تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

دبلوماسية “الهاوية” في المدينة المحرمة

تأتي القمة فوق أنقاض تفاهمات دولية تداعت تحت وطأة الصراع العسكري المشتعل مع إيران.

مشاركة:
حجم الخط:

ترامب وشي في مواجهة حاسمة

تقرير يكتبه محمد فؤاد

رسم خارطة الشرق الأوسط وتوازنات الاقتصاد العالمي

تستعد العاصمة الصينية بكين لاستقبال الحدث الجيوسياسي الأبرز في العقد الحالي، حيث يحل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضيفاً على نظيره شي جين بينغ في قمة ثنائية.

تأتي القمة فوق أنقاض تفاهمات دولية تداعت تحت وطأة الصراع العسكري المشتعل مع إيران.

وفي ظل حالة من الترقب المشوب بالحذر يسود الأسواق العالمية التي تنظر إلى “المدينة المحرمة” باعتبارها المحطة الأخيرة التي قد تمنع انزلاق القوتين العظميين نحو مواجهة شاملة.

أو تدشن حقبة جديدة من “المقايضات الكبرى” التي تضحي بملفات إقليمية شائكة مقابل استقرار سلاسل التوريد وتدفقات الطاقة العالمية.

كواليس “قمة الحسم” في بكين 2026

1. مراسم الاستقبال والبرنامج الزمني

تأكد رسمياً أن طائرة “إير فورس وان” ستهبط في مطار بكين العاصمة مساء الأربعاء 13 مايو. وقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، “آنا كيلي”، أن البرنامج يتضمن نقاطاً رمزية عالية المستوى:
 زيارة “معبد السماء” (Temple of Heaven):

خطوة بروتوكولية تهدف لإظهار “التناغم” قبل الدخول في الملفات الشائكة.

 مأدبة الدولة:

سيقيم الرئيس شي جين بينغ مأدبة عشاء رسمية في قاعة الشعب الكبرى مساء الخميس 14 مايو.

حرب إيران تضع ترامب تحت الضغط قبل قمة بكين مع شي جينبينغ

قمة بكين تحت ضغط حرب إيران

2- تركيبة الوفد الأمريكي: عسكرة التجارة وتكنوقراطية “الصفقات المليارية”

يُرافق ترمب وفدٌ يمزج بين العائلة، السياسة، والمال، مما يعكس نهجه في “دبلوماسية الصفقات”:
• الجناح العائلي:

تأكد حضور إريك ترمب وزوجته لارا بصفة شخصية، مما يعيد للأذهان نمط الزيارات العائلية في ولايته الأولى.
• جناح الأعمال:

يضم الوفد رؤساء تنفيذيين لشركات عملاقة، على رأسهم الرئيس التنفيذي لشركة بوينغ وشركة ماستركارد، لبحث صفقات توريد طائرات وفتح قطاع الخدمات المالية.

 الجناح السياسي:

يقوده صقور الإدارة المعنيون بملفات التجارة والذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بمناقشة تخفيف “قانون الأمن الحيوي” مقابل تنازلات صينية في ملف المعادن النادرة.

وفي خطوة تعكس إصرار البيت الأبيض على دمج الملفات الأمنية بالاقتصادية.

يرافق الرئيس ترمب وفد رفيع المستوى يضم “صقور” الإدارة وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتبنى نهجاً متشدداً تجاه النفوذ الإيراني، جنباً إلى جنب مع هوارد لوتنيك وزير التجارة وروبرت لايتهايزر،.

حيث يهدف هذا التشكيل إلى انتزاع التزامات صينية واضحة بتقليص الاعتماد على النفط الإيراني ووقف دعم المصافي “المستقلة” التي تلتف على العقوبات.

وذلك مقابل تقديم إعفاءات تكنولوجية لشركات الرقائق الصينية والسماح لمصنعي السيارات الكهربائية بدخول السوق الأمريكية تحت رقابة مشددة.
وهو ما تصفه مصادر “بلومبرغ” بأنه محاولة لفرض “سلام تجاري” مدفوع بضرورات الأمن القومي.

3- وبناءً على التقارير التحليلية الصادرة عن معهد العلاقات الخارجية (CFR) ومؤسسة “تشاتام هاوس”، يمكن صياغة المحاور الفنية المنتظرة في القمة ضمن السياق التحليلي التالي:

 تتصدر الأزمة الإيرانية واجهة الملفات الساخنة 

حيث تعتزم واشنطن ممارسة ضغوط مكثفة على بكين لدفعها نحو الوقف الفوري لشراء النفط الإيراني وضمان تأمين الملاحة في مضيق هرمز.

بينما تتأهب الصين لتقديم مقترح “مقايضة استراتيجية” يقوم على لعب دور الوسيط لتهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط مقابل الحصول على تنازلات أمريكية ملموسة تتعلق بتخفيف القيود المفروضة على قطاع الرقائق الإلكترونية الصيني.

 في مضمار التنافس التكنولوجي

يسعى الجانب الأمريكي لفتح “حوار مستهدف” يركز بشكل حصري على معايير سلامة الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره السيبرانية.

في حين يتبنى الجانب الصيني موقفاً دفاعياً هجومياً عبر الاحتجاج الرسمي على ضوابط التصدير الأمريكية الصارمة التي تحرم الشركات الصينية من الوصول إلى الرقائق الأكثر تقدماً في العالم.

 أما فيما يخص ملف تايوان الحساس،

فتتمسك الولايات المتحدة بسياسة “الغموض الاستراتيجي” مع الاستمرار في صفقات مبيعات الأسلحة لتعزيز القدرات الدفاعية للجزيرة،.
وهو ما يقابله إصرار صيني على ممارسة ضغوط دبلوماسية رفيعة المستوى لإجبار الإدارة الأمريكية على تغيير لغة خطابها السياسي.

وتجنب أي تلميحات تدعم “استقلال تايوان” معتبرة ذلك خطاً أحمر لا يقبل المساومة في أي تسوية شاملة.

4- اختبار “الوساطة الصينية” بين مطرقة واشنطن وسندان طهران

تجد بكين نفسها في موقف دقيق للغاية، فبينما تسعى جاهدة لحماية أمن طاقتها الذي يعتمد بشكل كبير على الخام الإيراني.
تدرك أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز سيكلف اقتصادها المنهك خسائر تريليونية لا يمكن تعويضها.

لذلك تشير تقارير “معهد بروكينغز” إلى أن شي جين بينغ قد يعرض على ترمب دور “الضامن الإقليمي” الذي يضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة، شريطة أن تلتزم واشنطن برفع القيود عن صادرات معدات تصنيع الرقائق (14 و7 نانومتر)

وهو ما يضع النظام الإيراني أمام مخاوف جدية من أن تتحول علاقتهم الاستراتيجية مع بكين إلى ورقة مساومة في “صفقة القرن” التجارية الكبرى.

5- ردود الفعل الأوروبية: فوبيا التهميش وصعود القطبية الثنائية

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تسود حالة من الامتعاض المكتوم في بروكسل وباريس وبرلين.

حيث تخشى العواصم الأوروبية من أن يؤدي نجاح “ثنائية ترمب-شي” إلى تهميش دور الاتحاد الأوروبي في صياغة قواعد النظام العالمي الجديد.

خاصة وأن واشنطن بدأت تتحرك بمعزل عن حلفائها التقليديين في إدارة الأزمة الإيرانية.

مما دفع محللي “تشاتام هاوس” للتحذير من أن أوروبا قد تجد نفسها مجبرة على قبول نتائج قمة بكين كأمر واقع، سواء فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في الخليج.
أو بالمعايير التقنية للذكاء الاصطناعي التي سيتم الاتفاق عليها بين القطبين الأكبر.

6 السيناريوهات الاقتصادية: الأسهم الصينية وقوة اليوان تحت المجهر

يراقب المستثمرون في “وول ستريت” وبورصة شنغهاي نتائج هذه القمة بآمال معقودة على خفض “علاوة المخاطر” الجيوسياسية.

حيث يرى خبراء “جيه بي مورغان” أن أي إشارة إلى تهدئة عسكرية في ملف إيران ستؤدي فوراً إلى تدفق الاستثمارات نحو الأسهم الصينية التي عانت من ركود طويل.

كما أن استقرار إمدادات العناصر الأرضية النادرة، التي تسيطر عليها الصين بنسبة 70%، سيظل رهناً بمدى مرونة ترمب في ملف الرسوم الجمركية.

وهو التوازن الدقيق الذي سيحدد ما إذا كانت قمة بكين 2026 ستدخل التاريخ كبوابة للسلام العالمي.

أم كبداية لفرز دولي جديد يضع العالم على حافة مواجهات أكثر ضراوة.

شارك المقال: