علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
محمد سعد عبد اللطيف
محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

محمد سعد عبد اللطيف يكتب: اللوبي العربي في الغرب!

اللوبي لا ينتظر وقوع الأزمة حتى يتحرك، وإنما يعمل قبلها بسنوات، ويملك المعلومات والخبراء والعلاقات والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد معركة النفوذ في العالم المعاصر تُدار فقط من خلال الجيوش والتحالفات العسكرية والاتفاقيات الاقتصادية، فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية تدور داخل مراكز صنع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية، حيث تُصاغ التشريعات وتُرسم السياسات وتُحدد أولويات المصالح الدولية.

ومنذ أكثر من عقدين طُرحت أفكار على أيدي عدد من المفكرين والباحثين العرب حول ضرورة تحويل الوجود العربي والإسلامي في الولايات المتحدة وأوروبا إلى قوة ضغط سياسية منظمة، قادرة على التأثير في القرار الغربي والدفاع عن القضايا العربية داخل المؤسسات التي تصنع السياسات الدولية.

كانت الفكرة تقوم على أن الجاليات العربية لا ينبغي أن تظل مجرد تجمعات بشرية واقتصادية وثقافية، وإنما يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية تمتلك أدوات التأثير والمشاركة في صناعة القرار.

واليوم تعود هذه الفكرة بقوة مع التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، وصعود أجيال جديدة من أبناء المهاجرين إلى مواقع سياسية وتشريعية، في وقت تتراجع فيه قدرة بعض جماعات الضغط التقليدية على حسم المعارك الانتخابية كما اعتادت في السابق.

من الجالية إلى اللوبي السياسي

المشكلة العربية في الغرب لم تكن يوماً في غياب الأعداد أو الكفاءات أو الإمكانات الاقتصادية، وإنما في غياب المشروع السياسي المشترك القادر على تحويل هذه العناصر إلى قوة مؤثرة.

فالجاليات العربية والإسلامية تمتلك حضوراً واسعاً في الجامعات ومراكز الأبحاث والاقتصاد والطب والهندسة والإعلام، لكنها ظلت في كثير من الأحيان موزعة بين انتماءات قطرية ومؤسسات متفرقة، بينما استطاعت جماعات ضغط أخرى بناء شبكات ممتدة داخل الكونجرس ومجلس الشيوخ والإدارات الأمريكية ومراكز صناعة القرار.

وهنا يجب أن ندرك الفارق بين وجود جالية عربية وبين وجود لوبي عربي، فالجالية تعيش داخل المجتمع الغربي وتشارك في اقتصاده وثقافته، أما اللوبي السياسي فيمتلك رؤية ومؤسسات وبرامج عمل وشبكات علاقات وقدرة على التأثير في التشريعات والانتخابات والسياسات العامة.

والمقصود ليس إنشاء كيان عرقي أو ديني في مواجهة جماعة أخرى، وإنما تأسيس قوة ضغط مدنية مستقلة تعمل وفق القوانين الديمقراطية، وتنافس جماعات المصالح القائمة من خلال المؤسسات والانتخابات والعمل القانوني المنظم.

الجيل الثالث.. التحول من الاندماج إلى صناعة القرار

أحد أهم التحولات التي يمكن البناء عليها هو صعود الجيل الثالث من أبناء المهاجرين العرب والمسلمين.

هذا الجيل لم يعد ينظر إلى نفسه باعتباره مجرد امتداد لجالية مهاجرة تبحث عن الاندماج أو حماية حقوقها، بل أصبح جزءاً من المجتمع الذي يشارك في انتخاب ممثليه وصناعة مستقبله.

إن وصول أبناء الجاليات إلى المجالس المحلية والبرلمانات والكونجرس ومجلس الشيوخ يمثل انتقالاً من مرحلة الدفاع عن الهوية إلى مرحلة المشاركة في صناعة القرار.

هذا الجيل يتحدث لغة المجتمع الذي يعيش فيه، ويفهم آليات المؤسسات السياسية، ويمتلك القدرة على مخاطبة الناخب الأمريكي والأوروبي من داخل قضاياه اليومية، وليس فقط من خلال أزمات الشرق الأوسط.

ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في هذا الجيل وتأهيله للعمل العام والسياسي، وتشجيعه على خوض الانتخابات المحلية والتشريعية، حتى لا تظل المشاركة العربية مجرد حضور رمزي في المناسبات السياسية، وإنما تتحول إلى تمثيل حقيقي داخل مؤسسات الدولة.

الانتخابات الأمريكية.. بداية مرحلة جديدة

جاءت الانتخابات الأمريكية الأخيرة لتعيد طرح مسألة النفوذ العربي والإسلامي داخل المؤسسات التشريعية، مع صعود شخصيات من أصول عربية وإسلامية إلى مواقع سياسية مهمة.

ويعكس وصول شخصيات من هذا الجيل إلى المؤسسات التشريعية تحولاً في طبيعة المشاركة السياسية للجاليات، خصوصاً في الولايات التي تضم تجمعات عربية كبيرة مثل ميشيجان.

لكن أهمية هذه التحولات لا تتوقف عند فوز مرشح أو وصول نائب إلى الكونجرس أو مجلس الشيوخ، وإنما تكمن في إمكانية تحويل هذه النجاحات الفردية إلى شبكة سياسية ومؤسسية مستدامة.

فالمقعد البرلماني لا يصنع وحده لوبي سياسياً، لكنه يمكن أن يكون نقطة انطلاق لبناء علاقات مع المؤسسات التشريعية، وفتح قنوات للحوار والتأثير، ونقل القضايا العربية إلى دوائر النقاش السياسي الأمريكي.

أيباك.. هل تتغير معادلة النفوذ؟

على مدى عقود شكلت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة باسم أيباك واحدة من أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، واستطاعت بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية، وأصبحت رقماً مؤثراً في كثير من المعارك الانتخابية والتشريعية.

لكن الانتخابات الأخيرة أعادت فتح النقاش حول حدود نفوذ جماعات الضغط، ومدى قدرتها على حسم اختيارات الناخبين.

فالمعارك الانتخابية التي شهدتها ولاية ميشيجان أظهرت أن الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه جماعات الضغط لا يضمن بالضرورة فوز المرشح الذي تسانده، وأن الناخب الأمريكي يمتلك في النهاية قراره الانتخابي وفقاً لمجموعة من الاعتبارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولا يعني ذلك انهيار أيباك أو انتهاء نفوذها، فالمؤسسات الراسخة لا تُقاس نتائجها بمعركة انتخابية واحدة، وإنما بقدرتها على الاستمرار وبناء التحالفات والتأثير في التشريعات.

لكن الدرس الأهم أن احتكار التأثير السياسي لم يعد أمراً مضموناً، وأن ظهور قوى اجتماعية جديدة وتنظيمها داخل المؤسسات الديمقراطية يمكن أن يغير بعض موازين النفوذ.
وهنا تبرز الفرصة أمام الجاليات العربية لتجاوز مرحلة رد الفعل والانتقال إلى بناء حضور سياسي منظم ومستقل.

كيف يتأسس اللوبي العربي؟

إن تأسيس لوبي عربي مؤثر لا يبدأ بإعلان سياسي أو مؤتمر احتفالي أو تشكيل مجلس يحمل اسماً كبيراً، وإنما يحتاج إلى مشروع مؤسسي طويل الأمد.

البداية تكون بإنشاء مظلة مدنية مستقلة تضم المؤسسات العربية الأمريكية والإسلامية، وتعمل على تنسيق الملفات المشتركة مع احترام اختلاف الانتماءات والتوجهات السياسية لكل جالية.

ثم يأتي دور تأسيس مركز دراسات واستشارات سياسية في واشنطن، يمتلك خبراء في العلاقات الدولية والقانون والاقتصاد والسياسة الأمريكية، ويعمل على إعداد الأبحاث والتقارير وأوراق السياسات وتقديمها إلى أعضاء الكونجرس ومراكز الأبحاث ومؤسسات صنع القرار.

كما ينبغي إنشاء برامج لتأهيل الشباب من أبناء الجاليات للعمل السياسي والبرلماني والإعلامي، وتدريبهم على إدارة الحملات الانتخابية وفهم التشريعات وآليات التمويل السياسي القانوني.

ومن الضروري أيضاً بناء شبكة علاقات مع الجامعات والنقابات والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، لأن التأثير السياسي لا تصنعه الأحزاب والمرشحون وحدهم، وإنما تصنعه المعرفة والرأي العام والتحالفات المجتمعية.

ويظل الإعلام أحد أهم أدوات هذا المشروع، من خلال تأسيس منصات ومراكز إعلامية قادرة على تقديم الرواية العربية إلى المجتمع الغربي بلغة يفهمها، وبخطاب مهني يستند إلى الحقائق والقانون والمصالح المشتركة.

من الاحتجاج إلى التأثير في القرار

أحد أوجه القصور في الحضور العربي داخل الغرب هو أن النشاط السياسي يرتبط في أحيان كثيرة باندلاع الأزمات والحروب.

فعندما تندلع حرب في فلسطين أو تتصاعد أزمة في الشرق الأوسط تتحرك الجاليات في مظاهرات واحتجاجات واسعة، ثم ينحسر النشاط مع تراجع الأحداث، بينما تستمر جماعات الضغط الأخرى في العمل طوال العام داخل المؤسسات السياسية والتشريعية.

هذا هو الفارق بين حركة احتجاجية وبين لوبي سياسي حقيقي

فاللوبي لا ينتظر وقوع الأزمة حتى يتحرك، وإنما يعمل قبلها بسنوات، ويملك المعلومات والخبراء والعلاقات والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

كما أن المشروع العربي لا ينبغي أن يقتصر على القضية الفلسطينية أو الصراع العربي الإسرائيلي، رغم أهمية هذه الملفات، بل يجب أن يمتد إلى حماية حقوق الجاليات ومواجهة التمييز والعنصرية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية، والدفاع عن المصالح العربية في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي والهجرة.

والأهم أن يحتفظ هذا المشروع باستقلاليته، فلا يتحول إلى أداة في يد الحكومات أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، وإنما يكون صوتاً مدنياً يعبر عن المصالح والحقوق المشتركة للعرب داخل المجتمعات التي أصبحوا جزءاً منها.

اللحظة التي لا ينبغي أن تضيع

إن صعود أبناء الجاليات العربية والإسلامية إلى مواقع سياسية وتشريعية في الولايات المتحدة وأوروبا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير في مستقبل النفوذ العربي خارج حدود المنطقة.

لكن السؤال الحقيقي هو هل تستطيع المؤسسات العربية الانتقال من الاحتفاء بالنجاحات الفردية إلى بناء مشروع جماعي يمتلك مراكز أبحاث وأدوات إعلامية ومؤسسات ضغط وقيادات سياسية منتخبة؟

إن العرب ليسوا مطالبين باستنساخ تجربة أيباك أو تقليد جماعات الضغط الأخرى، وإنما ببناء نموذج ديمقراطي مستقل يستند إلى قوة المعرفة والتنظيم والتمثيل السياسي والعمل المؤسسي.

لقد أثبتت التجربة أن الطريق إلى التأثير لا يمر فقط عبر السفارات والعلاقات الرسمية، وإنما يمر أيضاً عبر صناديق الانتخابات ومكاتب أعضاء الكونجرس ومراكز الأبحاث والمؤسسات المدنية.

ومن هنا لم يعد السؤال لماذا لا يمتلك العرب لوبي مؤثراً في الغرب، وإنما لماذا تأخروا كل هذه السنوات في تحويل وجودهم البشري والاقتصادي والعلمي إلى قوة سياسية منظمة؟

إن الجغرافيا العربية لم تعد محصورة في حدود الدول، فهناك جغرافيا بشرية وسياسية جديدة تتشكل داخل المجتمعات الغربية، ويمكن أن تصبح جسراً للمصالح العربية إذا امتلكت الرؤية والتنظيم والقدرة على العمل المشترك.

فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول داخل حدودها، وإنما أيضاً بقدرتها على التأثير فيما يُصنع خارج تلك الحدود.

شارك المقال:

شاركنا برأيك