أحمد رجب شلتوت يقرأ: رواية (سبع شداد) حين تصبح الذاكرة طريقا للعودة(1/2)
الأرض والكتابة والجذور والذاكرة تنتمي في الرواية إلى حقل دلالي واحد. الوطن الذي تعجز الشخصيات عن الوصول إليه جغرافيًا يمكنها أن تستعيده لغويًا ووجدانيًا.
غلاف رواية سبع شداد للروائية الفلسطينية نردين أبو نبعة
تتناسل المآسي والنكبات في رواية “سبع شداد” للفلسطينية “نردين أبو نبعة” فالنكبة الأولى تعيد إنتاج نفسها في أماكن وأزمنة أخرى، ما يحدث في مخيم اليرموك يستدعي ما سبق حدوثه في فلسطين، وما يحدث للأبناء يستعيد حكايات الجدات
يبدو الماضي حاضرًا لا ينقطع، ويصبح التهجير خبرة تتوارثها الأجيال.
من هنا تبدو دلالة العنوان أكثر اتساعًا من الإحالة القرآنية المباشرة إلى سنوات القحط؛ فالـسبع الشداد في الرواية ليست مجرد سنوات محددة بقدر ما هي زمن طويل من المحنة.
تبدأ الرواية من حكاية “ظريف الطول”، في بناء يبدو قريبًا من الحكاية الشعبية، ثمة رجل غريب يأتي إلى قرية فلسطينية، يحبه أهلها ويثقون به، ثم تتحول القرية إلى فضاء للحصار والجوع والمقاومة.
هذه الحكاية الشعبية تأتي بوصفها طريقة لفهم الواقع، فالحكاية التي تتوارثها الأجيال تحفظ الماضي، وأيضا تساعد على تفسير الحاضر.
لذلك حين تتكرر صورة الجوع والحصار في مخيم اليرموك، تستعيد بيسان حكاية الصبية التي واجهت الجواسيس والعملاء، وتتساءل إن كانت أمها ستصبح بدورها الشرارة التي تغيّر كل شيء.
تصبح الحكاية نفسها وكأنها شخصية من شخصيات الرواية
فالأم خزامى لا تترك لابنتها بيسان ميراثًا ماديًا، وإنما تترك لها الكتب والأوراق والقلم وطريقة النظر إلى العالم.
الابنة، بعد غياب الأم، تستعيد ذكرياتها، وتبدأ في الكتابة إليها، وبالتالي تتحول الرسالة إلى وسيلة لمقاومة الغياب، تقول بيسان إن القلم يمكن أن يكون شراعًا حين يشتد الموج، وتكتشف تدريجيًا أن ما ورثته عن أمها ليس مجرد حب للكتابة، وإنما قدرة على تحويل الألم إلى معنى.
هنا تتشكل واحدة من أهم جماليات الرواية، “قصة داخل القصة”، فالأم كاتبة، والابنة تكتب إليها، والأب يقرأ أوراقها، ومؤيد وخزامى يتبادلان الكتب والهوامش والتعليقات، والشعراء الذين تقرأهم مهجة يصبحون جزءًا من الذاكرة الجماعية.
يصبح الكتاب وسيطًا للعلاقات بين البشر.
وحين تكتب خزامى ملاحظاتها على الكتب التي قرأها مؤيد، ثم يقرأ هو تعليقاتها، يصبح الكتاب مساحة للقاء شخصين قبل أن يجمع الحب بينهما.
تقول الرواية عن هذه العلاقة إن الكتب المتبادلة والكتابات على الهوامش كانت مرايا، يرى فيها كل منهما الآخر بوضوح أكبر.
هذا الاستخدام للكتاب يوازي استخدام الجدار في جزء آخر من الرواية.
فحين تبدأ بيسان في رسم ظلال الشهداء على جدران المخيم وكتابة عباراتهم، تتحول الكتابة من الورق إلى المكان.

كأن الرواية تستعيد بالكتابة المكان نفسه.
فيصبح الجدار الذي يحمل آثار الحرب سطحًا للذاكرة، ويعود الشهيد في شكل صورة وكلمة، يبقيان الاسم حيا في الذاكرة.
من هنا يمكن فهم العلاقة العميقة التي تقيمها الرواية بين المقاومة والكتابة.
خزامى ترى الكتابة وسيلة للإمساك بالوطن وتثبيته في الذاكرة، والقلم عندها أشبه بالمحراث الذي ينبش الأرض ويعيد للجذور رطوبتها.
هذه الاستعارة ليست عابرة، فالأرض والكتابة والجذور والذاكرة تنتمي في الرواية إلى حقل دلالي واحد. الوطن الذي تعجز الشخصيات عن الوصول إليه جغرافيًا يمكنها أن تستعيده لغويًا ووجدانيًا.
الجوع، تحديدًا، أحد أهم الأدوات التي تستخدمها الرواية لاختبار الإنسان.
ففي المخيم نجد الجوع قوة قادرة على تفكيك العلاقات والقيم، وقد تصير ربطة الخبز سببًا للموت، وقد تدفع المجاعة إنسانًا إلى بيع الجنة بكيلو من الأرز.
لذلك يتساءل مؤيد كيف استطاع بعض الناس أن يحتفظوا بإنسانيتهم وسط الحصار، هنا تعلن الرواية أن “الحرب اختبار حقيقي للنفس الإنسانية”
تكشف الحرب أسوأ ما في الإنسان، لكنها تكشف أجمل ما فيه أيضًا.
الجوع قد يجعل الإنسان وحشيًا، لكنه قد يجعله أكثر إحساسًا بآلام الآخرين.
ومن هنا تأتي صورة الرجل الذي يقسم الأرز القليل مع الآخرين، ثم يموت قبل أن يأكل منه. الأرز الذي كان يمكن أن يكون وسيلة للبقاء يصبح علامة على إنسانية صاحبه. وحين يوزع مؤيد نصيبه على مستحقيه بعد موت صديقه، يصبح الطعام نفسه رمزًا أخلاقيًا، وليس مجرد وسيلة للبقاء.
في مقابل الجوع تأتي الأمومة باعتبارها أحد أشكال المقاومة. خزامى أم، لكنها كاتبة، ومثقفة، وصاحبة موقف، وتدفع ابنتها إلى امتلاك أدواتها الخاصة في مواجهة العالم.

حين تغيب خزامى، تنتقل قوتها إلى بيسان، وبالتالي تبدو بيسان وكأنها الذاكرة الجمعية.
في البداية تقوم بالأدوار التي فرضتها عليها الحرب، مثل رعاية إخوتها، البحث عن الطعام، ومواجهة الخوف.
ثم تكتشف الكتابة والرسم، وتبدأ في إعادة بناء ذاتها.
تقول إن الدموع نفسها دليل على أنها ما زالت حية، ثم تكتشف أن القلم يمنحها القدرة على استئناف المعركة.
لكنها لا تصبح نسخة من أمها دفعة واحدة؛ بل تتشكل تدريجيًا من خلال التكرار. تتعلم طريقة أمها في الكلام، وفي النظر، وفي الجلوس إلى المكتب، وفي ترتيب الحكايات.
حتى عملية السرد نفسها تنتقل إليها. تقول إنها أصبحت تشبه أمها في نبرة الصوت والحركات والإيماءات وطريقة الإمساك بالقلم.
إذا كانت الأم تمثل الكتابة، فإن الأب يمثل الوجه الآخر اللازم لها، الحماية والاعتراف، فتصبح العلاقة بين خزامى وزوجها مساحة للتكامل.
الأب لا يخاف من كتابة زوجته ولا يحاول احتواء صوتها، بل يرى مهمته في حماية هذا الصوت.
في أوراق الأم تكتشف بيسان أن أباها كان يرى في كتابتها قوة، وأنه كان مؤمنًا بأن الكلمات يمكن أن تصبح أرواحًا تقاتل وتضيء الطريق.
بهذا المعنى، تقدم الرواية تصورًا خاصًا لدور المرأة في مقاومة المحو.
ليست المرأة في “سبع شداد” مجرد ضحية للحرب، إنها حافظة للذاكرة، وراوية للحكاية، وأمّ تربي، وكاتبة توثق، وامرأة تقرر البقاء، وأخرى ترسم على الجدران.
ولذلك تأتي العبارة التي تجعل الوطن قد يذبل ثم تعيده «كف امرأة» لتحمل تصور الرواية للمقاومة بوصفها فعلًا إنسانيًا يتسع للأمومة والكتابة والرعاية بقدر اتساعه للسلاح.
شاركنا برأيك