سامح حسنين يكتب: وللشهداء أجنحة
لم أتعلم لغة الطير لكن في الانفرادي صادقت النمل والعصافير التي كنت أسمعها تغني لكنه كان غناء أشبه بالنواح.

صورة تعبيرية للمقال
لا أمتلك الحقيقة المطلقة
ولا علم الخضر اللدني، لكني أقسم أني رأيت الحسين يبكي ليلة الثامن والعشرين من سبتمبر لحظة قصفوا السيد حسن بثلاثة وثلاثين طناً من المتفجرات.
رأيت دم الحسين يسيل إلى جوار دمه، لا أملك عصا موسى ولا توكأت عليها ولا هششت بها على غنمي، ولا ضربت بها الحجر لتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا.
لكني رأيت عصا السنوار يضرب بها المسّيرة
وقد ربط ذراعه بسلك ليوقف النزيف، فانفجرت منها آلاف النفوس الأبية والأنوف الحمية.
لم أسر فوق البحيرة مع المسيح ولا أحييت الموتى، لكنى رأيت المقاتلين كلما سقط منهم شهيد أحيا شهيد.
في المسافة الفاصلة بين رأسي والرصاصة رأيت صورة جمال عبد الناصر فقرأت برواية ابن كثير ” وكآئن من نبي قُتِل معه ربيون”
لحظة اختراق الرصاصة رأسي نظرت إلى من أطلقها لم يكن سواه الذي دومًا قابلني بابتسامة في الوجه وحمل لي خنجرًا في القلب ولكل نبي يهوذا ولكل مدينة ريحابها العاهرة تفتح أبوابها لجنود العدو!
في سجن الكوفة مع ابن عفيف أتاني صوت ميثم التمار وهو يواجه ابن مرجانه ” إن من صفات أبناء الزنا والحرام أن يُحقّروا خصومهم الكرام”.
في الغدير واليت علي” من كنت مولاه فهذا علي مولاه” وسرت ليلًا في جنازة الزهراء.
في صفين واجهت ابن النابغة ولعنت قتلة عمار ” يا عمار تقتلك الفئة الباغية”
تذكرت رأس مالك ابن نويرة وهي تُغلى في قدر، اجتهدوا وأصابوا رأس مالك!!
كنت مع عبد الحميد السراج لحظة فجرّنا خط التابلاين وهربت معه من سجن المزة.
ولعنت دين الغاشمي وصالح وهما يطلقان الرصاص على الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.
سامح حسنين يكتب: لتكن في المعركة ولو كنت وحدك
سامح حسنين يكتب: منك لله يا عبد الناصر !
بكيت مع المشير الجمسي في مفاوضات الكيلو 101
ورفضت كتابة اعتذار مع محمد فايق في سجن الملحق وأدرت ظهري للسادات في القدس.
ولعنت كامب ديفيد مع محمد إبراهيم كامل في السلام الضائع.
وزاملت هيكل في خريف الغضب وشاهدت موت عبد العظيم أبو العطا.
كنت في طائرة أحمد بدوي لكن عمود النور كان بريئًا من دمنا
لكني تابعت مسيرة قائد الطائرة سمير غيث الذي نجا، وشاهدت عاطف زخاري يطلق عليه الرصاص بعد شهر من هروبه من قاعة المحكمة!
في صفقة اليمامة لعنت الذهب الأسود ولعنت عدنان خاشقجي ورفيقه في مدرسة فيكتوريا كمال أدهم.
وحملت السلاح مع الساندينستا في نيكاراجوا في مواجهة عصابات الكونترا المدعومة أميركيا بأموال نفط بن الكعبة.
لم أستقم كما أمرت لكني لم أشهد الزور ولم أعبد الله على حرف ولم أترك حاكمًا جائرًا إلاّ لعنته.

لم أتسبب في بكاء إنسان ولا حيوان
لكني لم أفرط في بكاء ولا خارت قواي في سجن رغم أني يومًا كنت أبحث عن قطعة كرتون لي ولصديقي كرم نضعها تحت ظهورنا من وجع بلاط الزنزانة.
لم أوت ملك سليمان
ولم أتعلم لغة الطير لكن في الانفرادي صادقت النمل والعصافير التي كنت أسمعها تغني لكنه كان غناء أشبه بالنواح.
لم ير محقق دموعي ولا شكوت الوجع لكني كنت أبكي مع أبي الذي طال غيابه في الموت حين يزورني في المنام.
لم أخلع صاحبي كما فعل الأشعري ولا لزمت الاعتزال كابن عمر
ولم أخذل التوابين ولا نكصت عهودي مع جمال عبد الناصر فصلبوني بضع سنين إلى جوار سيدي زيد بن علي بن الحسين.
لم أنتظر المهدي ولا كنت في انتظار جودو ولم يتجل لي الله في الباب.
ولا اختلط فيّ اللاهوت بالناسوت فدسوا لي السم في العسل مع مالك الأشتر ولم يكن لله جنود من عسل بل كانوا جنود ابن هند وابن النابغة.
لم أحاصر عثمان ولا منعت عنه الماء
ولا تسورت عليه السور ولا قطعت أصابع نائلة، لكنهم حرّقوني في بطن حمار مع ابن أبي بكر.
لم أكن من دعاة رحمن اليمامة ولا مؤذنًا لسجاح ولا طليعة لطليحة الأسدي لكنهم قتلوني مع ابن عبادة وقالوا قتلته الجن.
لم أشرب الخمر ولا أممت المصلين سكرانًا مع الوليد بن عقبة ولا رميت الكعبة بالمنجنيق ولا كنزت الذهب والفضة مع الأمويين لكنهم ذبحوني صبيحة العيد أضحية مع الجعد بن درهم.
لم أحرّف القرآن مع ابن أبي سرح
ولا صليت خلف علي وأكلت على مائدة معاوية ولا طبخت رأس ابن نويرة لكنهم جلوا صارمًا وتلوا باطلًا وقالوا كفرت مع علي.
لم أرتهن لكمال أدهم ولا وقعت كامب ديفيد
ولا شاركت في أوسلو ولا باركت وادي عربة لكنهم اتهموني بمحاولة قلب نظام الحكم مع الفريق فوزي.
لم أبع روحي للشيطان ولا وضعت أجهزة تنصت للقمة العربية في الرباط،.
ولم أشارك في ثورة ابن الأشعث لكنهم أذابوني في حمض الكبريتيك مع المهدي بن بركة.
لم أقاتل في السابع من أكتوبر
ولا كنت من مقاتلي السيد ولا من رجال الله في اليمن ولم ألتحق بقوافل الشهداء لكني أموت في الليلة مئة مرة وألعن يزيد وأزيد.
لم أعرف الله بالنقل بل بالعقل، أُعمل العقل في النقل.
وأستعيض عن المدركات الحسية بالبداهات العقلية، وأستعيض عن غيابك بغيابي وصوت الست يُدمي “حطيت على القلب إيدي”
أصلي إرسالًا لا قبضًا وأولي وجهي نحو البندقية وأتلو ما تيسر من أيات الصمود، وإذا سألت عن أصدقائي الشهداء “تولى الدمع عن قلبي الجواب”
فدمع للرفاق ودمع للغياب، وللفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.
دمع لمن اعتقدوا أنهم لن يهونوا فهانوا ولقوافل الشهداء وهي تصعد نحو السماء.
في البدء لم تكن الكلمة بل كان قلبي على الماء وكان الحزن،
بعض الفقهاء يقولون أن الحزن قديم قدم العالم وآخرون يؤكدون أن الحزن كان علة الانفجار الكوني الأول.
على البحيرة سرت لكني خشيت الغرق وخشيت الغياب،
لا أحضر في الغياب ولا أبشر بالقيامة لكني أغني و”أمر على الأبواب لعلي أراكم أو أرى من يراكم”.
لا أفرط في الأرض ولا في الأحبة
بالمخالفة لدوستويفسكي لا أمشي على قدمي المكسورة، بل أترك أثر يدي على كتف صاحبي.
ويترك هو في قلبي أثر محبته، يسكن قلبي ويسكن الفقراء والشهداء قلبه، أتشبه به ويتشبه هو بالمسيح.
أتأسى بصلابته ويتأسى هو بصلابة جمال عبد الناصر، ولا نصعر خدنا للأميركان، أضرب بعصايا قلبة فتتفجر منه أنهار وجنان.
نقاتل في سبيل المستضعفين من الولدان والنساء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.
هو لي الحسين وأنا له العباس، ندرك مَن قلوبهم معنا ونعلم من قلوبهم وسيوفهم علينا، لكنّا ندعو لهم بالهداية مخلصين فلا تثريب عليهم يغفر الله لنا ولهم.
أصاب في حضرته بعدوى الأمل من فرط ما هو صادق وشفاف.
ويصاب هو في حضرتي بالبكاء للشهد،،،اء وكربلاء، يحب محتويات ظل الله وأحب ظله، أمشي إلى جواره هونًا ويمشي إلى جواري عونًا.
أقرأ برواية الكسائي وأعرف رزية الخميس وما جرى في السقيفة وأعرف الجن الذي قتل سعد بن عبادة وأعرف قتلة عمار ولصوص الرب رغم أن حذيفة بن اليمان لم يخبرني بأسماء من حاولوا قتل الرسول ولا عرّفني المنافقين.
لست من الذين عبروا ولا من الذين هبروا
لم أسرق رواتب الجنود في الجيش المحاصر كفرج الأكتع، لا أملك توكيلًا أجنبيًا ولا أتلقى تمويلًا من منظمات السفارة الأميركية.
لا أملك قلب نبي ولا صبي لكني أعرف إن كان القرآن مخلوقًا أم أزلي.
وأعلم الذين لعنوا من فوق المنابر علي، وأرعى نجوم الليل ” والليل ودقة الساعات في عز الليل”
“ونم يا حبيبي ساعة” فللشهداء أجنحة، ولا تغرق تمامًا فيما تبقّى من دمي!!






