مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: هل الناس على دين ملوكهم؟ أم العكس؟ (1)

تنطلق هذه المقالة من مقولة شهيرة متداولة في التراث السياسي والاجتماعي: «الناس على دين ملوكهم»

مشاركة:
حجم الخط:

سؤالان في العلاقة بين السلطة والمسار الحضاري

مقدمة

ما الذي يصنع التاريخ حقًا؟

هل هو الحكام الذين يمسكون بزمام السلطة ويوجهون مجتمعاتهم؟

أم أن المجتمعات هي التي تُفرز حكامها وترسم حدود ما يستطيعون فعله؟

وهل ثمة طرف ثالث في هذه المعادلة لا تلتقطه أي من الإجابتين؟

تنطلق هذه المقالة من مقولة شهيرة متداولة في التراث السياسي والاجتماعي: «الناس على دين ملوكهم»

مقولة لا تستحق الاهتمام لصحتها أو خطئها، بل لما تكشفه حين تُفحص — عن طريقة في قراءة التاريخ تختزل ما هو معقد في ما هو بسيط، وتجعل من اللحظة تفسيرًا للمسار.

الحلقة الأولى تفحص المقولة من الداخل وتطرح سؤالًا لا تجيب عنه وحدها.

والحلقة الثانية تقلب السؤال رأسًا على عقب — وما يظهر حين يُقلب ليس مجرد إجابة معاكسة، بل مستوى مختلف من السؤال.

ليست هذه مقالة في نقد الاستبداد ولا في مديح المجتمع، بل محاولة لقراءة العلاقة بين السلطة والمسار الحضاري من مستوى يرى في التاريخ شبكة من الشروط والاستجابات والتراكمات، لا سلسلة من القرارات والإرادات.

د. محمد الغمري يكتب: التصور القرآني للمعرفة الإنسانية

د. محمد الغمري يكتب: من «خناقة كبار» إلى سؤال الدولة

الحلقة الأولى: حين تقرأ المقولة التاريخ من مستوى الحدث

هل الناس على دين ملوكهم؟

كل من آمن بهذه المقولة فقد آمن ضمنًا بأن التاريخ يكتب من أعلى.

المشكلة في هذه المقولة لا تكمن في أنها خاطئة بالكامل، بل في أنها تقرأ التاريخ من مستوى الحدث لا من مستوى المسار.

فهي تلتقط لحظة تأثير وتجعلها تفسيرًا شاملًا، بينما يكشف النظر المساري أن ما يبدو حاسمًا في لحظته كثيرًا ما يكون حلقة داخل سلسلة أطول من التراكمات والاستجابات المتعاقبة.

النفوذ والفاعلية: فارق يظهر بعد زوال القوة

لا شك أن السلطة تملك قدرة على التأثير.

غير أن امتلاك القدرة على التأثير لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة التحولات التاريخية العميقة.

فكم من حاكم امتلك سلطة واسعة ولم يترك أثرًا يتجاوز حدود عصره، وكم من فكرة أو حركة اجتماعية امتد أثرها قرونًا رغم أنها لم تمتلك يومًا سلطة الدولة.

النفوذ يُحرك السلوك في اللحظة.

الفاعلية الحضارية تُحوّل هذا التحريك إلى أثر يتراكم في المسار ويبقى بعد صاحبه.

(1) الفارق لا يظهر في لحظة القوة — يظهر فيما تتركه بعدها.

غير أن هذا الفارق لا يُقاس بمجرد ما بقي وما زال.

فكل تحول بقي يصنَّف فاعلية وكل تحول زال يُصنَّف نفوذًا عابرًا، دون أن نعرف لماذا.

لهذا يحتاج التمييز إلى معيار سابق للنتيجة:

هل أحدث التأثير تحولًا في البنى الحاملة للمسار — في القيم والمؤسسات وأنماط الإدراك الجماعي — أم اقتصر على إعادة توجيه السلوك الظاهر دون أن يمسّ هذه البنى؟

الأول فاعلية، والثاني نفوذ، بصرف النظر عن مآلاته.

وهذا المعيار يكشف عن نفسه أكثر في حالات التعارض منه في حالات التأكيد.

فمحمد علي باشا امتلك من الموارد والإرادة والمدى الزمني ما يفوق كثيرًا مما امتلكه عمر بن عبد العزيز — غير أن تحولاته ظلت مرتبطة بالجهاز لا بالبنية، بالدولة لا بالمجتمع.

فلما انتهى عصره عاد كثير مما بناه إلى الهشاشة لأنه لم يُنتج تحولًا في أنماط الإدراك الجماعي ولا في القيم الحاملة للمسار.

النفوذ الضخم قد يُبدو في لحظته كفاعلية، ولا يظهر فارقه إلا حين يُرفع الضغط.

الإدراك الجماعي: حيث تُحدَد مآلات المسار

السؤال الأجدر ليس: هل يؤثر الملوك في الناس؟

فهذه حقيقة لا جدال فيها.

السؤال الأجدر:

ما الذي يجعل هذا التأثير ممكنًا أصلًا؟

وما الذي يحدد حدوده ومداه واستمراره؟

الحاكم لا يتحرك في فراغ

فهو يعمل داخل مجال حضاري — شبكة من البنى الثقافية والمؤسسية والذاكرة التاريخية وأنماط الإدراك الجماعي — وهذه العناصر هي التي تحدد حجم الفاعلية المتاحة له، كما تحدد قدرة المجتمع على الاستجابة أو المقاومة أو إعادة التوجيه.(2)

غير أن السؤال الأعمق ليس أين توجد السلطة، بل أين يوجد الإدراك القادر على تحويل الموارد إلى استجابات تاريخية ناجحة.

والمقصود بالإدراك هنا شيء محدد:

قدرة الفاعلين الجماعيين على تشخيص طبيعة الشروط التي يواجهونها — تمييز ما هو بنيوي مما هو عرضي، وما هو قابل للتغيير مما هو مفروض بحكم المرحلة — ثم رسم استجابات تتناسب مع هذا التشخيص لا مع صورة مُتوهَّمة عنه.(3)

لكل مجتمع حدٌ إدراكي يتحدد بحضور هذه القدرة أو غيابها في لحظته التاريخية.

وكلما اتسع هذا الإدراك ازداد احتمال إنتاج استجابات أكثر فاعلية، وكلما ضاق ارتفعت احتمالات سوء قراءة التحولات الكبرى.

حين تصنع السلطة ضيق الإدراك

ثمة حالة أشد تعقيدًا، وهي الحالة التي تكون السلطة فيها هي من أنتج هذا الضيق ابتداءً.

القرآن الكريم هذه الحالة بدقة نادرة حين يقول عن فرعون: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (4)

فالطاعة هنا لم تنشأ عن إقناع ولا عن قهر صرف، بل عن استخفاف أفقدهم القدرة على التشكيك قبل أن يخطر لهم.

لم تعمل السلطة داخل حدود الإدراك — بل اشتغلت على محوها.

وهذا يكشف عن نوعين متمايزَين من الفاعلية السلطوية:

فاعلية تعمل في حدود المجال الحضاري القائم، وفاعلية تعيد رسم هذه الحدود من الداخل عبر استنزاف القدرة الجماعية على التشخيص الذاتي.

وفي مثل هذه الحالات لا يكون السؤال الحقيقي:

لماذا أطاع القوم؟ بل: ما الذي أُزيل من بنيتهم حتى صارت الطاعة ممكنة بهذه الصورة؟

لكن النموذج الفرعوني يطرح بدوره سؤالًا معاكسًا:

ما الذي يجعل مجتمعًا محصّنًا ضد هذا الاختراق؟

الإجابة لا تكمن في قوة المقاومة اللحظية، بل في ما تراكم في المسار قبل لحظة الاختراق.

فالمجتمعات التي احتفظت بجيوب حية من التداول المستقل — مؤسسات لم تُستنزف بعد وذاكرة جماعية تعيد إنتاج سوابق المقاومة — وجدت في هذا التراكم سدًا يعيق الاختراق الكامل.

التحصين ضد النموذج الفرعوني لا يُبنى في لحظة الأزمة — يُبنى قبلها بزمن طويل أو لا يُبنى.

مآلات المسار: بين التراكم والتآكل والاستعادة

المسار الحضاري يتشكل من تفاعل مستمر بين شروط قائمة واستجابات متفاوتة الفاعلية.

لهذا لا تنتج الموارد ذاتها النتائج نفسها دائمًا، ولا تقود الأزمات المتشابهة إلى المآلات ذاتها.

العامل الحاسم يكمن في طبيعة الاستجابة التي تتوسط بين الشرط والنتيجة. وعلى هذا الأساس تتحدد مآلات المسار:

إما تراكم حضاري يوسع قدرة المجتمع على الفعل، وإما تآكل صامت تتراجع خلاله مقومات الفاعلية رغم بقاء مظاهر القوة، وإما استعادة تعيد تنشيط موارد كامنة ظلت معطلة.

وتقدم التجربة الناصرية (1952-1970) مثالًا كاشفًا

فقد استطاع عبد الناصر أن يؤثر بعمق في المجال السياسي والفكري العربي.

غير أن النظر المساري يكشف أن جزءًا معتبرًا من هذه التحولات تراجع في العقد الذي أعقب رحيله، بينما بقيت عناصر أخرى لأنها تجذرت في البنية الاجتماعية والثقافية.(5)

هنا يظهر الفرق بين النفوذ والفاعلية:

قد يبلغ النفوذ السياسي ذروته في اللحظة التي يكون فيها المسار الحضاري قد دخل فعلًا في طور التآكل.

وفي المقابل، تكشف تجربة الاتحاد السوفيتي حدود قدرة السلطة على إعادة تشكيل المجتمعات من أعلى.

فقد حاولت الدولة على مدى أكثر من سبعة عقود إعادة صياغة الوعي الديني والقومي.

لكن البنى العميقة واصلت حضورها تحت السطح حتى عادت بقوة بعد الانهيار.(6)

السلطة تستطيع كبح الاتجاهات — لكنها لا تستطيع اقتلاع ما تجذّر في المسار.

ومن هذه الزاوية لا تعود مقولة «الناس على دين ملوكهم» سوى وصف جزئي لبعض اللحظات التاريخية، لا تفسيرًا للمسار الحضاري ذاته.
#يتبع_الحلقة_الثانية

شارك المقال: