علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتب: عمرو موسى.. مسيرة طويلة وحصيلة هزيلة

جاءت خاتمة ولاية عمرو موسى لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية بكارثة غزو ليبيا، لتكون واحدة من أكثر اللحظات السوداوية في تاريخ الجامعة العربية الحديث.

مشاركة:
حجم الخط:

هناك شخصيات تصنع مكانتها بما تنجزه، وأخرى تصنع مكانتها بما تقوله، وبحجم حضورها في المؤتمرات ووسائل الإعلام، وبقدرتها على احتلال المشهد السياسي كلما ظهرت أمام الكاميرات.

عمرو موسى ينتمي، بدرجة كبيرة، إلى النوع الثاني، فقد امتدت مسيرته أكثر من نصف قرن بين وزارة الخارجية والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ثم انتهت به إلى محاولة الوصول إلى رئاسة الجمهورية.

لكن طول المسيرة لا يعني بالضرورة ثقل الحصيلة، وكثرة المناصب لا تعني بالضرورة كثرة الإنجازات. فالمعيار الحقيقي لأي رجل دولة ليس عدد المواقع التي جلس عليها، وإنما ما الذي فعله حين كان القرار بين يديه، وما الذي بقي من أثره بعد أن غادر موقعه.

هنا تبدأ مشكلة عمرو موسى، فكلما اتسع المنصب، اتسعت معه مساحة المسؤولية، لكن الحصيلة ظلت أقل بكثير من حجم الصورة التي صنعتها سنوات طويلة من الحضور الإعلامي والدبلوماسي.

دبلوماسي شاب في دولة عبد الناصر

وُلد عمرو موسى في 3 أكتوبر 1936 بالقاهرة، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية المصرية عام 1958.

بعد عامين، انتقل للعمل في سفارة مصر في برن بسويسرا، حيث أمضى أربع سنوات بين عامي 1960 و1964. ثم عاد إلى القاهرة للعمل في مكتب وزير الخارجية، قبل أن ينتقل في سبتمبر 1968 إلى بعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

سنوات في وزارة الخارجية

في عام 1974 أصبح موسى مستشارًا لدى وزارة الخارجية، ثم تولى عام 1977 منصب مدير إدارة الهيئات الدولية بالوزارة. واستمر في هذا الموقع حتى عام 1981.

ثم عمل نائبًا للمندوب الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 1981 و1983، قبل أن يُعيَّن سفيرًا لمصر لدى الهند عام 1983.

في عام 1990 أصبح مندوبًا دائمًا لمصر لدى الأمم المتحدة.

في 20 مايو 1991، وصل إلى أعلى منصب تنفيذي خلال مسيرته الدبلوماسية، عندما أصبح وزيرًا للخارجية، وظل في المنصب حتى تولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية في 1 يونيو 2001.

كانت تلك السنوات العشر مرحلة شديدة الاضطراب في المنطقة والعالم:

انهيار الاتحاد السوفيتي، وحرب الخليج الثانية، وعملية التسوية العربية الإسرائيلية، والانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتصاعد النفوذ الأمريكي، ثم الطريق الذي انتهى إلى غزو العراق واحتلاله.

هنا انتقل موسى من موقع الدبلوماسي المحترف إلى موقع المسؤول السياسي الذي يفترض أن يُقاس أداؤه بما استطاع أن يفعله، لا بما استطاع أن يقوله.

في مؤتمر مدريد للسلام، الذي انعقد في 30 أكتوبر 1991، كان عمرو موسى وزيرًا للخارجية ورئيسًا للوفد المصري، وظهر بحضور إعلامي قوي وتصريحات لافتة جعلته أحد أبرز وجوه المؤتمر، لكن هذا الحضور لم ينتج عنه إنجاز سياسي مباشر يمكن نسبته إليه شخصيًا.

فمدريد كان بداية لمسار تفاوضي طويل ومعقد، ولم يتحول إلى تسوية شاملة. وكان المؤتمر بذلك نموذجًا مبكرًا للفارق بين ضجيج الحضور وقوة الصورة من ناحية، وبين محدودية الحصيلة السياسية من ناحية أخرى، وهي معادلة ستتكرر في مسيرة عمرو موسى:

كلما ارتفع صوته في المشهد، ظل السؤال الأهم بلا إجابة: أين الإنجاز؟

امتلك عمرو موسى حضورًا جماهيريًا نادرًا بالنسبة إلى وزير خارجية؛ فتصريحاته كانت تتصدر الصحف، وصوته أصبح مألوفًا لدى الجمهور، حتى تحولت صورته الشعبية إلى مادة ثقافية وفنية، واشتهرت أغنية شعبان عبد الرحيم التي حملت اسمه.

لكن الشعبية ليست سياسة خارجية، والقدرة على صناعة الحضور الإعلامي ليست بالضرورة قدرة على صناعة النفوذ السياسي.

الجامعة العربية

حين اتسع المنصب واتسعت المسؤولية

في 1 يونيو 2001، غادر موسى وزارة الخارجية ليتولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية خلفًا لعصمت عبد المجيد.

هنا دخل الاختبار الأصعب؛ فلم يعد مسؤولًا عن دبلوماسية دولة واحدة، وإنما أصبح على رأس المؤسسة العربية التي يفترض أن تمثل الحد الأدنى من التنسيق العربي في لحظات الأزمات الكبرى.

خلال ولايته جاءت أحداث كان يمكن أن تصنع فارقًا تاريخيًا في المنطقة، لكنها تحولت في النهاية إلى اختبارات قاسية لدور الجامعة العربية وقدرتها على الفعل.

فلسطين.. مبادرة مهمة بلا تسوية

في مارس 2002، تبنت القمة العربية في بيروت مبادرة السلام العربية، التي قامت على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية، مقابل السلام والتطبيع مع إسرائيل.

كانت المبادرة محاولة عربية لوضع إطار سياسي واضح للتسوية، لكنها لم تتحول إلى اتفاق نهائي ينهي الصراع.

بقيت القضية الفلسطينية طوال سنوات موسى في الجامعة العربية أسيرة البيانات والمبادرات والقمم، بينما استمرت الوقائع على الأرض في فرض نفسها بقوة أكبر من قدرة النظام العربي على التأثير فيها.

العراق 2003.. الاختبار الذي سقطت فيه بغداد

لكن العراق كان الاختبار الأكثر قسوة.

ففي عام 2003، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تستعدان لغزو العراق، وتحركت الجامعة العربية دبلوماسيًا في محاولة للحيلولة دون الحرب، لكن الغزو وقع، وسقطت بغداد، وانتهى النظام العراقي، ودخل البلد مرحلة الاحتلال، ثم انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد الصراع الداخلي.

كان عمرو موسى أمينًا عامًا للجامعة العربية في تلك اللحظة.

هنا لا يتعلق الأمر بما إذا كان موسى قد امتلك القدرة منفردًا على منع الحرب، فذلك أمر يتجاوز صلاحيات الجامعة العربية وإمكاناتها، وإنما بالسؤال عن حصيلة المؤسسة التي كان يقودها أمام واحدة من أخطر الكوارث العربية في العصر الحديث.

سقطت بغداد، ولم تستطع الجامعة العربية أن تمنع الاحتلال، ثم بقي العراق لسنوات طويلة يدفع ثمن الحرب وتداعياتها.

هكذا تحول العراق من أزمة سياسية إلى اختبار تاريخي لدور النظام العربي كله، وكان موسى في قلب هذا الاختبار بحكم موقعه. وكان يمكنه أن يستقيل بعد أن فشل في حماية العراق من الغزو، وكان يمكنه تسجيل موقف رافض لتخاذل الدول العربية عن منع احتلال العراق، لكنه لم يفعل، وظل في منصبه، وتوالت الكوارث.

لبنان وغزة

لم يكن العراق حادثة منفردة.

في حرب لبنان عام 2006، تعرض لبنان لهجمة إسرائيلية شرسة، ولم يفعل عمرو موسى شيئًا، ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة في نهاية 2008 وبداية 2009، فظلت الجامعة العربية تصدر بيانات الشجب والتنديد، لكن حضورها لم يتحول إلى قدرة حقيقية على وقف الحرب أو تغيير موازينها.

مرة أخرى ظهر الفارق بين الحضور السياسي والقدرة على الفعل.

ليبيا 2011.. القرار الذي فتح الباب للتدخل الدولي

ثم جاءت خاتمة ولاية عمرو موسى لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية بكارثة غزو ليبيا، لتكون واحدة من أكثر اللحظات السوداوية في تاريخ الجامعة العربية الحديث.

في عام 2011، ومع اندلاع الثورة المسلحة في ليبيا، والتي جاءت كغطاء لغزو حلف الناتو لليبيا ونهب مواردها تحت لافتة إسقاط حكم معمر القذافي، نادت جامعة الدول العربية بفرض منطقة حظر جوي، وكان هذا الموقف العربي من العوامل التي دعمت المسار الذي انتهى إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 1973، ثم تحول التدخل الدولي من فرض الحظر الجوي إلى حملة عسكرية واسعة ضد قوات معمر القذافي.

انتهى الأمر بسقوط نظام القذافي، ثم دخلت ليبيا مرحلة طويلة من الانقسام والصراع المسلح والفوضى والتدخلات الخارجية.
كان عمرو موسى على رأس المؤسسة العربية التي اتخذت ذلك الموقف في لحظة مفصلية، ولذلك يبقى الموقف جزءًا أساسيًا من سجل ولايته.

كان العراق أول اختبار كبير لولاية موسى، وكانت ليبيا آخر اختبار كبير لها؛ وبين سقوط بغداد وسقوط نظام القذافي تبدو المسافة بين الحضور العربي والقدرة العربية على الفعل شديدة الوضوح، ومتجسدة في عمرو موسى.

من الجامعة العربية إلى الانتخابات الرئاسية

انتهت ولاية موسى في الجامعة العربية في 1 يوليو 2011.

مع سقوط نظام مبارك في 11 فبراير 2011، دخل الرجل مرحلة مختلفة تمامًا؛ انتقل من موقع رجل الدولة والدبلوماسي إلى موقع السياسي الذي يسعى إلى الحصول على ثقة الناخبين.

في عام 2012، خاض انتخابات رئاسة الجمهورية.

هنا أصبح الاختبار أكثر مباشرة: لم يعد الأمر متعلقًا بتقييم دبلوماسي أو سياسي، وإنما بصندوق اقتراع يمنح الأصوات لمن يراه الناخبون أهلًا للحكم.

2012.. حين اصطدمت الشهرة بصندوق الاقتراع

حصل عمرو موسى على 2,588,850 صوتًا من إجمالي 23,265,516 صوتًا صحيحًا، وحل خامسًا، بعد حمدين صباحي الذي حل ثالثًا، وعبد المنعم أبو الفتوح الذي حل رابعًا، بينما انتقل محمد مرسي وأحمد شفيق إلى جولة الإعادة.

كانت النتيجة لافتة؛ فالرجل الذي أمضى عقودًا في مواقع شديدة الأهمية، والذي امتلك حضورًا إعلاميًا واسعًا، لم يستطع الوصول إلى جولة الإعادة.

هكذا انتقل موسى من اختبار الدولة والمؤسسات إلى اختبار الجماهير، وكانت النتيجة مختلفة تمامًا عن الصورة التي صنعتها سنوات الظهور السياسي.

لجنة الخمسين.. المنصب الأخير

في عام 2013، وبعد ثورة 30 يونيو، تولى موسى رئاسة لجنة الخمسين التي أعدت دستور 2014.

كان ذلك آخر المناصب العامة الكبيرة في مسيرته، بعد رحلة طويلة انتقل خلالها من السلك الدبلوماسي إلى وزارة الخارجية، ومن الأمم المتحدة إلى جامعة الدول العربية، ثم إلى محاولة الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وأخيرًا إلى رئاسة لجنة الخمسين.

بعد كل هذه الرحلة، لم يعد السؤال متعلقًا بعدد المناصب التي شغلها، وإنما بما إذا كانت هذه المناصب قد صنعت فارقًا حقيقيًا في القضايا الكبرى التي مرت أمامه.

مذكراته.. عندما يكتب رجل الدولة حسابه مع التاريخ

في عام 2017، صدر الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى بعنوان «كتابيه: النشأة وسنوات الدبلوماسية» عن دار الشروق، في أكثر من 650 صفحة، وشارك خالد أبو بكر في تحريره وتوثيقه.

تكتسب المذكرات أهميتها من كونها شهادة رجل عاش داخل دوائر القرار المصرية والعربية لعقود، لكنها في الوقت نفسه تكشف جانبًا من الطريقة التي ينظر بها موسى إلى الشخصيات والأحداث التي عاصرها.

من اللافت ما أورده عن الرئيس جمال عبد الناصر

وما يتعلق بفترة عمله في سويسرا، وما كتبه حول قيام السفارة المصرية بسويسرا باستيراد طعام الرئيس عبد الناصر، ووجود شخص مكلف بإرسال هذا الطعام إلى عبد الناصر في القاهرة!

قد نفى سامي شرف هذه الرواية، موضحًا أن ما كان يأتي من الخارج يتعلق بالأدوية، كما أن أطباء عبد الناصر، ومن بينهم الدكتور منصور فايز والدكتور الصاوي حبيب، لم يذكروا في مذكراتهم، التي نشروها قبل إصدار موسى لمذكراته، أي شيء عن استيراد طعام خاص لعبد الناصر، بل ذكروا أن طعامه كان بسيطًا جدًا، وأنه لم يكن صاحب مزاج خاص في الطعام.

لكن الأكثر غرابة أن موقف موسى من عبد الناصر لم يتوقف عند تقييم التجربة السياسية، وإنما امتد في مذكراته إلى قراءة شديدة الخصوصية للأعمال الفنية.

في حديثه عن فيلم «أبي فوق الشجرة» لعبد الحليم حافظ، وأغنيته الشهيرة «جانا الهوى»، يورد موسى أن عبارة «واللي شبكنا يخلصنا» في الأغنية كانت إسقاطًا على جمال عبد الناصر؛ أي أن عبد الناصر، الذي أوقع المصريين في هزيمة 1967، عليه أن يخلصهم من آثارها.

هذا التأويل يثير الدهشة؛ لأن فيلم «أبي فوق الشجرة» فيلم غنائي رومانسي، تدور أحداثه في إطار عاطفي، وتمتلئ مشاهده بالأغاني والرقص والمشاهد العاطفية الساخنة، ولا يبدو في سياقه ما يجعل تحويل إحدى أغنياته إلى رسالة سياسية مضمرة عن عبد الناصر أمرًا بديهيًا.

في مقابلة نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» في مايو 2025، قال عمرو موسى إنه «توقف عن الإيمان بعبد الناصر» صباح 5 يونيو 1967، ووصفه بالديكتاتور.

أما الجزء الثاني من مذكراته، فقد تناول سنواته في جامعة الدول العربية، وجاء في نحو 574 صفحة موزعة على 19 فصلًا، ليقدم روايته الخاصة عن واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ المنطقة العربية.

لكن المذكرات، مهما كانت قيمتها كشهادة شخصية، لا تستطيع أن تغير النتائج التي صنعتها الأحداث.

نصف قرن من المناصب.. وحصيلة أقل من الصورة

على امتداد أكثر من نصف قرن، تنقّل عمرو موسى بين مواقع بالغة الأهمية، من السلك الدبلوماسي ووزارة الخارجية إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ثم إلى سباق الرئاسة ولجنة الخمسين.

لكن حين يسقط الاستعراض الإعلامي وتبقى الوقائع، تبدو الحصيلة أكثر قسوة: بغداد سقطت تحت الاحتلال وهو أمين عام للجامعة، وفي ليبيا أسهم الموقف الذي تبنته الجامعة العربية في منح التدخل الدولي غطاءً عربيًا، ومهّد لقرار مجلس الأمن 1973، قبل أن يتحول «حظر الطيران» إلى حرب أسقطت نظام القذافي ودفعت ليبيا إلى سنوات من الانقسام والصراع.

ثم جاء صندوق الاقتراع ليكشف الفارق بين صناعة الصورة وصناعة التأثير، فكل هذا الحضور، وكل هذه المناصب، وكل هذه الضوضاء الإعلامية، لم تنتهِ إلى رئاسة الجمهورية.

وهكذا، عندما تُقاس المسيرة بما تركته من نتائج، لا بما صنعته من ضجيج، يبقى السؤال الأكثر إيلامًا:

ماذا أنجز عمرو موسى فعلًا، بعيدًا عن الميكروفونات والكاميرات؟

يمكن تلخيص مسيرة عمرو موسى في جملة واحدة:

جعجعة بلا طحن.

شارك المقال:

شاركنا برأيك