محمد سعد عبد اللطيف يكتب: مصر ومربع القوة الجديد!
الحديث عن تحالف رباعي يضم مصر إلى السعودية وتركيا وباكستان يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد إضافة دولة إلى ثلاث دول، لأن دخول القاهرة في أي ترتيبات من هذا النوع سيغير طبيعة المعادلة نفسها
السيسي يستقبل محمد بن سلمان في زيارة لمصر
لماذا اختارت القاهرة أن تبقى خارج مثلث السعودية وتركيا وباكستان؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتغير فيها خرائط القوة والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بدأت ملامح تقارب استراتيجي بين السعودية وتركيا وباكستان تتجاوز فكرة التنسيق السياسي التقليدي إلى محاولة بناء مظلة أمنية جديدة تقوم على توزيع عناصر القوة بين ثلاث دول تملك كل منها ورقة مختلفة في معادلة الإقليم.
السعودية تملك الثقل الاقتصادي والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة وموقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية في قلب الخليج والبحر الأحمر.
تركيا تملك الموقع الذي يربط آسيا بأوروبا إلى جانب جيش كبير وصناعة دفاعية متطورة.
بينما تمتلك باكستان عنصرًا لا يمكن تجاهله وهو الردع النووي إلى جانب كتلة بشرية وعسكرية وجغرافية مهمة في جنوب آسيا
لكن السؤال الأكثر أهمية في هذه المعادلة ليس لماذا اقتربت الرياض وأنقرة وإسلام آباد من بعضها فقط، وإنما لماذا بقيت مصر خارج هذا الإطار حتى الآن؟
الإجابة لا ترتبط بضعف الدور المصري كما قد يعتقد البعض، وإنما ربما تعكس طبيعة مختلفة تمامًا في إدارة القاهرة لمصالحها الاستراتيجية
مصر ليست دولة هامشية في هذه المعادلة حتى تكون مطالبة بالانضمام إليها، بل هي دولة تمتلك أوراقًا جغرافية وسياسية تجعلها قادرة على التأثير في أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
فمن يسيطر على قناة السويس يملك إحدى أهم حلقات الاتصال بين الشرق والغرب، ومن يمتلك موقع مصر الجغرافي يطل في الوقت نفسه على البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويقترب من الخليج عبر الممرات البحرية الدولية، ويتصل جغرافيًا بليبيا والسودان وشرق المتوسط
من اليمن إلى البحر الأحمر.. لماذا يزور بن سلمان القاهرة الآن؟
هنا تظهر أهمية الجغرافيا في تفسير الموقف المصري
القاهرة لا تحتاج بالضرورة إلى الدخول في تحالف عسكري مغلق حتى تحصل على نفوذه أو تستفيد من نتائجه، فهي تستطيع أن تتعامل مع أطرافه بصورة منفردة وأن تحتفظ في الوقت نفسه بهامش واسع من الحركة.
هذه ربما تكون إحدى أهم نقاط القوة المصرية
فالتحالفات العسكرية الصلبة تمنح الدولة قوة جماعية لكنها تفرض عليها أيضًا التزامات وحدودًا في اتخاذ القرار، بينما تستطيع الدولة التي تحتفظ بمسافة محسوبة من المحاور أن تتحرك بين الأطراف المختلفة وفق مصالحها المباشرة.
مصر لديها علاقات استراتيجية مع السعودية، وعلاقات متطورة مع تركيا، وتاريخ طويل من التعاون مع باكستان، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وغيرها من القوى الدولية.
بالتالي فإن دخول القاهرة في تحالف عسكري محدد المعالم قد يربك شبكة التوازنات التي بنتها خلال السنوات الماضية
هناك عامل آخر لا يقل أهمية وهو الهند
فالعلاقة المصرية الهندية أصبحت جزءًا من حسابات القاهرة الاقتصادية والاستراتيجية، والهند تنظر بحساسية شديدة إلى أي ترتيبات إقليمية تعزز الدور الباكستاني.
من ثم فإن انضمام مصر إلى صيغة يكون فيها النفوذ الباكستاني أحد أعمدتها الأساسية قد يضع القاهرة أمام معادلة آسيوية معقدة لا تحتاج إليها في الوقت الراهن.
أما على المستوى العسكري فإن مصر لا تنطلق من عقيدة تقوم على انتظار حماية قوة أخرى.
القوات المسلحة المصرية تمثل قوة إقليمية كبيرة لها خبرة طويلة في التعامل مع بيئة استراتيجية شديدة التعقيد، كما أن الموقع المصري يفرض على القاهرة حسابات مختلفة عن حسابات السعودية أو تركيا أو باكستان.
السعودية تنظر بصورة أساسية إلى الخليج وأمن الطاقة والمنشآت الحيوية
تركيا تتحرك في دائرة البحر الأسود وشرق المتوسط وسوريا والعراق وليبيا والقوقاز
باكستان تتحرك في بيئة استراتيجية يطغى عليها الصراع مع الهند وأمن جنوب آسيا
أما مصر فتحسب أمنها من ليبيا إلى السودان ومن البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ومن سيناء إلى قناة السويس.
هذا الاختلاف الجغرافي ينتج اختلافًا في الأولويات العسكرية
لذلك فإن الحديث عن تحالف رباعي يضم مصر إلى السعودية وتركيا وباكستان يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد إضافة دولة إلى ثلاث دول، لأن دخول القاهرة في أي ترتيبات من هذا النوع سيغير طبيعة المعادلة نفسها.
المثلث الحالي يمتلك المال والقوة العسكرية والردع النووي والموقع الجغرافي الممتد من الخليج إلى الأناضول وجنوب آسيا
لكن دخول مصر سيضيف بعدًا جديدًا يتعلق بالبحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط وشمال أفريقيا.
هنا يتحول المثلث إلى مساحة استراتيجية أوسع بكثير
قد تكون هذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل القاهرة أكثر أهمية وهي خارج التحالف وليس داخله.
إيران ستراقب بالتأكيد أي ترتيبات أمنية جديدة في محيطها، وكذلك الكيان الإسرائيلي المحتل الذي ظل لعقود يعتمد على تفوق عسكري نوعي وعلى شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية التي تمنحه هامشًا واسعًا للحركة.
أما قيام منظومة إقليمية جديدة تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وجغرافية مستقلة فقد يفرض إعادة حسابات شاملة لدى جميع الأطراف.
الخطر الحقيقي لا يكمن في إنشاء تحالف جديد بقدر ما يكمن في تحويله إلى منظومة عملياتية مشتركة.
الانتقال من البيانات السياسية إلى التكامل العسكري وتبادل المعلومات والدفاع الجوي والتدريبات المشتركة وتأمين الممرات البحرية والصناعات الدفاعية يمكن أن يصنع واقعًا استراتيجيًا مختلفًا.
في هذه الحالة ستصبح مصر عنصرًا حاسمًا حتى لو بقيت خارج الإطار الرسمي.
لأن أي منظومة أمنية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط لا يمكنها تجاهل الدولة التي تتحكم في قناة السويس وتملك موقعًا استراتيجيًا على البحرين المتوسط والأحمر
من هنا فإن السؤال الأكثر دقة ليس لماذا لم تنضم مصر حتى الآن؟
بل هل تحتاج مصر أصلًا إلى الانضمام؟
ربما تكون الإجابة أن القاهرة قد تفضل انتظار مرحلة أكثر نضجًا، بحيث لا تدخل أي ترتيبات جديدة إلا وفق شروطها ومصالحها وبما يحافظ على استقلال قرارها الاستراتيجي.
هذا يفسر لماذا قد يكون الغياب المصري في هذه المرحلة جزءًا من الحساب وليس خروجًا من الحساب؟
في الجغرافيا السياسية لا تقاس قوة الدولة بعدد التحالفات التي تنضم إليها فقط، وإنما بقدرتها على التأثير في التحالفات وهي تحتفظ بحرية الحركة
مصر تملك هذه الميزة
فإذا تطورت التفاهمات السعودية التركية الباكستانية إلى منظومة أمنية حقيقية، فإن القاهرة ستكون أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها داخل النظام الإقليمي الجديد
قد تدخل وقد تكتفي بالتنسيق وقد تصنع صيغة مختلفة تمامًا
لكن المؤكد أن أي معادلة جديدة في الشرق الأوسط ستظل ناقصة من دون حساب الوزن الجغرافي والسياسي والعسكري لمصر.
فالمثلث قد يكون بداية مرحلة جديدة
أما مصر فقد تكون الدولة التي تحدد شكل المرحلة التالية
المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة معبرا عن رأي الموقع
شاركنا برأيك