ترجمات

ترامب في مواجهة “أزمة سويس” جديدة:

حذّر محللون اقتصاديون وخبراء طاقة من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسير نحو ما وصفوه بـ"أزمة سويس أمريكية"، إذ بدأ الحرب على إيران دون أن يُعدّ لتداعياتها الاقتصادية، في وقت يرزح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمة طاقة متصاعدة جراء إغلاق مضيق هرمز وتوقف ملايين البراميل اليومية عن التدفق.

مشاركة:
حجم الخط:

ترجمة وإعداد: عزت إبراهيم صحفي بالأهرام

حذّر محللون اقتصاديون وخبراء طاقة من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسير نحو ما وصفوه بـ”أزمة سويس أمريكية”، إذ بدأ الحرب على إيران دون أن يُعدّ لتداعياتها الاقتصادية، في وقت يرزح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمة طاقة متصاعدة جراء إغلاق مضيق هرمز وتوقف ملايين البراميل اليومية عن التدفق.

صدمة النفط والغاز: أرقام مقلقة

قدّر خبراء بنك سوسيتيه جنرال أن الحرب أسفرت عن توقف نحو 17 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط العالمية، ما يعادل سُدس الاستهلاك العالمي، فيما باتت توقعات بلوغ سعر البرميل 200 دولار في عام 2026 ضمن سيناريوهات جدية لدى كبرى مؤسسات الطاقة.

وقال سيمون فلاورز، رئيس مؤسسة وود ماكنزي للاستشارات، إن هذا السقر السعري ليس خارج نطاق الاحتمالات، فيما رجّح محللون آخرون أن وصول النفط إلى 150 دولارًا كفيل بتحطيم القاعدة الانتخابية لترامب، أما الـ200 دولار فقد يطيح برئاسته بالكامل.

وعلى صعيد الغاز الطبيعي، تشير التقارير إلى أن صناديق استثمارية كبرى تراهن على وصول أسعار العقود الآجلة الأوروبية لشهر سبتمبر إلى 200 يورو لكل ميغاواط ساعة، مقارنة بنحو 26 يورو قبل أسابيع قليلة فحسب.

احتياطيات مستنزفة وموانئ مشلولة

كشفت المعطيات الميدانية عن هشاشة حادة في البنية اللوجستية للطاقة الإقليمية؛ إذ نفد مخزون العراق من قدرات التخزين واضطر إلى تخفيض إنتاجه بـ3 ملايين برميل يوميًا، فيما اتخذت الكويت خطوات مماثلة، وتستعد أبوظبي للانضمام إليها خلال أيام.

أما السعودية، فقد تضررت حقول السفانية ومرجان وظلوف وأبو صفا جراء هجمات الطائرات المسيّرة، ما أفضى إلى خفض إنتاجها بأكثر من مليوني برميل يوميًا. وتُحاول الرياض تحويل جزء من صادراتها عبر خط الأنابيب الشرق-غرب نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، غير أن الميناء يقع ضمن مدى الطائرات المسيّرة الحوثية.

وقال جيم بوركهارد، كبير محللي النفط في مؤسسة S&P Global Energy، إن إعادة تشغيل حقول بهذا الحجم بعد توقفها ستمثل “عملية تقنية هائلة”، مشيرًا إلى أن الأضرار التي تلحق بضغط الآبار وخطوط التدفق قد تصبح دائمة إذا تجاوز التوقف شهرًا.

عجز أمريكي مركّب: احتياطي النفط وقوة الأسطول

تكشف الأرقام عن فجوة استراتيجية مقلقة؛ فالاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي لا يغطي سوى 21 يومًا من الاستهلاك، في حين يُقدَّر الاحتياطي الصيني بما يكفي لـ120 يومًا على الأقل، وفق التقديرات المتاحة.

وعلى صعيد القدرة البحرية، لا تمتلك الولايات المتحدة في منطقة الخليج حاليًا سوى 12 سفينة حربية، مشغولة بالكامل في دعم العمليات القتالية. وتحتاج حماية حركة الناقلات التجارية وحدها إلى أسطول لا يقل عن 20 سفينة مرافقة، إضافة إلى كاسحات ألغام أوروبية غير متوفرة في المنطقة.

وفي هذا السياق، أوضحت هليما كروفت، المحللة السابقة في وكالة المخابرات المركزية (CIA) والمديرة الحالية في RBC Capital، أن محاولة تحريك الأسطول الضخم من الناقلات العالقة على جانبي هرمز قد تتجاوز الحد القانوني للمخاطر الذي تتحمله الوكالة الأمريكية البالغ 205 مليارات دولار، مضيفةً أن إيران لا تزال تمتلك ترسانة من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى وزوارق سريعة محملة بالمتفجرات قادرة على استهداف السفن.

البُعد الصيني: سفينة استخباراتية تُعقّد المشهد

يُضاف إلى هذه التحديات تطور بالغ الخطورة يتمثل في نشر الصين سفينة الاستخبارات الإلكترونية المتطورة لياووانغ-1في المنطقة، مدعومةً بمدمرات حربية. ووصفتها مجلة Defence Security Asia بأنها “حاسوب عملاق عائم” قادر على معالجة بيتابايتات من البيانات لرسم خريطة شاملة لساحة المعركة الجوية وتزويد الإيرانيين ببيانات آنية عن تحركات الطيران الأمريكي والإسرائيلي.

الأمريكيون يدفعون الثمن عند محطات الوقود

لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الخليج؛ إذ قفز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة من 2.90 دولار للجالون في منتصف فبراير إلى نحو 3.50 دولار حاليًا، فيما تضاعف سعر الديزل إلى 4.60 دولار، وارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة أكبر.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمريكيين يقودون سياراتهم لمسافات سنوية تعادل ضعف نظيريهم الأوروبيين، بينما يبلغ متوسط كفاءة الوقود في سياراتهم نصف المستوى الأوروبي، ما يجعلهم أكثر عرضة بأربعة أضعاف لتقلبات الأسعار. ونفى ترامب أن يؤثر ذلك على الأمريكيين بدعوى أن بلاده أصبحت مُصدِّرًا صافيًا للوقود، غير أن هذا الكلام يتجاهل أن النفط سلعة عالمية موحدة السعر، وأن الولايات المتحدة لا تزال تستورد نحو 9 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية.

قياس خسائر المنطقة أبعد من النفط

تُذكّر هذه الأزمة بأن المنطقة باتت اليوم تُنتج 30% من اليوريا العالمية وتُزوّد المزارعين الأمريكيين بـ20% من احتياجاتهم من الأسمدة في موسم زراعي حرج. كما تتحمل مسؤولية إنتاج ثُمن البولي بروبيلين والإيثيلين العالميين، وعُشر إنتاج الألومنيوم الكوني. العالم في عام 2026 أكثر اعتمادًا على الخليج مما كان عليه إبان الحظر النفطي العربي عام 1973.

سؤال بـ 200 دولار

يبقى السؤال الجوهري معلقًا: أيّ وجهَي ترامب سينتصر في هذا الصراع الداخلي؟ خشيته من خسارة انتخابات التجديد النصفي، أم كبرياؤه وحاجته النفسية إلى فرض هيمنته في كل مكان؟

قال الحرس الثوري الإيراني في بيانه الأخير: “نحن من سيحدد نهاية هذه الحرب”. وبينما تنتظر الأسواق إعلان ترامب “النصر”، يبدو أن إيران لا تنوي تسهيل المهمة عليه.

المصدر: تحليل أمبروز إيفانز-بريتشارد، المحرر الدولي للشؤون الاقتصادية في صحيفة ديلي تلغراف البريطاني

ترجمة وإعداد: عزت إبراهيم صحفي بالأهرام

 

 

شارك المقال: