كاتب وكتاب
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

نهاية الجمهورية وبزوغ عصر الملك

يحلل المؤلف خطة ترامب لإعادة تصنيف آلاف الموظفين الفيدراليين (الذين كانوا تاريخياً مستقلين) ليصبحوا موظفين سياسيين يمكن تعيينهم وفصلهم بقرار رئاسي

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في كتاب ثوم هارتمان: آخر رئيس أمريكي

هل دقت ساعة الرحيل للديمقراطية العجوز؟
“لا ملوك في أمريكا”.. صرخة الملايين في وجه “القيصر”

لم تكن ليلة أمس ليلة عادية في تاريخ الولايات المتحدة؛ فقد استيقظ العالم على وقع أقدام أكثر من 8 ملايين متظاهر اجتاحوا شوارع واشنطن، نيويورك، شيكاغو، وصولاً إلى المدن الصغيرة في ألاسكا، ضمن ما عُرف بمسيرات “No Kings” (لا ملوك).

هذه المظاهرات، التي تُعد الأضخم في التاريخ الأمريكي، لم تخرج لمجرد الاعتراض على سياسات اقتصادية، بل جاءت كـ “انفجار شعبي” ضد ما وصفه المتظاهرون بـ “طغيان الملكية الجديدة” في البيت الأبيض.
وفي قلب هذا المشهد المشتعل، يبرز كتاب ثوم هارتمان الأحدث “The Last American President” (آخر رئيس أمريكي) كوثيقة اتهام سياسية وقانونية.

تفسر لماذا يشعر المواطن الأمريكي اليوم بأن “الجمهورية” التي تأسست قبل 250 عاماً قد لفظت أنفاسها الأخيرة، لتبدأ حقبة حكم الفرد الواحد.

ثوم هارتمان.. مؤرخ “النهايات” وصوت المقاومة

يُعد ثوم هارتمان، المفكر التقدمي الأبرز في أمريكا، الحارس الذي يرفض إغلاق عينيه أمام الانهيار.

في كتابه الصادر مؤخراً، لا يكتفي هارتمان بتحليل شخصية ترامب، بل يشرح “النظام” الذي سمح بصعوده. يرى هارتمان أن أمريكا لم تعد تُحكم بالدستور، بل بـ “نزوات” السلطة التنفيذية التي تحصنت بقرارات قضائية منحت الرئيس حصانة “ملكية”.

الكتاب هو مرثية لنظام التوازنات (Checks and Balances) الذي كان يوماً فخر الصناعة السياسية الأمريكية.

المظاهرات والصدام مع “الدولة الجديدة”

ربط هارتمان في كتابه بين تفكيك مؤسسات الدولة (عبر خطة Schedule F الفيدرالية) وبين قمع الحريات من خلال خطة (Schedule F) وتأميم “الدولة العميقة” وهوأحد أخطر فصول الكتاب هو الذي يتناول ما يسميه هارتمان “المذبحة الإدارية”.

يحلل المؤلف خطة ترامب لإعادة تصنيف آلاف الموظفين الفيدراليين (الذين كانوا تاريخياً مستقلين) ليصبحوا موظفين سياسيين يمكن تعيينهم وفصلهم بقرار رئاسي.
يقول هارتمان: “لقد انتهت أسطورة الموظف التكنوقراط المحايد؛ نحن الآن أمام جيش من الموالين الذين لا يدينون بالولاء للدستور، بل لشخص الرئيس”.

شعارات المتظاهرين في الولايات المتحدة 

هذا التغيير الهيكلي هو ما جعل هارتمان يطلق على ترامب لقب “آخر رئيس”، لأن القادمين بعده سيسيرون على ذات النهج، مما يعني تحول الإدارة الأمريكية إلى نظام “الولاءات الشخصية” بدلاً من “الكفاءة المؤسسية”.
وما شهدته الشوارع بالأمس من صدامات واعتقالات لم يتوقف عند حدود الهجرة، بل امتد ليشمل الغضب من “الحروب العبثية” – وعلى رأسها الحرب المندلعة مع إيران – والتدخل الفيدرالي العنيف في الولايات.

المتظاهرون الذين رفعوا شعار “الديمقراطية ليس لها ملوك” بالأمس، هم في الحقيقة يجسدون “الفصل الأخير” في كتاب هارتمان؛ الفصل الذي يتحدث عن المواجهة الحتمية بين الشعب الذي يريد “رئيساً” والسلطة التي تريد “ملكاً”

تداعيات “الزلزال الأمريكي” على الشرق الأوسط: الخريف العربي الجديد؟

لا يمكننا في “آخر الكلام” قراءة هذا المشهد الأمريكي بمعزل عن تداعياته على منطقتنا العربية.

إن تحول أمريكا من “ديمقراطية مؤسسية” إلى “أوليغارشية استبدادية” كما يصفها هارتمان، يحمل نتائج كارثية على الشرق الأوسط:
نهج “الصفقات الشخصية” لا المؤسسات: عندما يصبح الرئيس “ملكاً”، تنتهي السياسة الخارجية المبنية على المصالح القومية الثابتة، وتبدأ سياسة “المقايضات الشخصية” مع الزعماء.

هذا يعني أن استقرار منطقتنا سيظل رهيناً لـ “مزاج” واشنطن المتقلب وصفقات الغرف المغلقة.

تأجيج الصراعات الإقليمية:

يرى هارتمان أن الحرب الحالية مع إيران (التي بدأت في أوائل 2026) هي نتاج لغياب الرقابة البرلمانية على قرارات الرئيس.

هذه الحروب لا تهدف لتغيير الأنظمة بقدر ما تهدف لتثبيت “صورة القوة” للداخل الأمريكي، مما يحول الشرق الأوسط إلى ساحة تجارب دائمة.

تراجع “النموذج” الملهم:

لسنوات طويلة، كانت أمريكا تسوق لنفسها كنموذج للديمقراطية.

اليوم، ومع صعود “الملكية الجديدة” وقمع المظاهرات المليونية، تفقد واشنطن “قوتها الناعمة”.

هذا التراجع يعطي الضوء الأخضر للقوى الإقليمية لتبني نماذج حكم أكثر تشدداً، مع غياب أي صوت دولي يطالب بالإصلاح أو حقوق الإنسان.

الاقتصاد المتذبذب:

التحالف بين ترامب ومليارديرات التكنولوجيا (الأوليغارش الجدد) الذي حذر منه هارتمان، يعني سيطرة شركات كبرى على موارد الطاقة والطرق التجارية، مما قد يؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة.

تحالف المليارديرات.. عندما تحكم “الأوليغارشية”

لا يكتفي هارتمان بنقد ترامب كشخص، بل يحلل “البيئة الحاضنة” له.

يخصص الكتاب قسماً ضخماً للحديث عن دور “أباطرة التكنولوجيا والمال” (مثل إيلون ماسك وحلفائه) الذين دعموا عودة ترامب.
يجادل هارتمان بأن أمريكا انتقلت من “ديمقراطية الصوت الواحد” إلى “ديمقراطية الدولار الواحد”.

ويرى أن هؤلاء المليارديرات لا يبحثون عن الحرية، بل عن “الفوضى المنظمة” التي تسمح لهم بإدارة العالم من وراء ستار الرئيس.

الكتاب يكشف كيف تم دمج المصالح التجارية الكبرى بالقرار السيادي، لدرجة أصبح معها من الصعب التمييز بين “سياسة الدولة” و”أرباح الشركات”.

هل هي النهاية أم البداية؟

إن كتاب ثوم هارتمان “آخر رئيس أمريكي”، مدعوماً بمشاهد الملايين في الشوارع بالأمس، يضعنا أمام حقيقة مرة: العالم القديم يتداعى.

أمريكا التي كانت “شرطي العالم” تتحول الآن إلى “ساحة صراع” داخلي.
بالنسبة لنا، فإن ما يحدث في واشنطن اليوم هو “آخر الكلام” في كتاب السياسة الدولية القديم.

نحن بصدد ولادة عالم جديد، لا يُحكم بالقوانين، بل بالقوة والمصالح الضيقة.

والسؤال الذي يطرحه هارتمان ويتردد صداه من واشنطن إلى القاهرة: إذا سقطت الديمقراطية في مهدها.. فأين المفر؟

شارك المقال: