عبئاً على النظام، لا إطاراً حامياً له. في هذه المرحلة، لا يكون الحديث عن غياب البوصلة، بل عن بوصلة معكوسة: ترى في انتظام الدولة خطراً، وفي هشاشتها ضمانة، وفي القواعد عبئاً، وفي الاستثناء أداة حكم.

الخطأ الشائع في قراءة هذا المسار هو الاعتقاد أن ما يجري ناتج عن سوء تقدير أو غباء سياسي. وهم مريح لكنه مضلل، النظام عادة لا يخطئ الحساب، لكنه يحسب من زاوية واحدة فقط: زاوية البقاء. الدولة تفكر في الاستمرار عبر التوازن، النظام يفكر في الاستمرار عبر التحكم. الدولة تحتاج إلى قواعد مستقرة، النظام يحتاج إلى هوامش واسعة للتعطيل والمناورة.

حين ينتصر منطق النظام، لا تُلغى الدولة دفعة واحدة، ولا يحدث انهيار مفاجئ أو صدمات كبرى. ما يحدث هو تفريغ بطيء، المؤسسات تبقى قائمة لكنها بلا استقلال، القوانين موجودة لكنها قابلة للتعليق، والخطاب وطني لكنه بلا مضمون سيادي. تتحول الدولة من كيان سياسي إلى هيكل إداري يخدم شبكة قوة، لا عقداً اجتماعياً. كل إجراء يُتخذ لا يُحسب وفق مصلحة الوطن، بل وفق الحفاظ على مركز القرار.

في هذا السياق، تُعاد تعريف العقلانية السياسية نفسها. لم تعد تعني تقليل الخسائر الوطنية أو بناء استقرار طويل الأمد، بل تقليل المخاطر على مركز القرار. كل ما يعزز القدرة على الضبط يُعد عقلانياً، حتى لو دمر الدولة على المدى الطويل. وكل ما يوسع المجال العام يُصنف مغامرة، حتى لو كان شرطاً لبقاء الدولة ذاتها. منطق الدولة يعتمد على التوازن، ومنطق النظام يعتمد على التحكم في كل هامش، وضبط كل مساحة للنشاط السياسي أو الاجتماعي قبل أن تتجاوز الخطوط التي رسمها.

الخارج في هذه المعادلة لا يُقرأ كشريك أو خصم، بل كأداة. الصراعات الإقليمية والدولية تُدار بمنطق إدارة التوازنات التي تضمن استمرار النظام، لا بمنطق تعظيم المصلحة الوطنية. يمكن أن يتعايش خطاب سيادي صاخب مع ارتهان فعلي، دون أن يرى النظام أي تناقض. السيادة هنا لا تُقاس بامتلاك القرار، بل بالقدرة على الحركة ضمن هوامش مرسومة مسبقاً.

الأخطر أن هذا المنطق يُنتج وعياً مشوهاً داخل المجتمع. حين يرى الناس أن كل شيء محكوم، وأن كل فشل مقصود، يتحولون من فاعلين محتملين إلى متفرجين سلبيين. النقد يفقد جدواه، والسياسة تفقد معناها، لأنها تبدو مغلقة سلفاً. هكذا لا يحكم النظام بالقمع وحده، بل بإنتاج العجز. كل فشل يصبح مقصوداً، كل خلاف يُحاصر، وكل محاولة للاختلاف تُختزل إلى شبهة أو تهديد، حتى يسود شعور عام بأن كل شيء مُحدد مسبقاً.

لكن هذا النجاح يحمل في داخله بذور فشله. النظام الذي يرى في الدولة خطراً، يفقد القدرة على قراءة المجتمع. كل تعبير مستقل يُفسر كتهديد، كل تحول اجتماعي يُعالج أمنياً، وكل اختلاف يُختزل إلى شبهة. هنا يحدث الانفصال الكامل: الدولة لم تعد وسيطاً بين السلطة والمجتمع، بل جدار عازل بينهما. تتحول المؤسسات إلى أدوات لضبط المجتمع بدلاً من حماية المواطنين، والقوانين تتحول إلى أدوات إدارة وليس إلى أطر عدلية.

في هذه اللحظة، لا تعود السياسة ممكنة بالمعنى الحقيقي. السياسة تفترض وجود خيارات ومسارات متعددة، بينما هنا الخيار واحد: الاستمرار. ومع كل دورة جديدة، ترتفع كلفة هذا الاستمرار، تضيق الهوامش، ويحتاج النظام إلى أدوات أكثر خشونة. ليس لأن النظام شرير بطبيعته، بل لأنه حاصر نفسه بمنطق لا يسمح له بالتراجع، وبات أي تصحيح يُعتبر تهديداً للبقاء ذاته.

ما يجعل هذا المسار أكثر خطورة أنه لا ينتهي غالباً بثورة أو انهيار درامي، بل بتآكل صامت. دولة تفقد المبادرة، مجتمع يفقد ثقته بالمعنى العام، نخبة تعيد إنتاج الخطاب ذاته دفاعاً عن موقعها، وعندما تقع الصدمة، لا يكون سببها حدثاً بعينه، بل تراكم فراغ طويل، تراكم يمر دون أن يلاحظه أحد، حتى يفاجأ الجميع بالنتائج.

لهذا، السؤال الحقيقي ليس هل البوصلة غائبة أم حاضرة، بل إلى أين تشير: إلى الدولة كأفق مشترك، أم إلى النظام كغاية بذاته؟ حين تشير إلى الثانية، يصبح كل شيء قابلاً للتضحية: القانون، الاقتصاد، المجتمع، وحتى فكرة الوطن نفسها. النظام الذي ينتصر على الدولة يربح الوقت، لكنه يخسر المستقبل.

الدولة المختزلة إلى أداة لن تجد من يدافع عنها حين تصبح حمايتها عبئاً. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال كيف سقطنا، بل لماذا لم نر السقوط وهو يتشكل أمامنا ببطء. هذا ليس تشاؤماً، ولا نبوءة سوداء. إنه توصيف لمسار ونمط يتكرر في تجارب كثيرة. هذا النمط لا يُكسر بتغيير الوجوه، بل بتغيير المنطق الذي يجعل الدولة وسيلة لا غاية. وحتى يحدث ذلك، يبقى السؤال معلقاً: ماذا يبقى لننقذه؟

شارك المقال: