علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: شي جين بينغ يتحدى من داخل البيت الأبيض

عاد شي جين بينغ التأكيد على موقف الصين بشأن "إعادة التوحيد الوطني وسلامة الأراضي" وطالب الولايات المتحدة بالتمسك بما وصفه بالموقف الصحيح في معارضة استقلال تايوان والتعامل مع القضية بحذر.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن مجرد زيارة دولة، ولا مجرد جولة جديدة في حرب التجارة بين أكبر اقتصادين في العالم.

في 24 سبتمبر 2026، وقف الرئيس الصيني داخل البيت الأبيض، إلى جوار الرئيس الأمريكي، وقال جملة تستحق أن تُقرأ ببطء:
“الصين والولايات المتحدة دولتان عظيمتان” وإنهما، باعتبارهما قوتين كبيرتين، تتحملان مسؤولية تاريخية عن دفع تقدم البشرية وتطورها.

هذه ليست لغة دولة صاعدة تطلب مقعدًا على الطاولة.

هذه لغة دولة تقول لمضيفها، من داخل بيته السياسي نفسه:

العالم لم يعد يُدار من واشنطن وحدها.

ليس هذا إعلان حرب، ولا إعلان تحالف، بل إعلان موقع.

شي لم يقل: اسمحوا لنا بالمشاركة.

قال عمليًا: نحن وأنتم مسؤولون معًا.

هذه الجملة، في رأيي، هي أهم ما خرج من الزيارة كلها.

فالولايات المتحدة لم تبدأ علاقتها الحديثة مع الصين باعتبارها قوة مساوية لها، بل باعتبارها دولة ينبغي فتح الباب أمامها وإدخالها تدريجيًا في النظام الدولي، مع استخدامها في الوقت نفسه ورقةً في توازن القوة مع الاتحاد السوفيتي.

منذ أواخر الستينيات، بدأ ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر بناء ذلك الانفتاح بحذر،كانت هناك رسائل واتصالات سرية عبر باكستان

 جاءت دبلوماسية البينج بونج عام 1971 لتمنح التقارب وجهًا علنيًا

إذ دُعي فريق تنس الطاولة الأمريكي إلى الصين، بينما كانت المفاوضات الحقيقية تجري في الخلفية.

في يوليو من العام نفسه ذهب كيسنجر سرًا إلى بكين، ثم قام نيكسون بزيارته التاريخية للصين في فبراير 1972، وانتهت الزيارة ببيان شنغهاي الذي وضع أساس المسار نحو تطبيع العلاقات بين البلدين.

كان الهدف الأمريكي مزدوجًا، قال نيكسون صراحة عام 1971 إنه لا يمكن بناء سلام عالمي مستقر مع إبقاء الصين ومئات الملايين من سكانها خارج المشاركة في النظام الدولي.

كان كيسنجر يرى في الانفتاح على بكين أيضًا أداة لتعديل ميزان القوة في مواجهة موسكو

تظهر الوثائق الأمريكية بوضوح أن إدارة نيكسون أرادت من الحوار مع الصين أن يوفر ثقلًا موازنًا للاتحاد السوفيتي ضمن ما عُرف بالدبلوماسية الثلاثية.

في لحظة نيكسون- كيسنجر، أي في 1971–1972، كانت الصين عملاقًا سكانيًا، لكنها قزم اقتصادي مقارنة بالولايات المتحدة.

في 1971 بلغ الناتج المحلي الصيني نحو 100 مليار دولار، في مقابل نحو 1.165 تريليون دولار للولايات المتحدة، أي إن الاقتصاد الأمريكي كان يقارب 11 إلى 12 ضعف الاقتصاد الصيني بالقيم الاسمية.

كان نصيب الفرد من الناتج في الصين يدور حول 120–130 دولارًا سنويًا فقط.

وبمعنى آخر، عندما ذهب كيسنجر سرًا إلى بكين عام 1971، ثم زار نيكسون الصين في 1972، لم تكن واشنطن تتعامل مع قوة اقتصادية تنافسها.

كانت تتعامل مع دولة نووية، هائلة السكان، ذات وزن جغرافي وسياسي وعسكري كبير، لكنها فقيرة جدًا اقتصاديًا ومعزولة عن الاقتصاد العالمي.

أي إن واشنطن، في لحظة التفوق الأمريكي، فتحت الباب للصين وهي تتصور أنها تستطيع استيعابها داخل بنية دولية تحدد الولايات المتحدة قواعدها الأساسية.

بعد نصف قرن تقريبًا، انعكست الصورة

في 1972 كان الاقتصاد الأمريكي يقارب أحد عشر ضعف حجم الاقتصاد الصيني اسميًا.

 في 2025 فأصبح الناتج الأمريكي نحو 30.8 تريليون دولار مقابل نحو 19.5 تريليون دولار للصين.

أي إن الاقتصاد الأمريكي لم يعد أكبر من الاقتصاد الصيني أحد عشر مرة، بل نحو 1.58 مرة فقط.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة إذا استخدمنا تعادل القوة الشرائية PPP، الذي يقيس حجم السلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد مع تصحيح فروق الأسعار.

ففي 2025 بلغ الاقتصاد الصيني بهذا القياس نحو 41.3 تريليون دولار دولي، مقابل نحو 30.8 تريليون دولار للولايات المتحدة؛ أي إن الاقتصاد الصيني أصبح أكبر بنحو 34% وفق هذا المقياس.

يبقى الناتج الاسمي أكثر أهمية في قضايا مثل التمويل الدولي والقدرة على شراء الأصول والواردات في الأسواق العالمية، بينما يفيد تعادل القوة الشرائية أكثر في قياس الحجم الحقيقي للقاعدة الاقتصادية والإنتاجية الداخلية.

أما السكان، فالصين تضم نحو 1.41 مليار نسمة، مقابل نحو 342 مليونًا في الولايات المتحدة؛ أي أكثر قليلًا من أربعة أمثال السكان.

هكذا، حين ذهب نيكسون إلى بكين، كان الاقتصاد الأمريكي يزيد على الصيني بأكثر من عشرة أمثال، وحين جاء شي إلى البيت الأبيض، كان الاقتصاد الصيني قد أصبح نحو ثلثي الاقتصاد الأمريكي اسميًا، وتجاوزه بقياس القوة الشرائية.

لذلك لم يكن حديث شي عن »دولتين عظيمتين« مجرد مجاملة بروتوكولية، بل تعبيرًا سياسيًا عن تغير هائل في ميزان القوة خلال نصف قرن.

فالرئيس الصيني لم يأتِ إلى البيت الأبيض ليطلب أن يُسمح لبلاده بالدخول إلى النظام، بل وقف في البيت ذاته ليقول إن الصين والولايات المتحدة دولتان عظيمتان تتحملان معًا مسؤولية تاريخية تجاه البشرية.

هنا تكمن المفارقة التاريخية

الصين التي دخلت من باب «دبلوماسية البينج بونج» في عهد نيكسون، عادت بعد خمسة عقود من الباب الرئيسي للبيت الأبيض لتقول للدولة التي فتحت لها الطريق: لم نعد دولة تُدمَج في نظامكم، بل قوة تشارككم في تقرير شكل النظام نفسه.

لم يعد السؤال: كيف تندمج الصين في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة؟

بل أصبح:

كيف تتعامل أمريكا مع عالم أصبحت الصين فيه شريكًا في صياغة قواعده؟

هذا تحول هائل في اللغة وفي ميزان الرموز.

لكن الرسالة الثانية كانت أكثر حدة.
في الملف الأكثر حساسية بين البلدين، لم يأتِ شي بلغة رمادية.

أعاد شي جين بينغ التأكيد على موقف الصين بشأن “إعادة التوحيد الوطني وسلامة الأراضي” وطالب الولايات المتحدة بالتمسك بما وصفه بالموقف الصحيح في معارضة استقلال تايوان والتعامل مع القضية بحذر.

هذه ليست صياغة بروتوكولية عابرة

فحين يقول رئيس الصين ذلك داخل البيت الأبيض، فهو لا يشرح موقفًا معروفًا فقط؛ بل يضع السقف السياسي الصيني أمام الرئيس الأمريكي مباشرة.

الرسالة واضحة:

تايوان ليست ورقة تفاوض عادية، وليست بندًا يمكن تجميده مقابل صفقة تجارية.

إنها، في الرؤية الصينية، جزء من اكتمال الدولة ووحدتها

هنا يصبح معنى الزيارة أكثر وضوحًا:

شي لم يأتِ إلى واشنطن ليعترف بالزعامة الأمريكية، بل ليضع أمامها حدودها الجديدة.

أما الضجيج حول إيران، فلا ينبغي أن يحجب هذه الحقيقة.

البيت الأبيض أعلن أن ترامب وشي اتفقا على أن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وعلى رفض أن تفرض أي دولة أو مؤسسة رسومًا على الممرات المائية الدولية.

لكن هذا لا يمثل، في جوهره، تحولًا صينيًا استراتيجيًا.

الصين أصلًا لا تعلن قبول امتلاك إيران للسلاح النووي، وإيران نفسها تقول رسميًا إنها لا تسعى إلى قنبلة نووية وتصر على حقها في برنامج نووي سلمي.

إذن لا يوجد هنا جديد استراتيجي بالحجم الذي قد توحي به الضجة المصاحبة لهذا البند.

الجديد الحقيقي كان في شكل العلاقة الصينية الأمريكية نفسها.

فشي قال إن التعاون ينبغي أن يكون الأساس، وإن المنافسة يجب أن تبقى »ضمن حدود مناسبة، وإن الخلافات ينبغي أن تُدار، وإن السلام يجب أن يظل ممكنًا.

هذه ليست لغة تابع، وليست لغة خصم يريد إسقاط النظام، إنها لغة ندّ يريد إعادة تعريف النظام.

هذا أكثر تحديًا للهيمنة الأمريكية من خطاب عدائي مباشر.

فالخصم الذي يصرخ ضدك يمكن عزله.

أما القوة التي تقف في بيتك وتقول لك بهدوء:

نحن وأنتم قوتان كبيرتان مسؤولتان عن مستقبل العالم.

فهي لا تطلب إسقاطك، إنها تطالب بمشاركة المكان الذي كنت تشغله وحدك، وهنا تحديدًا تكمن دلالة الزيارة.

منذ نهاية الحرب الباردة، كان البيت الأبيض رمزًا لمركز القرار في نظام اقترب طويلًا من الأحادية القطبية.

أما في 24 سبتمبر 2026، فقد وقف رئيس الصين في هذا المكان نفسه ليعلن، سياسيًا ورمزيًا، أن زمن المركز الواحد حان وقت نهايته.

ثم أضاف الرسالة الثانية:

الصين مستعدة لإدارة العالم معكم، لكنها لن تفاوض على وحدتها.

هذا هو التحدي الحقيقي.

ليس أن الصين أصبحت قوية.

فهذا معروف.

بل أن رئيسها أصبح قادرًا على أن يقول ذلك من داخل البيت الأبيض ذاته.

شارك المقال:

شاركنا برأيك