مقالات
محمود الشيوي
محمود الشيوي

كاتب صحفي

محمود الشيوي يكتب: الساحل المتصالح ليس قصة حاكم!

وقد استغرق الانتهاء من اعداد بروتوكول ذلك الاتحاد أكثر من عام ليجتمع الاطراف في أكتوبر عام ١٩٦٩ في أبو ظبي للتباحث حول آلية إدارة الاتحاد

مشاركة:
حجم الخط:

ميناء جديد لماذا؟ 

عدد من كبار تجار دبي اجتمعوا ذات يوم مع الشيخ محمد بن راشد عندما كان والده الشيخ راشد آل مكتوم حاكما لدبي ورئيس مجلس الوزراء.

قالوا له : نعلم مكانتك عند والدك وأنه يسمح لك بالتحاور معه في الأمور الكبيرة، وليتك تخبره إن لدينا ميناء كبيرا وهو ميناء راشد ويكفينا.

وأن بناء ميناء جديد ضخم في جبل علي سيضع الدولة في حالة ركود واستنزاف مواردها ويلحق بها خسائر كبيرة.

فسألهم : ولماذا لاتبلغوه بأنفسكم ،أجابوا بأنهم خجلوا من الاعتراض أمام الشيخ لدماثة خلقه.

وعندما نقل الأبن الرسالة للوالد، ألتفت إليه قائلا : يامحمد إني إبني هذا الميناء لأنه يمكن أن يأتي يوما لاتقدرون فيه بنائه!

محمود الشيوي يحدثكم: من داخل النفق

محمود الشيوي يكتب: ألم ينتهي الدرس ياغبي؟!

ما أروع التاريخ بحكايته المشرفة.

والحكاية بدأت منذ زمن طويل بعدما بدأت تلمح في الأفق كيانات أطلق عليها “الساحل المتصالح” بعدما كان ساحل القراصنة.

وعقب اختطاف ٣ سفن قررت بريطانيا بالاتفاق مع سلطنة عمان معاقبة شيخ القواسم في رأس الخيمة ليصل الأمر إلى الاحتلال.
وبغض النظر عن جولات التاريخ التي بدأت من قرى لصيد وتجارة اللؤلؤ حتي ظهور النفط مع بداية خمسينات القرن الماضي.

فإنه عقب قرار بريطانيا في يناير عام ١٩٦٨ بسحب قواتها من الإمارات المتصالحة، شعر كل من زايد بن سلطان آل نهيان حاكم ابو ظبي، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بالخطر فتوجها الي لندن لإعادة النظر في القرار والسماح ببقاء قوات للحماية متعهدين بدفع التكاليف.

وحينها رفض وزير الدفاع البريطاني طلبهما باستمرار “الاحتلال”

قائلا : إنه لايحبذ فكرة ان يكون نوعا من تجار العبيد البيض لشيوخ العرب!

وعقب عودتهم تفتق ذهنهما عن فكرة تأسيس اتحاد يضم كل الإمارات بما في ذلك قطر والبحرين.

بعد بلورة الفكرة عقد اجتماعا لاحق في ٢٥ فبراير ضم حكام الشارقة وعجمان والفحيرة وام القيوين.

اما البحرين وقطر فقد اختارتا الاستقلال.

وقد استغرق الانتهاء من اعداد بروتوكول ذلك الاتحاد أكثر من عام ليجتمع الاطراف في أكتوبر عام ١٩٦٩ في أبو ظبي للتباحث حول آلية إدارة الاتحاد.

ونظرا لان “عشرة” آل نهيان هي الأكبر عددا فقد انتخب زايد بن سلطان رئيسا وراشدآل مكتوم نائب.

اتفاق الجزر الثلاث 

في الوقت الذي قررت فيه بريطانيا بالاتفاق مع إيران علي ضم جزر طنب الكبرى والصغرى وابو موسى لإيران تحت إشراف الشاه محمد رضا بهلوي.

ليوقع  شاه إيران اتفاقا مع الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة للاسنحواذ على الجزر، ونشرت صحف خليجية فحوه.

اغتيال الشيخ القاسمي 

الاتفاق يشير الي ان القاسمي حصل على ٢٠ مليون درهم ونحو ٢٠ سيارة فارهة، لكنه لم ينعم الغنيمة حيث تم اغتياله في اليوم التالي عقب إنزال اعلام رأس الخيمة والشارقة من فوق الجزر لتحل محلها اعلام إيران.

ونعود للشيخ راشد آل مكتوم والذي تولي منصب حاكم دبي ورئيسا لمجلس الوزراء عقب الإعلان عن تأسيس الاتحاد في ديسمبر عام ١٩٧١.

ذلك الرجل الذي غير ملامح منطقة الخليج على خلاف الشيخ صقر الذي اغتيل.

فهكذا الأوطان تضم الصالح والطالح.

وليت دولنا من المحيط للخليج امتلكت نموذحا عبقريا فذ يناظره.

فمسيرته وحياته وإخلاصه منحوا الإمارات مكانة فاقت مالم يخطر ببال في أقل من ٢٠ عاما لتصبح واحدة من أهم الكيانات الاقتصادية والحضارية في العالم فعلا.

وليس قولا أو تمني من باب البروباجندا والشهرة والاتجار بالشعوب والاوطان بعدما وضع منهجا كان تأصيلا لنواة ارسي قواعدها منذ زمن بعيد وكانت طيبة وصالحة.

لكن دوام الحال من المحال بعدما تغرب شمس الرجال.

ومن المحزن وليس بالغريب ان السواد الاعظم من شعوب المنطقة لاتعرف الرجل خير المعرفة في الوقت الذي ارتبط إسم الإمارات عند الغالبية ب “آل نهيان”

فالرجل لم يسعى يوما لتصدر أغلفة المجلات والصحف والمؤتمرات ودفع الأموال لفرض سيرته الذاتية سواء صدقا ام كذبا.

ولم يتباهى ويتمادي في إقامة حفلات مزيفة لتحقيق رغبات مريضة ينفق عليها من أموال الشعوب.

فقد كان مشواره رصينا ناجحا لايجنح عندما ادرك منذ البداية ان قدرات بلاده يجب أن تعتمد ولو بشكل مبدئي علي التجارة وجعلها أساس التنمية في ظل نشاط بدأ بطيئا محدودا.

وفي ظل فلسفه وحكمة الإدارة التي ظلت سمته الأساسية والتي تقضي الي ان كيان الدولة منفصل عن كيان السلطة.

السلطة التي يتولاها كحاكم دبي في سبتمبر عام ١٩٥٨ وحتى وفاته في أكتوبر عام ١٩٩٠

وخلال تلك المسيرة كان رمزا للحكمة ومجالس الحق.

عندما تولي رئاسة الوزراء قاد حركة التغيير المدروس العلمي المنقح بالرؤية المستقبلية.

التجارة والاستثمار في الإنسان 

فمع الاهتمام بالتجارة وتشجيع الاستثمار وضع التعليم والصحة على رأس الأولويات إيمانا منه بأن العلم والانسان هما وجهان لعملة واحدة هي التنمية.

ورغم البدايات المتواضعة قبيل وضع اقتصاديات النفط في المقدمة ادرك ان التجارة هي وسيلة الانفتاح الاقتصادى لضمان موارد تؤمن خطته الطموحة.

وكان شديد التدقيق في توجيه تلك الموارد منعا للاهدار العشوائي.

انه لم يكن من حملة المؤهلات العليا لكنه حرص على ان يكون التعليم والثقافة هما النقلة النوعية التي ستضمن نجاح اهدافه.

بن مكتوم سياسي بارع وبارز في المحافل الدولية 

اثقل نفسه بثقافات تتوافق مع الواقع الجديد فضلا عن حكمته المعهودة التي أهلته ان يكون سياسيا بارزا وبارعا في كل المحافل الإقليمية والدولية.

وبعدما بدأت اقتصاديات النفط في النمو عام ١٩٦٦ استغل عوائدها استغلالا تجاريا خالصا ولم يعتبرها أموالا للرفاهية و إضفاء العظمة علي الكرسي.

جهود متوازية  توسعات متعددة 

كرس جهوده في خطوط متوازية مترابطة في مقدمتها توسيع خور دبي وتعميقه وتطويره ليصبح من أفضل الموانئ التجارية في المنطقة.

بجانب التوسع في خلق النهضة من خلال المطارات والطرق وشبكات الكهرباء والتليفونات وحل ازمات الاسكان.

وعقب الانتهاء من ميناء راشد تجلت براعته الفكرية والاقتصادية والتنموية باستدعاء ممثل شركة “هالكرو” وطلب منه الحضور إلى قمة جبل علي فورا.

وهناك أشار الشيخ بيده تجاه الساحل قائلا : هناك أريد إنشاء الميناء.

استغرق الأمر نحو ٤ سنوات للانتهاء كاملا من المشروع الذي كان بمثابة الحلم المذهلة بمنطقة الشرق الأوسط والتي ظلت طويلا تعتمد على بضع موانئ منها ميناء عدن.

ويعتبر محطة وقود عند باب المندب، وميناء جدة الذي يخدم تجارة السعودية و الحجاج، وميناء بيروت “بوابة الشرق” فضلا عن ميناءي بورسعيد الذي تعطل طويلا، والإسكندرية.

أحد أهم المواني العالمية 

أما الآن فقد امتلكت منطقة الشرق الأوسط واحدا من أهم واكبر مواني العالم أهمية وحجما، فبعيدا عن التفاصيل والنقلة التي أحدثها ميناء جبل علي اقليميا ودوليا.

يكفي القول ان هناك نحو ١٠ آلاف شركة عالمية في منطقة جبل علي ليتحول الإنجاز إلي صناعة وتجارة وواجهة للشركات العالمية وليس مجرد ميناء عبور مما انعكس علي كافة الأنشطة بدولة الإمارات.

وبعيدا عن تاريخ الصراعات والخلافات السياسية القديمة والحديثة

فإن الإمارات هي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم واضع أساس التقدم والحضارة والاقتصاد والتعليم في أعوام ربما لاتزيد عن عدد صوابع اليدين ليهدي الخير للمنطقة.

الخير وحده مهما تبدل.. فالأوطان تدوم بالخير والاوفياء وليس بالكراسي!

شارك المقال: