مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون يوسف الحسيني!

لم نر لدى الحسيني مراجعة فكرية تشرح كيف انتقل من خطاب الاعتراض إلى وظيفة الشرح المعتمد، رأينا انتقالاً سلساً من "يجب أن نحاسب" إلى "يجب أن نفهم الظروف"

مشاركة:
حجم الخط:

“رفيق الأمس” و”موظف اليوم”

في فيلم “السفارة في العمارة”، يقدم المثقف اليساري “الدكتور شهدي سليمان شهدي” العاملة المنزلية باعتبارها “الرفيقة الدادة أم عطيات” التي تظل دادة تؤدي الخدمة، لكن يضاف إلى اسمها لقب ثوري فاخر؛ فتحصل على المساواة في القاموس، وتبقى العلاقة الطبقية في المطبخ.

ثم يظهر الابن، الخارج تواً من كهوف الثقافة التقدمية، ليهدي “المهندس شريف” في عيد ميلاده كتاباً عنوانه “مدينة البهائم”

كان المشهد سخرية من يسار يغير أسماء الأشياء أكثر مما يغير حقيقتها:

العاملة تصبح رفيقة، والخدمة تصبح نضالاً، والثرثرة تصبح ثقافة مقاومة.

ويبدو أنَّ “يوسف الحسيني” أعاد تمثيل المشهد، ولكن في الاتجاه المعاكس: بدأ رفيقاً يتحدث باسم العدالة والاحتجاج، ثم انتهى إلى أداء خدمة معتمدة للسلطة!

كانت “أم عطيات” دادة وأصبحت رفيقة؛ أما “الحسيني” فكان رفيقاً في النبرة، وأصبح موظفاً نظامياً رسمياً! لم يخلع الحسيني بدلة الرفيق؛ اكتفى بارتدائها فوق زي الخدمة المعتمدة! ولم يغير أدواته الوظيفية، ولكنه غير الجهة التي يضرب بها.

د. أيمن منصور ندا يكتب: عزيزي المواطن: لا تفسد الإنجاز بشكواك!

في السياسة، كما في الفيزياء، تتمدد الأجسام بالحرارة

غير أنَّ بعض الأجسام السياسية المصرية تتمدد أيضاً بالمقاعد والبرامج والقوائم.

يبدأ الواحد منها غاضباً من السلطة، ثم يهدأ حين تقترب منه، ويصبح واقعياً حين تفتح له الباب، ومتفهماً حين تمنحه مقعداً، وشرساً في الدفاع عنها حين تعطيه مفتاح المكتب.

لا ينتقل هذا الكائن من الهتاف إلى التصفيق في ليلة واحدة، يمر أولاً بمرحلة “تقدير صعوبة الظروف” ثم “الدولة تواجه تحديات” ثم “ليس في الإمكان أفضل مما كان” وأخيراً “إحنا مش فاهمين أكتر من الدولة”

وهنا: يصبح الغضب القديم صالحاً لإعادة الاستخدام، لكن في الاتجاه المعاكس

ليس عيباً أن يراجع الإنسان أفكاره؛ فالمراجعة فضيلة، ولو جاءت متأخرة.

لكنَّ هناك فارقاً بين “التحول الفكري” و”إعادة التموضع”

الأول يترك وراءه كتاباً، أو اعترافاً، أو تفسيراً يشرح لماذا تغيرت الرؤية

أما الثاني فيترك برنامجاً جديداً، ومقعداً جديداً، وقاموساً جديداً لتبرير القديم.

لم نر لدى الحسيني مراجعة فكرية تشرح كيف انتقل من خطاب الاعتراض إلى وظيفة الشرح المعتمد، رأينا انتقالاً سلساً من “يجب أن نحاسب” إلى “يجب أن نفهم الظروف” ومن الدفاع عن حق الناس في الغضب إلى مطالبتهم بأن يحسنوا الأدب مع الأزمة.

وحين تسير القناعات في الطريق نفسه الذي تسير فيه الامتيازات، يصبح من حق الجمهور أن يسأل: هل تغير الفكر، أم تغير موقع الكرسي؟

في عام 2015 قال الحسيني إنَّ الرئيس عبد الفتاح السيسي رشحه ثلاث مرات لمنصب محافظ الإسماعيلية، وإنَّه اعتذر لأن نظام الإدارة المحلية لا يمنح المحافظ ما يكفي من اللامركزية.

كانت إجابة تبدو محترمة: الرجل لا يريد كرسياً بلا سلطة.

ثم دخل مجلس النواب عبر “القائمة الوطنية من أجل مصر” وأصبح وكيلاً للجنة الإعلام والثقافة والآثار في البرلمان السابق، قبل أن تنتهي عضويته.

والمفارقة أن من رفض المحافظة لأن صلاحياتها لا تكفي (عندما كان رفيقاً) قبل مقعداً في برلمان لم يقدم استجواباً واحداً للحكومة (عندما أصبح موظفاً)!

وقد جمع الرجل، خلال عضويته، بين المذيع والنائب والمدافع السياسي؛ وهي خلطة ثقيلة على المعدة الديمقراطية.

المذيع يفترض أن يسأل، والنائب أن يراقب، والمدافع أن يبرر.

فإذا اجتمع الثلاثة في شخص واحد، فمن الذي يحاسب من؟ يسأل المذيع النائب، فيجيبه المدافع، ثم يشكر الثلاثة الحكومة! نحن أمام “ساندوتش سلطات” لا تعرف فيه أين ينتهي الخبز وأين تبدأ الطحينة!

لكن الحسيني استطاع الجمع بينها، وعرف من أين “يؤكل الساندوتش”!

وبتعبير آخر، يمثل يوسف الحسيني نموذج “المعارض المُؤمَّم”؛ لم يسكت؛ بل أعُطي ميكروفوناً أفضل، ولم يُطرَد من المجال العام؛ بل نُقِل إلى خانة أكثر أماناً داخله، وهذه طريقة أذكى من القمع المباشر؛ لأن السلطة لا تكسب صوته فقط، بل تكسب شهادته الرمزية.

انظروا، حتى من كانوا يعارضوننا فهموا الحقيقة! والمتحول السياسي غالباً يكون أشد حماساً من ابن المعسكر الأصلي.

فابن البيت مطمئن إلى نسبه، أما القادم من الخارج فيحتاج إلى تقديم شهادة ولاء كل مساء.

لذلك لا يكتفي الحسيني بالتأييد، بل يزايد؛ ولا يشرح الخطأ، بل يهاجم من يشكو منه، كأنه يقول في كل حلقة: “أنا تبت يا جماعة، وأرجو قبول التوبة إعلامياً وسياسياً وبرلمانياً”..

في تسريب صوتي منسوب إلى مسؤول سابق، ورد اسم الحسيني ضمن حديث عن التواصل مع إعلاميين داعمين للرئيس، واقترن في الذاكرة العامة بتعبير “الواد يوسف”

وبطبيعة الحال، لا يجوز بناء حكم قطعي على تسجيل مشكوك في صحته، أو في صورة له وهو يطبل في ملهى ليلي، أكد عدم صحتها، لكنَّ المفارقة أن أداء الحسيني اللاحق جعل كثيرين يستغنون عن التسريب نفسه.

فالطبال المحترف لا يحتاج إلى ورقة تكليف؛ يكفي أن تراقب إلى أين يتجه وجهه قبل أن يرفع العصا.

وحين يظل الإيقاع واحداً، والحجة واحدة، والخصم دائماً هو المواطن المتذمر أو الناقد المشكك، يصبح السؤال عن مصدر النوتة أقل أهمية من وضوح الموسيقى..

ثم دخل الحسيني إلى الاقتصاد من بابه الملكي

قال في 2017 إنه كان طالباً “شاطراً جداً” في الاقتصاد، واستبعد أن يصل الدولار إلى عشرين جنيهاً، مؤكداً أنه يُحاسَب على هذا التوقع!

وبعد سنوات، أعلن أنه يحمل بكالوريوس اقتصاد بامتياز وماجستير في التحليل الاقتصادي الدولي بمرتبة الشرف “من جامعة ما تحلمش تعدي قدامها”

وعلى ما يبدو فإن هذه الجامعة شديدة الهيبة إلى درجة أن الدولار نفسه خاف من المرور أمامها، فالتف من شارع جانبي، وتجاوز الخمسين جنيهاً في أغسطس 2026..

ولم تتوقف المحاضرة عند الدولار

ففي تصريح حديث، قال الحسيني إن الصينيين تحملوا الجوع والفقر، وإنهم أكلوا الخفافيش والعناكب حتى أصبحوا قوة اقتصادية، بينما المصريون “شعب فنجري” يحب أن ينبسط ولا يريد أن يتحمل! هكذا انتقل خريج الاقتصاد من تحليل الإنتاج والاستثمار والدين وسعر الصرف إلى علم التغذية الزاحفة.

لم تعد الأزمة في سياسة اقتصادية فاشلة تُنَاقش، بل في شعب مدلل يرفض المنهج الصيني في أكل ما يصادفه في الطريق!

وعندما يعجز الإعلامي عن تفسير الألم، يحوله إلى عيب أخلاقي في المتألم!

ووفقاً للرفيق الحسيني فإنَّ المواطن لا يعاني من التضخم، هو فقط “طفس” و”فنجري”

ولا يطلب هذا المواطن حقه في سياسات اقتصادية أفضل، بل هو لم يتدرب بما يكفي على أكل الخفافيش والعناكب!

هنا تظهر مأساة اليسار الوظيفي كاملة؛ اليساري يغضب للفقراء؛ أما اليساري الوظيفي فيغضب منهم لأنهم اشتكوا.

الأول يسأل:

من دفع كلفة السياسة؟

والثاني يسأل: لماذا لا يبتسم من دفعها؟

الأول يوجه غضبه إلى أعلى، والثاني يحوله إلى سوط لغوي على ظهور الناس.

احتفظ الحسيني بالحماسة، لكنه نزع منها العدالة، واحتفظ بفكرة المعركة، واختار أن تكون ضد المجتمع لا ضد ما يرهقه.

صار الحسيني يعمل في قسم خدمة العملاء للرد على الغاضبين، بعد أن كان معبراً عنهم وعن أوجاعهم.

أخذ الحسيني ميكروفون المظاهرة إلى المنصة الرسمية، واحتفظ بالنبرة نفسها بعد أن تغيرت اللافتة من “الشعب يريد” إلى “الدولة ترى”! وما بين الجملتين تاريخ طويل من الترويض، والامتيازات، وما خفي كان أعظم.

المؤكد أن الحسيني موهوب؛ لديه حضور وسرعة بديهة وطاقة في الأداء، لكنَّ الموهبة حين تنفصل عن الضمير المهني تصبح خدمة توصيل سريعة.

الفرق بين الإعلامي والطبال ليس ارتفاع الصوت؛ فكلاهما قد يكون صاخباً؛ الفرق أن الإعلامي يختبر الإيقاع، أما الطبال فينتظر الإشارة.

كان يمكن للحسيني، بموهبته، أن يكون ناقداً من داخل النظام، أو نائباً يزعج الحكومة بأسئلة الاقتصاد والإعلام، أو يسارياً يوازن بين مقتضيات الدولة وحقوق الناس، لكنه اختار غالباً وظيفة المفسر والمبرر الذي يعرف دائماً لماذا يجب على المواطن أن يصبر، وليس لماذا يجب على السلطة أن تراجع نفسها وسياساتها.

تحوَّل الحسيني من شوكة في خاصرة السلطة إلى دبوس صغير في ياقة البدلة الرسمية!

ولا يحتاج يوسف الحسيني إلى لجنة تحقيق لإدانته؛ يحتاج فقط إلى غرفة مونتاج؛ نضع فيها حلقةً قديمةً إلى جوار حلقة جديدة، وتصريح الدولار أمام شاشة البنك، وحديث العدالة أمام محاضرة الخفافيش، وصورة المعارض بجوار مقعد القائمة.

عندها ستتكفل المقارنة بالباقي.

فالرجل لم يفقد صوته؛ صوته لا يزال عالياً كما كان، الذي تغير هو الجهة التي يصل إليها الصوت.

والكارثة ليست فيمن يخفض صوته بعد الخوف، بل فيمن يحتفظ بعلوه بعد التحول؛ لأن الصوت العالي حين يغير موقعه لا يصبح شجاعة، بل إعلاناً مدفوعاً..

يوسف الحسيني هو عنوان لزمن يعيد تدوير المعارضين

يأخذ الحجر من يد المحتج، ويحوله إلى طوبة في جدار السلطة؛ يأخذ الشوكة من خصر الحكومة، ويعيدها دبوساً في ياقة البدلة.

يأخذ الرفيق الثائر، ويعيده موظفاً رسمياً في الخدمة المعتمدة.

وهو تحول قد لا يحدث في علم السياسة المعروف، لكنه يحدث بسهولة في “مدينة البهائم”، حيث تظل “أم عطيات” دادة رغم لقب الرفيقة، ويظل يوسف رفيقاً في النبرة رغم أن الوظيفة تغيرت.

الخبر السار، أن الذاكرة العامة ليست “ريموت كنترول” في يد المذيع, فلا يستطيع أن يغير القناة ثم يطلب من المشاهدين نسيان الحلقات السابقة

و”إن كنت ناسي اللي جرى، هات الحلقات السابقة لنشاهدها، عندها سيقرر المشاهد: هل يشاهد إعلامياً راجع أفكاره، أم طبالاً غيَّر الفرقة واحتفظ بالعصا!

شارك المقال: