محمد كمال يكتب : أنسنة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان
لغة الأرقام الصماء: تتحول المعاناة الإنسانية إلى مجرد أرقام في تقارير باردة، فتصبح المأساة مجرد إحصائية لا تثير الشفقة.

وراء الأرقام: استعادة الوجوه الإنسانية لضحايا الانتهاكات
في صخب الأرقام وبرود الإحصائيات، تذوي قصص وتُطمس وجوه. خلف كل رقم في تقارير حقوق الإنسان، هناك حلم قُتل، وعائلة شُتّت، ورو ح كُسرت. إن “أنسنة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان” ليست مجرد مصطلح قانوني، بل هي صرخة لاستعادة ما سُلب: الاعتراف بأن هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد “حالات” أو “قضايا”، بل هم بشر من لحم ودم، لهم أسماء، وضحكات، ودموع، وكرامة متأصلة لا يمكن انتزاعها.
مسرح التجريد: كيف تُصنع “الأشياء” من البشر؟
تلجأ القوى القمعية إلى فن مظلم لتجريد ضحاياها من إنسانيتهم، وتحويلهم إلى مجرد أشياء يمكن سحقها دون وخز ضمير. وتتعدد أساليب هذا المسرح العبثي:
• فن التعميم الشيطاني: حيث يُختزل الفرد في تسمية: “عدو”، “خائن”، “إرهابي”. تسميات تمحو تفاصيل الوجه الإنساني وتصنع قناعاً للكراهية.
• لغة الأرقام الصماء: تتحول المعاناة الإنسانية إلى مجرد أرقام في تقارير باردة، فتصبح المأساة مجرد إحصائية لا تثير الشفقة.
• جدار الصمت الإعلامي: حيث تُدفن القصص في مقابر التجاهل، أو تُشوّه لتخدم رواية الجلاد.
• قناع “الضرورة” الزائف: تُقدّم الانتهاكات على أنها “ضرورة أمنية” أو “مصلحة عليا”، وهو تبرير سياسي يضفي شرعية زائفة على الجريمة.
صدى الكرامة في المواثيق الدولية
لم تكن المواثيق الدولية مجرد حبر على ورق، بل كانت صدى لضمير الإنسانية الذي يرفض هذا التجريد.
• الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): جاء في مادته الأولى أن “جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق”، ليضع حجر الأساس لكرامة لا تقبل المساومة.
• العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966): أكد في ديباجته أن الاعتراف بهذه الكرامة المتأصلة هو أساس “الحرية والعدل والسلام في العالم”.
• مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن حق الضحايا (1985) ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: أعطت هذه المواثيق صوتاً للضحايا، وحقاً في المشاركة والإنصاف، لتنتقل بهم من خانة المفعول به إلى خانة الفاعل في قصة العدالة.
عواقب عالم بلا وجوه
عندما نتجاهل إنسانية الضحايا، فإننا لا نخذلهم فحسب، بل نفتح أبواب الجحيم على مجتمعاتنا:
- تطبيع الوحشية: عندما تصبح رؤية الجثث مجرد أرقام، يموت شيء بداخلنا، وتصبح الانتهاكات مشهداً مألوفاً ومقبولاً.
- حصانة الجلاد: إنكار إنسانية الضحية هو الخطوة الأولى نحو الإفلات من العقاب، فالجريمة التي لا ضحية لها (بوجهها الإنساني) لا تستدعي العقاب.
- جروح لا تندمل: يعيش الضحايا صدمة مزدوجة: صدمة الانتهاك، وصدمة الإنكار. هذا التجاهل يفاقم من معاناتهم النفسية ويترك ندوباً غائرة في الروح.
- نسيج اجتماعي ممزق: إن عدم الاعتراف بمعاناة جزء من المجتمع يغذي الانقسام والكراهية، ويؤسس لدوامات عنف لا تنتهي.
نحو مقاربة تليق بالإنسان
إن أنسنة الضحايا تتطلب أكثر من مجرد التعاطف؛ إنها تتطلب فعلاً واعياً وشاملاً:
• منح الصوت لمن لا صوت له: يجب أن نفسح المجال للضحايا ليروا قصصهم بألسنتهم، ففي كلماتهم قوة تشهد على الحقيقة.
• الاعتراف بكل قصة: كل ضحية هي عالم قائم بذاته، بمعاناته الفريدة. يجب أن نعالج كل حالة بخصوصيتها، مع فهم الأبعاد الجماعية للمأساة.
• العدالة التي تشفي: لا تقتصر العدالة على معاقبة الجاني، بل تشمل آليات مثل لجان الحقيقة والمصالحة التي تضع قصص الضحايا في مركز اهتمامها.
• صورة إعلامية كاملة: يجب على الإعلام أن يتجاوز الصورة النمطية للضحية البائسة، وأن يقدمهم كبشر متعددي الأبعاد، لديهم أحلام وقوة وصمود.
• الإنصاف الذي يرد الاعتبار: لا يقتصر الإنصاف على التعويض المادي، بل يمتد ليشمل الاعتراف الرسمي والاعتذار، كخطوة رمزية نحو إعادة الكرامة المسلوبة.
لإعطاء المعنى عمقاً أكبر وتجسيداً للمعاناة في أقسى صورها، من الضروري تسليط الضوء على ظاهرتي الاختفاء القسري والوفاة داخل مقار الاحتجاز. هاتان الظاهرتان تمثلان الذروة في عملية التجريد من الإنسانية، حيث لا يُسلب الضحية حريته فحسب، بل وجوده بالكامل، ويُحرم حتى من أن يكون مجرد “رقم” في سجل.
أيمن هدهود: لغز الموت في مستشفى الأمراض العقلية
قصة الباحث الاقتصادي أيمن هدهود هي مثال صارخ على الغموض الذي يلف مصير المعارضين.
• الاختفاء: اختفى هدهود في فبراير 2022. نفت السلطات في البداية أي علم لها بمكانه، وهو الإنكار الذي يمثل السمة الأساسية لجريمة الاختفاء القسري. بعد ضغط من أسرته ومنظمات حقوقية، اعترفت السلطات باحتجازه، لكنها ادعت أنه أُودع في مستشفى للأمراض العقلية بعد محاولته اقتحام شقة، وهي رواية شككت فيها أسرته والعديد من المنظمات الحقوقية.
• التجريد من الإنسانية: تحويل باحث اقتصادي له آراؤه السياسية إلى “مريض نفسي” هو شكل من أشكال الاغتيال المعنوي الذي يسبق الموت الجسدي. إنه تجريد له من أهليته وعقله، ومحاولة لمحو أي دافع سياسي وراء اعتقاله.
• النهاية المأساوية: بعد شهرين من اختفائه، أُبلغت أسرته بوفاته. أظهرت صور مسربة لجثمانه ما بدا أنها كدمات وآثار تعذيب، مما أثار شكوكاً قوية حول الرواية الرسمية التي تحدثت عن “هبوط حاد في الدورة الدموية”. قصة هدهود تجسد كيف يمكن للدولة أن تخفي شخصاً، ثم تعيده جثة هامدة مع رواية رسمية تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
إبراهيم متولي حجازي: من باحث عن ابنه إلى ضحية للاختفاء
قصة المحامي إبراهيم متولي هي حكاية عن المعاناة المزدوجة، وعن العقاب الذي يطال من يبحث عن الحقيقة.
• البحث عن الابن: بدأ نضال إبراهيم متولي عندما اختفى ابنه، عمرو، قسرياً في عام 2013. لم يستسلم متولي لليأس، بل أسس “رابطة أسر المختفين قسرياً” لمساعدة العائلات الأخرى التي تعيش نفس المأساة، وقرر تكريس حياته لهذه القضية.
• التجريد من الإنسانية: في عام 2017، وبينما كان في طريقه إلى جنيف للمشاركة في اجتماع مع فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، تم اعتقاله في مطار القاهرة. التهم التي وجهت إليه كانت “الانتماء لجماعة محظورة” و”نشر أخبار كاذبة”، وهي نفس التهم الفضفاضة التي تستخدم لإسكات أي صوت معارض. تحول متولي من أب يبحث عن ابنه ومحامٍ يدافع عن الضحايا، إلى “متهم” وضحية لنفس الجريمة التي كان يحاربها.
• المصير المجهول: لا يزال إبراهيم متولي قيد الاحتجاز، وتستمر معاناته في السجن. قصته هي رسالة ترهيب واضحة لكل من يفكر في البحث عن أحبائه المختفين: مصيركم قد يكون السجن والاختفاء أيضاً.
عائلة البلتاجي: عندما تلتهم السياسة بيتاً بأكمله
في قلب الأحداث العاصفة التي مرت بها مصر، تقف قصة عائلة الدكتور محمد البلتاجي كشاهد دامغ على الثمن الباهظ الذي قد يدفعه الإنسان ثمناً لمواقفه. لم تكن هذه القصة مجرد خبر في نشرة أخبار، بل كانت ملحمة إنسانية عن أب، وابنة، وابن، ابتلعهم الصراع السياسي وحوّلهم من أسرة دافئة إلى أيقونات للألم والفقد.
أسماء البلتاجي: “شهيدة” لم تبلغ الثامنة عشرة - لم تكن أسماء مجرد ابنة القيادي الإخواني البارز محمد البلتاجي، بل كانت شابة نابضة بالحياة، لها أحلامها الخاصة وطموحاتها. كانت متفوقة في دراستها، شغوفة بالفن، وتشارك في العمل الإنساني والإغاثي. كانت تمثل جيلاً جديداً يؤمن بالتغيير السلمي.
• التجريد من الإنسانية عبر القتل: في 14 أغسطس 2013، أثناء فض اعتصام رابعة العدوية، كانت أسماء هناك، تعمل كمسعفة متطوعة. لم تكن تحمل سلاحاً، بل كانت تحمل ضمادة ويداً للمساعدة. في ذلك اليوم، اخترقت رصاصة قناص جسدها النحيل، لتسقط قتيلة وهي لم تكمل عامها السابع عشر بعد. تحولت في لحظة من شابة تحلم بمستقبل واعد إلى “شهيدة” و”ضحية”. لم يُنظر إليها كإنسانة لها حق في الحياة، بل كهدف مشروع في سياق سياسي دموي.
• رمزية الصورة: انتشرت صورتها وهي مضرجة بدمائها على نطاق واسع، لتصبح أيقونة عالمية للمأساة. وجهها البريء الذي غطاه الدم أصبح رمزاً للضحايا المدنيين الذين سقطوا في ذلك اليوم، وصرخة صامتة ضد العنف.
الأنسنة عبر الذاكرة: أصبحت قصة أسماء، التي رواها والدها والعالم، محاولة مستمرة لاستعادة إنسانيتها. لم تعد مجرد رقم في قائمة القتلى، بل أصبحت “أسماء”، الفتاة التي أحبت الحياة، والتي قُتلت وهي تحاول إنقاذ حياة الآخرين.





