تقارير

تقرير أوروبي: أوراق الصين الخطيرة في مباحثات بكين

تبدو زيارة ترامب وكأنها جزء من صراع أوسع حول من يمتلك المعرفة والسيطرة على البنية الصناعية العالمية في القرن الحادي والعشرين

مشاركة:
حجم الخط:

قبل أن يصل ترامب إلى بكين!

تكشف زيارة دونالد ترامب إلى الصين في هذا التوقيت عن تحول أعمق بكثير من مجرد محاولة لإدارة التوتر التجاري بين واشنطن وبكين.

فالدراسة الصادرة اليوم عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية ترى أن الصين لا تتعامل مع المواد الخام النادرة باعتبارها مجرد سلعة اقتصادية، ولكن باعتبارها “سلاحا جيوسياسيا” قادرا على إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.

وفي ظل اعتماد الصناعات الغربية المدنية والعسكرية على المعادن النادرة الصينية، أصبحت بكين تمتلك ما يشبه “زر التحكم” في جزء كبير من الاقتصاد الصناعي العالمي.

ومن هنا، فإن أي زيارة لترامب إلى الصين لا يمكن فصلها عن إدراك أمريكي متزايد بأن واشنطن تواجه خصما يملك أدوات ضغط تتجاوز الرسوم الجمركية والعقوبات التقليدية. 

الورقة الأوروبية تشير بوضوح إلى أن الصين نجحت خلال العقود الماضية في بناء احتكار شبه كامل لسلاسل القيمة الخاصة بالمواد الخام الحرجة، خصوصا في مراحل التكرير والمعالجة الصناعية، وليس فقط التعدين.

هذه النقطة شديدة الأهمية لأن الغرب كان يعتقد لسنوات أن امتلاكه للتكنولوجيا المتقدمة يكفي للحفاظ على التفوق الصناعي والعسكري، لكنه اكتشف أن الصين تسيطر على “العصب المادي” لهذه التكنولوجيا.

ولهذا فإن زيارة ترامب تأتي في لحظة تشعر فيها الولايات المتحدة بأن الحرب التجارية السابقة لم تعد كافية لاحتواء الصين، لأن بكين باتت تملك قدرة فعلية على تعطيل الصناعات الدفاعية والطاقة والاتصالات الأمريكية والأوروبية عبر التحكم في تدفق المعادن الحيوية. 

حرب إيران تضع ترامب تحت الضغط قبل قمة بكين مع شي جينبينغ

دبلوماسية “الهاوية” في المدينة المحرمة

اللافت في التقرير أن الصين لم تستخدم هذا السلاح بشكل شامل وفوري، بل استخدمته بطريقة تدريجية ومدروسة للغاية.

فبكين لم توقف الصادرات تماما، بل خفضتها وأعادت زيادتها بشكل انتقائي وتحت رقابة صارمة، بما يسمح لها بإيصال رسالة ردع دون دفع الغرب إلى الانفصال الكامل عنها.

هذه الاستراتيجية تعكس عقلية صينية طويلة المدى تختلف عن العقلية الأمريكية التقليدية القائمة على العقوبات السريعة والمباشرة.

ولذلك فإن زيارة ترامب للصين تحمل أيضا اعترافا ضمنيا بأن واشنطن تحتاج إلى التفاهم مع بكين، حتى وهي تحاول احتواءها، لأن الانفصال الكامل قد يسبب صدمة اقتصادية عالمية لا تستطيع الولايات المتحدة نفسها تحملها حاليا. 

 

ترامب في مهمة صعبة في بكين
ترامب في مهمة صعبة في بكين

أحد أخطر ما تشير إليه الدراسة الأوروبية هو أن الصين استخدمت تراخيص تصدير المعادن النادرة كأداة استخبارات اقتصادية.

فالشركات الأجنبية أصبحت مطالبة بتقديم معلومات تفصيلية عن مواقع الإنتاج والمنتجات والجهات النهائية المستخدمة لهذه المعادن، ما يسمح لبكين برسم خريطة دقيقة للشبكات الصناعية الغربية، بما في ذلك الصناعات الدفاعية.

وهذا يعني أن الصين لم تعد فقط موردا أساسيا، بل أصبحت تمتلك معرفة عميقة ببنية الاقتصاد العسكري الغربي نفسه.

وفي هذا السياق، تبدو زيارة ترامب وكأنها جزء من صراع أوسع حول من يمتلك المعرفة والسيطرة على البنية الصناعية العالمية في القرن الحادي والعشرين. 

الوثيقة تضع مسألة تايوان في قلب الحسابات الصينية. فالرئيس تشي جينبينج Xi Jinping يرى أن بناء “حصن صناعي وتكنولوجي مكتف ذاتيا” ضروري استعدادا لاحتمال مواجهة كبرى حول تايوان أو صدام طويل مع الولايات المتحدة.

ومن هنا فإن سياسة الصين تجاه المعادن النادرة ليست مجرد رد فعل على العقوبات الأمريكية.

فهي جزء من تصور استراتيجي أشمل يقوم على تحصين الصين ضد أي حصار اقتصادي محتمل.

لذلك فإن أي تفاهم بين ترامب والصين لن يكون مجرد اتفاق تجاري، بل سيكون مرتبطا أيضا بإدارة احتمالات الحرب الباردة الجديدة في آسيا. 

التقرير يكشف كذلك أن أوروبا فوجئت بحجم الضرر الذي يمكن أن تسببه الصين عبر تقليص الإمدادات فقط، دون الوصول إلى مرحلة القطع الكامل.

فقد ارتفعت تكاليف الإنتاج، وتعطلت بعض خطوط الإمداد، وظهرت مخاوف حقيقية بشأن الصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة والرقائق الإلكترونية.

هذا يعني أن الصين نجحت في إثبات قدرتها على إلحاق الضرر دون إطلاق رصاصة واحدة. ومن هنا فإن زيارة ترامب تعكس إدراكا أمريكيا بأن أدوات القوة العالمية لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بسلاسل التوريد والموارد الاستراتيجية والتحكم في التكنولوجيا الصناعية الأساسية. 

واحدة من أهم النقاط التي تثيرها الدراسة هي أن الصين لا تستهدف الولايات المتحدة وحدها، بل تستخدم هذه السياسة لإعادة تشكيل سلوك الحلفاء الغربيين أيضا.

فبكين استخدمت ملف المعادن النادرة للضغط على أوروبا في ملفات مثل الرسوم الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية.

أي أن الصين تربط بين الاقتصاد والتجارة والسياسة الخارجية بطريقة شاملة للغاية. وهذا ما يجعل زيارة ترامب للصين أكثر تعقيدا، لأنها ليست مجرد تفاوض ثنائي، بل جزء من معركة أوسع حول إعادة صياغة قواعد الاقتصاد العالمي نفسه. 

الوثيقة الأوروبية تحذر أيضا من أن الولايات المتحدة واليابان حققتا تقدما أكبر من أوروبا في محاولات تنويع سلاسل الإمداد، عبر تقديم دعم حكومي مباشر ومكثف لشركات التعدين والتكرير.

لكن حتى هذه الجهود لا تزال بعيدة عن كسر الهيمنة الصينية بالكامل قبل 2035 على الأقل. وهذا يعني أن الصين ما زالت تمتلك نافذة زمنية طويلة نسبيا تستطيع خلالها استخدام هذا النفوذ كسلاح ردع اقتصادي.

وبالتالي فإن زيارة ترامب تأتي بينما تدرك واشنطن أن الوقت لا يعمل بالكامل لصالحها، وأن إعادة بناء سلاسل التوريد الغربية ستحتاج سنوات ضخمة من الاستثمار والتنسيق الصناعي. 

من الزاوية العسكرية، تبدو المسألة أكثر خطورة. التقرير يؤكد أن أنظمة الرادار والصواريخ والطائرات المسيرة والغواصات والمقاتلات الحديثة تعتمد على المعادن النادرة والغاليوم والجرمانيوم.

وهذا يعني أن أي اضطراب طويل في الإمدادات قد يؤثر مباشرة على قدرة الغرب على إعادة التسلح أو خوض حرب طويلة الأمد.

هنا يتحول ملف المعادن من قضية اقتصادية إلى قضية أمن قومي بامتياز. ولذلك فإن زيارة ترامب للصين لا تنفصل عن القلق الأمريكي المتزايد من أن التفوق العسكري الأمريكي نفسه قد يصبح رهينة لسلاسل توريد تسيطر عليها بكين. 

الدراسة تكشف أيضا عن تحول عميق في مفهوم الردع العالمي.

ففي الحرب الباردة القديمة كان الردع قائما على الأسلحة النووية والتوازن العسكري، أما اليوم فإن الردع بات يشمل القدرة على تعطيل الاقتصاد والصناعة والطاقة والاتصالات.

الصين تدرك أن اعتماد الغرب على المعادن النادرة يمنحها قدرة على “الردع الصامت”، أي التهديد بإحداث شلل اقتصادي دون اللجوء إلى الحرب المباشرة.

وهذا ما يجعل زيارة ترامب جزءا من إعادة تعريف القوة العالمية نفسها، حيث لم تعد حاملات الطائرات وحدها هي معيار النفوذ. 

واحدة من أكثر النقاط إثارة في التقرير هي أن الصين لا تسعى فقط إلى حماية نفسها، بل أيضا إلى إبقاء الأسواق الغربية مفتوحة لاستيعاب فائض صادراتها المدعومة حكوميا.

بكين تريد اقتصادا عالميا يسمح لها بالتصدير بحرية، بينما تحتفظ هي بأدوات الهيمنة على المواد الأساسية.

بمعنى آخر، الصين تريد عولمة انتقائية: انفتاح عالمي على المنتجات الصينية، مقابل اعتماد عالمي على الموارد التي تتحكم فيها الصين.

ومن هنا فإن زيارة ترامب تبدو أيضا محاولة لفهم كيف يمكن التعامل مع نموذج اقتصادي لا يشبه الرأسمالية الغربية التقليدية. 

التقرير الأوروبي يلفت الانتباه إلى أن الصين طورت هذه الهيمنة عبر عقود من الدعم الحكومي المنهجي، ما جعل أي إنتاج منافس خارج الصين غير مربح اقتصاديا.

فالشركات الغربية كانت تنهار أمام الأسعار الصينية المنخفضة المدعومة من الدولة.

هذا يعني أن الغرب لم يخسر فقط بسبب الإهمال، بل أيضا بسبب تمسكه بقواعد السوق الحرة في مواجهة اقتصاد تديره الدولة الصينية استراتيجيا.

ولذلك فإن زيارة ترامب قد تعكس أيضا تحولا أمريكيا أوسع نحو قبول دور أكبر للدولة في حماية الصناعات الاستراتيجية الأمريكية. 

من النقاط الجوهرية كذلك أن الصين أصبحت تستخدم سياسة “التصعيد للردع”، أي أنها تترك دائما إمكانية زيادة الألم الاقتصادي قائمة.

فبكين تستطيع في أي لحظة توسيع القيود لتشمل مواد إضافية أو مكونات صناعية أخرى مثل أشباه الموصلات والكيماويات المتقدمة.

هذا الغموض الاستراتيجي يمنح الصين نفوذا نفسيا وسياسيا هائلا، لأن الأسواق والشركات الغربية تبقى في حالة قلق دائم.

ولذلك فإن زيارة ترامب لا تتعلق فقط بحل أزمات حالية، بل بمحاولة منع انفجار أزمات أكبر مستقبلا. 

الورقة تكشف أيضا أن أوروبا بدأت تدرك متأخرة أن “إزالة المخاطر” مع الصين لا تعني فقط تنويع الموردين، بل إعادة بناء قاعدة صناعية كاملة.

فالصين لا تسيطر فقط على التعدين، بل على التكرير والمعالجة وإنتاج المغناطيسات الدائمة والمكونات الوسيطة. أي أن الهيمنة الصينية متغلغلة في كل حلقات السلسلة الصناعية.

ولهذا فإن زيارة ترامب للصين تجري في عالم لم يعد فيه ممكنا فصل الاقتصاد عن الأمن القومي أو التكنولوجيا عن الجغرافيا السياسية. 

التقرير يوضح أن الولايات المتحدة تحاول استخدام أدوات غير تقليدية لمواجهة الصين، مثل وضع “حد أدنى للأسعار” لدعم شركات التعدين والتكرير الأمريكية حتى لا تنهار أمام الإغراق الصيني.

وهذا يعكس تحولا مهما في الفكر الاقتصادي الأمريكي من الاعتماد المطلق على السوق إلى استخدام أدوات صناعية شبه حمائية.

وبالتالي فإن زيارة ترامب إلى الصين تأتي بينما تتحول الولايات المتحدة نفسها تدريجيا إلى نموذج أكثر تدخلا في الاقتصاد، في مواجهة النموذج الصيني القائم على الرأسمالية المدعومة من الدولة. 

أحد الاستنتاجات المهمة في الدراسة أن أوروبا والولايات المتحدة تخشيان ليس فقط من فقدان المواد الخام، بل أيضا من فقدان القدرة على الابتكار الصناعي مستقبلا.

فالتكنولوجيا الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة المتجددة والحوسبة الكمية، تعتمد بشكل متزايد على المعادن النادرة.

وبالتالي فإن الصراع الحالي ليس مجرد صراع على التجارة، بل على من سيقود الثورة الصناعية القادمة. وهذا ما يمنح زيارة ترامب بعدا تاريخيا أكبر من مجرد قمة سياسية عابرة. 

التقرير يلمح كذلك إلى أن الصين تستخدم هذه الأدوات لتعميق الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها.

فحين تعاني أوروبا من نقص الإمدادات بينما تحاول واشنطن تأمين احتياجاتها أولا، تظهر توترات داخل المعسكر الغربي نفسه.

وهذا يخدم بكين استراتيجيا لأنها تدرك أن وحدة الغرب هي أحد أكبر مصادر القوة الأمريكية.

ولذلك فإن زيارة ترامب للصين تحدث في لحظة تحاول فيها واشنطن الحفاظ على تماسك التحالفات الغربية في مواجهة ضغوط اقتصادية متزايدة. 

كما تكشف الورقة أن الصين لا ترى هذه المواجهة كأزمة قصيرة الأجل، بل كصراع طويل على إعادة تشكيل النظام الدولي.

فبكين تعمل على ضمان أن تكون “لا غنى عنها” في الاقتصاد العالمي، بحيث يصبح من الصعب على أي دولة الدخول في مواجهة شاملة معها دون تحمل تكاليف هائلة.

وهذا يعكس تحولا من مفهوم “مصنع العالم” إلى مفهوم “مركز التحكم في العالم الصناعي”

وبالتالي فإن زيارة ترامب ليست فقط محاولة لتخفيف التوتر، بل اعتراف ضمني بأن الصين نجحت في تغيير قواعد اللعبة العالمية. 

في الخلفية أيضا يظهر القلق الغربي من أن تتحول المعادن النادرة إلى ما يشبه “سلاح النفط” الجديد، لكن بصورة أكثر خطورة وتعقيدا.

فبينما كان النفط موردا يمكن نسبيا تنويع مصادره، فإن كثيراً من المعادن النادرة يعتمد على قدرات تكرير ومعالجة تحتكرها الصين بشكل شبه كامل.

وهذا يعني أن العالم قد يدخل مرحلة يصبح فيها أمن التكنولوجيا والطاقة والصناعة مرتبطا مباشرة بقرارات بكين.

لذلك فإن زيارة ترامب تحمل أبعادا تتجاوز السياسة الأمريكية الداخلية إلى مستقبل النظام الاقتصادي العالمي كله. 

الخلاصة الأعمق التي تفرضها هذه الدراسة هي أن العالم يدخل مرحلة جديدة من “الجيو-اقتصاد”، حيث تتحول سلاسل الإمداد إلى أدوات نفوذ وردع وصراع استراتيجي.

الصين لم تعد فقط منافسا تجاريا للولايات المتحدة، بل أصبحت قوة قادرة على استخدام الترابط الاقتصادي العالمي كسلاح سياسي.

ومن هنا فإن زيارة ترامب إلى الصين ليست مجرد محاولة لعقد صفقة أو تخفيف توتر، بل جزء من مواجهة تاريخية حول من يملك مفاتيح الاقتصاد الصناعي العالمي في القرن الحادي والعشرين، ومن يحدد شكل النظام الدولي القادم بعد نهاية عصر العولمة الليبرالية التقليدية.

مصدر التقرير: صفحة الكاتب الصحفي عزت إبراهيم فيسبوك 

شارك المقال: