مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: السخرية المصرية: بين الوعي والتخدير

أقدم شواهد السخرية المصرية — الرسوم الفرعونية التي تصور فئرانًا تطارد القطط وحيوانات تمارس أدوار البشر — لم تكن مجرد تسلية فنية

مشاركة:
حجم الخط:

في أحد أسواق القاهرة القديمة، وبينما كان الناس يتذمرون من زيادة الجبايات، علق أحدهم ساخرًا:

«يبدو أنهم لو استطاعوا لفرضوا ضريبة على الهواء».

فضحك الواقفون من حوله.

لم تنخفض الضرائب، ولم يسقط الوالي.

لكن شيئًا حدث — وهذا الشيء هو موضوع المقال كله:

هل تبخر جزء من الغضب في الهواء مع الضحكة، أم أن الناس رأوا واقعهم بوضوح أشد وشعروا بثقله أكثر؟

السؤال ليس بلاغيًا

فالسخرية المصرية عبر القرون لم تكن ظاهرة واحدة ذات وظيفة واحدة، بل كانت طيفًا يمتد بين نقيضين:

سخرية تُراكم الوعي وتُسمي الواقع بدقة تجعله أصعب قبولًا، وسخرية تستهلك الغضب وتحوله إلى بخار قبل أن يتراكم.

وفهم هذا التمييز هو مفتاح قراءة التاريخ المصري من زاوية لا تكشفها الوثائق الرسمية.

د. محمد الغمري يكتب: هل الناس على دين ملوكهم؟ أم العكس؟ (1)

د. محمد الغمري يكتب: هل الناس على دين ملوكهم؟ أم العكس؟ (2)

أولًا: السخرية الراكمة للوعي

أقدم شواهد السخرية المصرية — الرسوم الفرعونية التي تصور فئرانًا تطارد القطط وحيوانات تمارس أدوار البشر — لم تكن مجرد تسلية فنية.

كانت تقلب التراتبية الرسمية رأسًا على عقب، وتقول للناظر: ما يبدو طبيعيًا أو مقدسًا ليس كذلك بالضرورة.

هذا النوع من السخرية لا يُفرّغ الوعي بل يُنتجه؛ يجعل المتلقي يرى ما اعتاد على قبوله.

وفي العصر الأيوبي كتب ابن مماتي «الفاشوش في أحكام قراقوش»

وهي من أقدم الوثائق العربية في السخرية السياسية.

لم يكتفِ المؤلف بالتندر على قرار أو موقف، بل حوّل شخصية الحاكم إلى نموذج رمزي للطغيان الأحمق في الذاكرة الشعبية.

والسخرية التي تُنتج نماذج تعيش عادةً أطول من السخرية التي تُنتج ضحكات عابرة.

وفي مطلع القرن التاسع عشر، حين عاد المماليك إلى الحكم بعد خروج الحملة الفرنسية، جاء المثال الأشهر على السخرية الشفهية المصرية: «هتاخد إيه يا برديسي من تفليسي؟».

ست كلمات فقط، لكنها تنطوي على تشريح اجتماعي كامل.

الجملة لا تُضحك فحسب، بل تُسمي الواقع بدقة:

سلطة جشعة، وناس مفلسون، ومطالبة عبثية لا معنى لها.

وما يجعل هذه السخرية راكمة للوعي أنها أعطت الناس لغةً يصفون بها وضعهم؛ ولغة وصف الواقع هي الخطوة الأولى نحو رفضه.

ومن اللافت أن السخرية في هذه الحالة لم تكن نهاية الفعل بل بدايته، فالهتاف لم يبقَ نكتة تتداولها المقاهي، بل تحول إلى شعار احتجاجي رافق انتفاضة حقيقية انتهت بإسقاط البرديسي.

وهنا تظهر الوظيفة القصوى للسخرية الراكمة للوعي: أن تتحول من وصف الواقع إلى المساهمة في تغييره.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بلغت هذه السخرية مستوى أكثر تنظيمًا مع يعقوب صنوع وعبد الله النديم.

لم تكن «أبو نظارة» و«التنكيت والتبكيت» مجرد صحافة فكاهية، بل مشروعًا سياسيًا واضح الهوية.

فالسخرية هنا تحول السلطة إلى موضوع للمساءلة، وتُوصل النقد إلى من لا يقرأ البيانات السياسية.

وحتى عنوان «التنكيت والتبكيت» يعلن منذ البداية أن الإضحاك والتوبيخ وجهان لفعل واحد لا يمكن فصلهما.

ويكمل بيرم التونسي الصورة بقصيدته الشهيرة:

يا بائع الفجل بالمليم واحدة
كم للعيال وكم للمجلس البلدي؟

بيتان يختصران علاقة المواطن بالضريبة والإدارة والدولة، ويظلان في الذاكرة لأنهما لم يُضحكا فحسب بل أوضحا.

وما يجعل هذا الشعر راكمًا للوعي أنه يُسمي المستفيد من الظلم ويُحدد آليته، فتتحول الضحكة إلى شكل من أشكال الإدراك.

وفي النصف الأول من القرن العشرين انتقلت هذه السخرية من الكلمة المكتوبة إلى الجسد المتحرك.

نجيب الريحاني بشخصية «كشكش بك» لم يكن يقدم دورًا كوميديًا فحسب، بل مرآة يرى فيها المصري نفسه بكل تناقضاته.

أما إسماعيل يس فقد قدم نموذجًا آخر يكشف عبثية البيروقراطية من الداخل، شخصياته لا تواجه السلطة مباشرة، لكنها تتعثر بها باستمرار، وهذا التعثر ذاته يصبح أداة للكشف.

وما أضافه المسرح والسينما هو البعد الجماعي، جمهور كامل يضحك في اللحظة نفسها من الشيء نفسه، فتتحول السخرية من شعور فردي عابر إلى خبرة جمعية مشتركة.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين يبرز محمود السعدني وجلال عامر بوصفهما نموذجًا مختلفًا:

الساخر الذي يوقع اسمه على ضحكته ويتحمل تبعاتها.

دفع السعدني ثمن كتاباته بالسجن والمنع والنفي، بينما حوّل جلال عامر عموده الصحفي إلى مرآة يومية للمجتمع المصري في تحولاته الكبرى.

وما يجعل هذين النموذجين راكمين للوعي أن السخرية عندهما لم تكن متنفسا مجهول الهوية، بل موقفًا معلنًا يمكن مساءلة صاحبه عنه.

ثانيًا: السخرية المستهلِكة للغضب

لكن التاريخ المصري يحمل النموذج الآخر أيضًا.

فالجملة الساخرة من نوع: «يبدو أنهم لو استطاعوا لفرضوا ضريبة على الهواء» قد تكون ذكية ومضحكة، لكنها لا تُسمي شيئًا بدقة، ولا تُحدد مستفيدًا، ولا تُلزم أحدًا بموقف.

إنها تُضحك ثم تترك الواقع كما هو.

وربما يكون أثرها الأعمق أنها تمنح صاحبها شعورًا مؤقتًا بأنه عبّر عما يريد قوله، فيهدأ الغضب قبل أن يتحول إلى وعي متراكم أو فعل منظم.

هذا النموذج لم يكن غائبًا عن الأسواق والمقاهي عبر القرون، لكنه بلغ ذروة غير مسبوقة في القرن الحادي والعشرين.

فالميم والتعليق الساخر يصلان إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، لكنهما غالبًا ما يختفيان بالسرعة نفسها.

كانت السخرية التقليدية تتراكم، تُروى وتُعاد وتُضاف إليها طبقات من المعنى حتى تصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية.

أما اليوم فالسخرية تُستهلك بسرعة قبل أن تترسب.

والفارق ليس في السرعة وحدها، بل في بنية الفعل ذاته. فالسخرية المستهلِكة للغضب تشترك مع السخرية الراكمة للوعي في الشكل الخارجي، كلتاهما تنتقد وتُضحك.

لكنهما تختلفان في سؤال واحد: هل الضحكة تجعلك تشعر بثقل الواقع أم تجعلك تشعر أنك قلت ما يكفي؟

الأولى تُثقّل، والثانية تُخفّف.

وهذا هو الفارق بين السلاح والمخدر.

وحين يسخر الجميع من كل شيء في كل وقت تتآكل القدرة التمييزية نفسها.

فإذا تساوى التعليق الساخر على فساد مسؤول مع التعليق الساخر على طريقة لباسه، فقدت السخرية قدرتها على الكشف وتحولت إلى ضجيج يغطي ما ينبغي أن يُرى.

ويُعد باسم يوسف من أوضح النماذج الحديثة لاختبار هذا التمييز. فقد أخذ نموذج السخرية الراكمة للوعي — القائمة على توثيق التناقض بالصورة والمقطع المصور — وضخه في شاشة يشاهدها الملايين.

في لحظته كانت هذه السخرية تُسمي وتوثق وتجعل التناقض مرئيًا.

لكن الوعي الذي لا يجد قناةً للتحول إلى فعل منظم يميل إلى الاستهلاك الذاتي، يُشعر صاحبه بأنه أدرك، فيكتفي بالإدراك.

وهذا هو الفخ الذي لا تنجو منه السخرية الإعلامية الكبرى حتى حين تكون صادقة.

لماذا مصر تحديدًا؟

شعوب كثيرة عاشت ظروفًا مشابهة لكنها سلكت مسارات ثقافية مختلفة.

فالأدب الروسي في مواجهة القيصرية أنتج تشاؤمًا وجوديًا وغضبًا ميتافيزيقيًا، بينما أنتج الأدب البولندي في مواجهة الاحتلال حزنا وطنيًا رومانسيًا.

أما في مصر فقد ظل الضحك حاضرًا حتى في أحلك اللحظات.

ولا يعني ذلك أن المركزية السياسية وحدها أنتجت السخرية المصرية؛ فالتاريخ الاجتماعي، والبنية الحضرية للمدن الكبرى، وتعدد موجات الاحتلال والتحول السياسي، كلها أسهمت بدرجات مختلفة في تشكيل هذا المزاج الثقافي.

غير أن استمرارية الدولة المركزية تبقى أحد أكثر العوامل تفسيرًا لدوام الظاهرة عبر القرون.

فمصر من أقدم الدول المركزية في العالم، ومجتمعها اعتاد تاريخيًا على سلطة لا يستطيع الاستغناء عنها ولا يستطيع مواجهتها مواجهة مباشرة في معظم الأحوال.

وفي مثل هذا الوضع تتشكل استراتيجية تكيّف خاصة: لا تمرد كامل ولا خضوع كامل، بل مساحة رمزية تسمح بالحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي.

والسخرية هي أكثر أشكال هذه المسافة الرمزية فاعلية. فهي لا تطعن السلطة مباشرة بقدر ما تُصغّرها، ولا تواجهها دائمًا بقدر ما تجعلها موضوعًا للتندر.

لكن هذه المسافة ذاتها كانت تحمي أحيانًا من مواجهة الواقع بكامل ثقله، فالشعور بأنك قلت الحقيقة قد يُغني عن الشعور بضرورة تغييرها.

خلاصة: سؤال مفتوح

السخرية المصرية ليست ظاهرة واحدة ذات حكم واحد. والتمييز بين نوعيها لا يكمن في الشكل؛ فكلاهما ينتقد ويضحك.

وإنما يكمن في الأثر: هل الضحكة تُثقّل الواقع على كاهل صاحبها أم تُخفّفه؟

لقد قدم بيرم التونسي ومحمود السعدني وجلال عامر ونجيب الريحاني نماذج لسخرية راكمة للوعي لأنها كانت دقيقة في تسمية الواقع، وموقعة باسم أصحابها، ومستعدة لتحمل ثمن ما تقول.

أما كثير من السخرية الرقمية المعاصرة فتميل إلى الاستهلاك السريع؛ تنتشر بسرعة وتُنسى بسرعة، وتستهلك الغضب قبل أن يتحول إلى وعي متراكم.

وفي النهاية، فالسؤال الحقيقي ليس لماذا يضحك المصريون، بل ماذا يبقى بعد أن ينتهي الضحك.

فهناك ضحكة تجعل الواقع أوضح، وضحكة تجعل احتماله أسهل.

وبين هاتين الضحكتين يتحرك جانب مهم من التاريخ الثقافي المصري.

هامش:

هتاف «هتاخد إيه يا برديسي من تفليسي؟» موثق في: عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، الجزء الثالث.

وقد رُفع الهتاف في 6 مارس 1804 احتجاجًا على ضريبة فرضها عثمان بك البرديسي على المساكن لتمويل رواتب جنوده، وأسهم في تأجيج حركة احتجاجية انتهت بإقصائه عن السلطة.

أما كتاب «الفاشوش في أحكام قراقوش»

لابن مماتي فيعد من أشهر نصوص السخرية السياسية في العصر الأيوبي، ويرجع إلى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، وقد أسهم في ترسيخ صورة قراقوش بوصفه نموذجًا للحاكم الجائر أو الأحمق في المخيال الشعبي المصري.

شارك المقال: