مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: ترامب والشجرة الصينية

يمكن قراءة مشهد «الشجرة الصينية» بوصفه تذكيرًا بأن الزمن الحضاري أوسع من الزمن السياسي، وأن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة آنية، بل بما استطاعت أن تبنيه وتحافظ عليه عبر التاريخ.

مشاركة:
حجم الخط:

خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في مايو/أيار 2026، اصطحبه الرئيس الصيني شي جين بينغ في جولة نادرة داخل حدائق «تشونغنانهاي»؛ المجمع التاريخي المغلق الذي يضم مقر القيادة السياسية الصينية في بكين.

وبين الممرات القديمة والأشجار المعمّرة،

أشار شي إلى أن بعض الأشجار في المكان يعود عمرها إلى مئات السنين، بينما اقترب عمر بعضها من ألف عام.

بدا المشهد في ظاهره تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، لكنه حمل – في رمزيته الهادئة – ما هو أبعد من المجاملة الدبلوماسية.

فليست السياسة دائمًا ما يُقال في المؤتمرات والخطب الرسمية، بل كثيرًا ما تُقال عبر الإشارات الصامتة.

ومن هذا النوع يمكن قراءة مشهد «الشجرة الصينية» بوصفه تذكيرًا بأن الزمن الحضاري أوسع من الزمن السياسي، وأن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة آنية، بل بما استطاعت أن تبنيه وتحافظ عليه عبر التاريخ.

د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند

د. محمد الغمري يقدم لنا: سلسلة لعلهم يفكرون(1)

عناف الشجرة المعمّرة ليست مجرد كائن طبيعي عاش طويلًا

بل رمز للاستمرارية والتجذر والقدرة على البقاء.

وحين تقف دولة حديثة نسبيًا أمام حضارة راكمت خبراتها عبر آلاف السنين، فإن المقارنة لا تكون بين اقتصادين أو قوتين سياسيتين فحسب، بل بين تصورين مختلفين لمعنى التاريخ ذاته: تصور يرى القوة في الهيمنة السريعة، وآخر يدرك أن الرسوخ الحقيقي يُقاس بعمق الجذور وبالقدرة على عبور التحولات والانقطاعات الكبرى.

وقد وقعت قوى كثيرة عبر التاريخ في وهم اعتبار تفوقها اللحظي نهاية للتاريخ وبداية لعصر دائم الهيمنة.

توهمت أثينا وروما، ثم إمبراطوريات الاستعمار الحديث، أن القوة قادرة على تثبيت العالم في صورتها الخاصة، لكن التاريخ كان أكثر اتساعًا من أوهام الهيمنة العابرة.

فالحضارات التي تنظر إلى نفسها باعتبارها نهاية التاريخ كثيرًا ما تبدأ، من حيث لا تشعر، مرحلة أفولها البطيء.

فالإمبراطوريات تصعد وتهبط، والقوى الكبرى تتمدد ثم تنكمش، بينما تبقى الحضارات العميقة قادرة – بدرجات متفاوتة – على إعادة إنتاج ذاتها حتى بعد فترات طويلة من التعثر والانكسار.

فالصين نفسها عرفت الاحتلال والانقسام والحروب الأهلية قبل أن تستعيد مكانتها، ومصر تجاوزت غزوات وإمبراطوريات متعاقبة وبقيت حاضرة في التاريخ، كما استطاعت شعوب كثيرة في المنطقة العربية والإسلامية الحفاظ على حد أدنى من الاستمرار الحضاري رغم قرون الاضطراب والتراجع. فالقوة قد تصنع الهيمنة، لكن الزمن وحده يصنع الحضارة.

ومن هنا تبدو إحدى مشكلات القراءة الأمريكية الحديثة للعالم

أنها تتعامل مع الشعوب والحضارات بوصفها ملفات سياسية قابلة للإدارة والإخضاع وفق موازين القوة المباشرة، متناسية أن المجال الحضاري لا يُختزل في الأنظمة الحاكمة وحدها، ولا في لحظة الضعف الراهنة.

فالتاريخ لا يتحرك بخط مستقيم، بل بمنطق التداول والتحول وإعادة التشكل. ولهذا تحمل المجالات الحضارية الكبرى – ومنها المجال العربي والإسلامي – ذاكرة تاريخية ممتدة، وتجارب متراكمة في مقاومة الغزو والاحتواء واستعادة التوازن بعد الأزمات.

إن مصر، وبلاد الرافدين، واليمن، وبلاد الشام، ليست مجرد خرائط سياسية طارئة، بل طبقات حضارية تراكمت عبر قرون طويلة من البناء والصراع والانقطاع والاستعادة.

ولهذا فإن قراءة هذه الشعوب بمنطق «المفعول به» فقط تكشف قصورًا في فهم طبيعة التاريخ نفسه؛ لأن الأمم التي استطاعت البقاء عبر آلاف السنين لا يمكن اختزالها في لحظة ضعف سياسي عابر.

ولا يعني هذا أن الحضارات القديمة تمتلك حصانة مطلقة ضد التراجع،

فالتاريخ لا يعرف خلودًا سياسيًا دائمًا، لكنه يكشف أن بعض الأمم تمتلك قدرة خاصة على العبور التاريخي الطويل، وعلى استعادة فاعليتها الحضارية حين تتغير الشروط وتتجدد القدرة على البناء.

وربما كانت «الشجرة الصينية» – في رمزيتها الهادئة – تقول شيئًا من هذا كله: إن الأمم لا تُهزم حين تخسر جولة سياسية، بل حين تفقد قدرتها على استعادة ذاتها التاريخية.

أما الشجرة التي عاشت ألف عام، فهي تعرف ما لا تدركه السياسة العابرة: أن الزمن أطول من الإمبراطوريات وأبقى من ضجيج القوة.

شارك المقال: