محمد فرحات يحاور يوسف إدريس في العالم الآخر (2-2)
قال الشعراوي: انت كنت شديدًا عليَّ. رد إدريس: وأنت روجت لأفكار لم أقتنع بها. قال الشعراوي: واختلفنا، لكن أنا مكنتش عارف إن كلامي هيكون سبب لكل إللي حصل ده…كانت نيتي طيبة قال إدريس: عارف، لكن دية نهاية دخول الدين في السياسة…
يوسف إدريس أحد علامات القص المصري في حوار صحفي
في الجزء الأول، هربت من شرطة العالم الآخر، لأجد يوسف إدريس في خناقة مع توفيق الحكيم، قبل أن يتحول الحوار إلى رحلة في ذاكرة الأدب والسياسة.
من مظاهرات 1951 واعتقالات 1954 إلى «أرخص ليالي»، ومن طه حسين إلى لقاء الزعيم ناصر.
الآن نستأنف الحوار …
محمد فرحات يحاور يوسف إدريس في العالم الآخر (1-2)
ماذا عن «العسكري الأسود»؟
ساد الصمت.
— كانت انتقاد للاستبداد السياسي وانتشار موجة الاعتقالات والتعذيب في عهد ناصر.
— لكن المرة دية ماكنتش خناقة مع شخص.
— مع مين إذن؟
— مع نظام كامل.
— طبعا..
قلت: وبعدها بيان توفيق الحكيم سنة ١٩٧١ بشأن اللاسلم واللاحرب، وتضامن مع الحركة الشعبية ضد التباطؤ في خوض حرب الكرامة.
:نعم.
: البيان الذي وقعه أكثر من مائة أديب ومفكر.
: ودفعتَ ثمنه.
: طبعا فصلني السادات من الاتحاد الاشتراكي المالك الاعتباري للصحف وقتها، واتمنعت من الكتابة في الصحافة، ونقلني أنا ونجيب محفوظ للهيئة العامة للاستعلامات.
: كنتوا محظوظين يا دكتور غيركوا من المائة مثقف إللي وقع على بيان الحكيم انتقلوا وزارة التموين وهيئة الصرف الصحي!!
(ضحك)
: لكن الحكيم من تزعم البيان وسمي باسمه كان أكثر حظا.
يظهر الحكيم: يا يوسف ارحمني بقى، كنت اعمل إيه السادات كان هيحبسني، وهيكل خدني معاه مؤسسة الأهرام ودبرلي لقاء مع السادات واتصلحنا، يا أخي ده الصلح خير!!
: تقوم مسمي السادات رأس الحكمة يا توفيق!!
: أنا مش أد الحبس يا يوسف أنا كنت راجل كبير.
: يعني زي ما قال عليك السادات.
: قال إيه؟
: قال عليك راجل بتخرف.
: يا سيدي لقب خرِف أحسن من لقب معتقل، أنا راجل مفكر وكاتب مليش في قصة النضال بتاعتك دية يا إدريس.
: خلاص يا حكيم تعالى أشرب معانا كاس.
: ببلاش ولا هتطلب تمنه؟!
نضحك ويضحك الحكيم …بعد انتهاء هستيريا الضحك التي أثارها الحكيم سألت إدريس.
: أنا ملاحظ حاجة غريبة يا دكتور
: إيه؟!
: كل إللي اتكلمنا عنهم حضروا إلا السادات…إيه تفسير ده؟
: لا، السادات في السجن مع حزب يهوذا الخائن وكل خونة التاريخ.
: طيب ما هو توفيق الحكيم خان بطريقة أو بأخرى.
: الحكيم كان راجل طيب ومسكين وكان عاوز يعيش ويكتب، خيانته كانت نوع من أنواع التكيف ومحاولة السير في حقل ألغام.
كمان خيانته لو نظرنا إليها كخيانة مضرتش بحد أد ماضرت تاريخ الحكيم نفسه، لكن السادات خان طبقته كلها.
خان الطبقة إللي اتولد واتربي وعاش وكل من خيرها، بعكس عبد الناصر إللي حكم سبعتاشر سنة ماحدش عن انتمائه الطبقي وولائه ووفائه لطبقته وحتى وفائه لكل من خانوه بعد ذلك.
أخطاء ناصر أخطاء تقدير واجتهاد ماكنتش أخطاء لؤم ومكر وسوء طوية، كانت أخطاء بطل تراجيدي زي اللي اتكلم عنها أرسطو، أخطاء زي أخطاء أوديب وهاملت ولير.
: وعلشان كده بتحب ناصر
: أد كراهيتي ليهوذا…لكن ده مامنعنيش إني أنقد كل سياسات ناصر الخاطئة إللي أدت لكوارث.
: ننتقل إلى خناقة أخرى.
: مع مين؟
: الشعراوي.
أخذ إدريس نفسًا طويلًا.
: آه.
: «فقر الفكر وفكر الفقر».
: نعم.
: و«راسبوتين الإسلام»
: الشعراوي كان المروج الشعبي لكل ما جلبه السادات من ثقافة ودين وحياة، رأسمالية ريعية قذرة قائمة على الاستهلاك والتهريب وضرب قيم العدالة الاجتماعية والإنتاج والتصنيع والاعتماد على النفس، الشعراوي وغيره سبب النكسة الأخلاقية والتدين الشكلي.
: ولكن اعتذرت.
: نعم، اعتذار لتجريحي الشخصي للشيخ مش علشان موقفي الفكري منه.
: لكن اعتذارك نفسه كان له طعم الخناقة.
ضحك.
فجأة انفتح الباب.
دخل الشيخ الشعراوي.
قال:
: يا يوسف.
: أنا هسيبكم.
: اقعد.
قال الشعراوي: انت كنت شديدًا عليَّ.
رد إدريس: وأنت روجت لأفكار لم أقتنع بها.
قال الشعراوي: واختلفنا، لكن أنا مكنتش عارف إن كلامي هيكون سبب لكل إللي حصل ده…كانت نيتي طيبة
قال إدريس: عارف، لكن دية نهاية دخول الدين في السياسة…
قال الشعراوي: أهل السياسة استغلوا الدين ورجاله، ومعظم رجال الدين كانوا مطية لأهل السياسة، لكن كل شيء انتهى، بدون خناقة!!
ابتسم إدريس: خلاص يا مولانا، إحنا على الضفة الأخرى من الحياة.
ضحك الشعراوي، ثم خرج
قلت: نأتي إلى السينما.
: آه… هنا بقى ندخل في الجرح.
: الحرام 1965
: هنري بركات.
: نعم.
: فاتن حمامة.
: نعم.
: هل كنت راضيًا؟
— كان فيلم الحرام من أفضل الاقتباسات عن روايتي..
: العيب 1967
: تجربة أخرى.
: حادثة شرف 1971
: تجربة فيها شد وجذب.
: قاع المدينة 1974
: كذلك.
: النداهة 1975
: فيلم مهم.
: لكن مشكلتك الأساسية مع السينما لم تكن في تحويل النص نفسه.
الفرافير.. المعركة التي كشفت صراع الكاتب والمخرج
المشكلة فيمن يملك النص بعد أن يتحول إلى فيلم.
: الكاتب؟
: والمخرج؟!
: وهنا جاءت الفرافير
: دي مسرح مش سينما.
: لكن نفس المشكلة.
: ابتسم.
: صحيح.
: كرم مطاوع.
: والخلاف حول النص.
: أنا كنت أرى أن المخرج لا يملك أن يتصرف في النص كما يشاء.
: ووصل الأمر إلى المحكمة.
: نعم.
صوت من خارج الباب: يا يوسف!
صرخ إدريس: كرم!
دخل كرم مطاوع.
قال: أنا كنت بعمل مسرح.
: وأنا كنت بكتب مسرح.
: نصك مجرد ورق، لكن أنا بنفخ الروح في الورق فيكون حركة وآداء وموسيقى …النص المسرحي خلق ليشخص على خشبة المسرح.
: لكنك في “الفرافير” قتلت النص مش نفخت فيه الروح.
: أنا لم أقتل النص.
: أنا خلقت نص مرئي موازٍ لنصك المكتوب، أنا كتبت لنصك الخلود، وكان من أنجح العروض المسرحية، تقوم تتخانق معايا وتجرجرني في المحاكم، دي أخرتها يا إدريس؟!
: خلاص يا كرم متزعلش.
ضحك كرم، وارتد لصباه على صورة الشيخ سيد درويش.
ثم خرج.
«حدوتة مصرية».. فكرة يوسف إدريس ورؤية يوسف شاهين
قلت: لكن كل هذه الخناقات كانت ستبدو بسيطة أمام خناقتك مع يوسف شاهين.
هنا تغير وجه إدريس.
: يوسف شاهين.
: «حدوتة مصرية».
: 1982.
: ماذا حدث؟
: كنا بنشتغل على مشروع.
: الفكرة مرتبطة بتجربتك مع المرض وجراحة القلب المفتوح إللي عملهالك البروفيسور السير مجدي يعقوب؟
: نعم.
: ثم أراد شاهين أن يصنع منها فيلمًا بطريقته.
: وكان هذا حقه.
: لكنك اختلفت معه.
: بس حضرتك يا دكتور مكنتش بتختلف على نص لأن ماكنش فيه نص من الأصل.
: حقيقي هي كانت فضفضة أو حكاية شفوية، أو مشروع لقصة من جانبي وفيلم من ناحية يوسف شاهين…لكن شعرت أن المسألة خرجت من حدود التعاون إلى حدود ملكية الفكرة والمعالجة.
: لكن يوسف شاهين عمل فيلم ناجح جدا نقديا وجماهيريا واحتل المركز ال 84 من أحسن 100فيلم مصري..
: يوسف شاهين عبقري لا ينكر عاقل ذلك.
: وحضرتك يا دكتور أيضا عبقري، ويمكن ده أصل الخلاف كلاكما يملك رؤية فنية عبقرية غير مسبوقة، لكن كيف انتهى الخلاف.
: أبدًا كتبنا على التتر”رؤية سينمائية وسيناريو: يوسف شاهين، عن فكرة: يوسف إدريس”
: لكن يا دكتور، هل كنت صعبًا في التعاون؟
نظر إليّ: جدًا.
: لماذا؟
: لأنني كنت أصدق أن النص ابني.
: والمخرج؟
: ممكن يتبنى ابني، لكن ما يغيرش اسمه ويدعي أبوته له!
ضحكت، فضحك هو الآخر.
: وهذا يقودنا إلى نجيب محفوظ.
فورًا نظر إليّ.
: تاني؟
: لازم.
: طيب قوم صبلنا كاسين وهات الطبقين اللي عندك دول.
: كافيار يا دكتور، كنا بنسمع عنه بس هناك.
: هنا كل إللي انحرمنا منه متاح…
: طيب نرجع لمحفوظ واحنا بنشرب وبناكل.
— يا أخي ما تسيب الراجل يعيش في سلام؟
: 13 أكتوبر 1988.
صمت
: نوبل.
: اليوم الذي أعلنت فيه الأكاديمية السويدية فوز نجيب محفوظ.
: وكنتَ مرشحًا.
: نعم.
: وغضبت.
: كنت إنسانًا.
: وقيل إنك هاجمت نجيب، ووقفت في بهو مؤسسة الأهرام وزعقت، وحلفت إنك هتضربه، لولا تدخل الأستاذ هيكل وتلطيف الأمور بينكما.
: وأنا نفيت.
: في خطاب3يناير 1989
: نعم.
: مقال الأهرام «هناك محاولة لتشويهي أمام الرأي العام»
: صحيح.
: لكنك كنت مجروحًا.
— طبعًا.
ثم نظر إلى الأرض.
— عارف أصعب شيء على الكاتب؟
— إيه؟
— أن يرى شيئًا يعتقد أنه يستحقه يذهب إلى شخص يحبه.
— وهذه ليست كراهية.
— لا.
— غيرة؟
— ربما.
— ألم تتصالحا؟
ابتسم.
— نحن لم نكن متخاصمين كما تصور الصحف.
— ونجيب نفسه قال إنك كنت تتفوق عليه أحيانًا في القصة القصيرة.
رفع كأسه.
— عشان كده أنا بحبه.
وفجأة سمعنا صوتًا من الخارج:
— يوسف!
— نجيب!
دخل نجيب محفوظ.
نظر إلى إدريس.
— لسه بتتكلم عني؟
— ده محمد اللي مصرّ.
نظر محفوظ إليّ.
— قلت له إيه؟
— قلت له إنك قلت إن الحوار معاه هيكون أفضل.
— كداب.
— يا أستاذ نجيب!
ضحك.
— سيبه يا يوسف. الراجل هربان من الشرطة.
— أنا عارف.
— وبعدين؟
— وبعدين هنخليه يكتب.
— عن إيه؟
— عن الخناقات.
— دي مش خناقات..
التفت إليه إدريس.
— أمال إيه؟
قال محفوظ:
— خلافات.
ضحك إدريس.
— انت حتى وانت ميت بتحب الكلام المهذب.
— وانت حتى وانت ميت بتحب الخناقات.
قلتُ:
— بس انتوا أحياء مش أموات…أحياء بصورة تانية جميلة ونبيلة…
لم يلتفتا إلى كلامي ليستمر الحوار بينهما…
رد إدريس على محفوظ:
— وأنا ما زلت أحبك.
— وأنا أيضًا.
ثم خرج.
ظل إدريس ينظر إلى الباب يراقب خطوات نجيب بعين حانية امتلئت بالدموع…
قلت:
— دكتور يوسف؟
— نعم؟
— هل نجيب محفوظ كان خصمك؟
— لا.
— منافسك؟
— أحيانًا.
— صديقك؟
— دائمًا.
— إذن على ماذا كانت خناقة نوبل؟
— خناقة الإنسان مع نفسه.
ثم صب لنفسه كأسًا جديدًا.
قلت:
— والرئيس مبارك؟
تنهد.
— أنت جايب كل البلاوي؟
— اتهام الخمسة آلاف دولار؟
— نعم.
— والقذافي؟
— نعم.
— و«البحث عن السادات»؟
— نعم.
— و«أتظلمُ منك وإليك»؟
— نعم.
— هذه لم تكن خناقة. كانت دفاعًا عن الكرامة.
— هل كنت ترى أن الرئيس أخطأ؟
— الرئيس أخطأ حين مسّ اسمي باتهام باطل.
ثم سكت.
وقال:
— الكاتب يمكن أن يموت فقيرًا.
ثم رفع عينيه إليّ.
— لكن لا يموت كاذبًا.
سكتُّ.
وكانت ابتسامته قد اختفت، ثم عاد إليها بعد لحظة.
أخذ رشفة من كأسه.
وقال:
— طيب، كفاية نكد.
— لماذا؟
— عايز أنا أسألك سؤال.
— اتفضل.
— انت هتكتب إيه عني؟
— سيرة الخناقات.
— لا.
— أمال؟
— اكتب سيرة رجل كان يخاصم لأنه كان يحب.
— يحب إيه؟
— الأدب.
ثم ابتسم.
— والناس.
— والحرية.
— وأحيانًا نفسه.
ضحكت.
فقال:
— بس ما تكتبش إني كنت خناقاتي.
— واكتب إيه؟
— سريع الغضب.
— سريع الانطفاء؟
— بالضبط.
— لكن ماذا عن كل هؤلاء الذين تخاصمت معهم؟
— توفيق الحكيم؟
— نعم.
— أحبه.
— كرم مطاوع؟
— أحترمه.
— يوسف شاهين؟
— عبقري.
— الشعراوي؟
— اختلفت معه.
— مبارك؟
— اختلفت معه.
— نجيب؟
ابتسم.
— نجيب صاحبي.
— طب وأنا؟
— أنت اكتب.
— والشرطة؟
نظر إليّ.
— الشرطة وصلت.
وفي اللحظة نفسها دوى طرق شديد على الباب.
نظرنا إلى بعضنا.
قال إدريس:
— اجري!
— وانت؟
ابتسم.
— أنا؟
ثم أمسك زجاجة النبيذ بيده.
— أنا هاشغلهم.
فتح الباب.
كانت شرطة العالم الآخر تقف في الخارج.
صرخ إدريس:
— مين فيكم عنده تصريح دخول؟
تلعثم رئيس الشرطة.
قال إدريس:
— أمال داخلين ليه؟
— بندور على محمد فرحات.
— محمد مين؟
صرخ الضابط:
— الصحفي!
— هنا مفيش صحفيين.
ثم أغلق الباب في وجوههم.
التفت إليّ.
— اجري يا محمد.
— إلى أين؟
— مش عارف.
— وانت؟
— أنا هفضل هنا.
— ليه؟
ابتسم.
— مستني الخناقة الجاية.
خرجت من الباب السري، وأنا أركض في أزقة العالم الآخر، سمعت خلفي صوت توفيق الحكيم:
: أعقل يا يوسف!
ثم صوت إدريس:
أعقل إيه يا توفيق، حياد يا راجل؟!
ثم ضحكات.
شاركنا برأيك