علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
دكتور مهندس/ مالك علي دنقلا
دكتور مهندس/ مالك علي دنقلا

المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية

الابتكار والذكاء الاصطناعي في صناعة المقاولات من التجارب التقنية إلى التطبيقات العملية

قدمت شركة "إيه تي أو إم" تطبيقات تستخدم الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لفحص الرافعات والجسور ومقارنة البيانات الميدانية بالمخططات، بهدف اكتشاف الأخطاء والمخاطر مبكراً.

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في معرض الابتكار بمؤتمر الاتحاد العالمي للبناء

تشهد صناعة التشييد والبناء تحولا تكنولوجيا متسارعا يعيد تشكيل أساليب التصميم والتنفيذ والإدارة والتشغيل، ويجعل الابتكار والذكاء الاصطناعي من العوامل المؤثرة في إنتاجية الشركات وقدرتها التنافسية، فلم يعد الابتكار مقتصرا على تطوير معدات ومواد بناء جديدة، بل امتد إلى تحسين العمليات الإنشائية، وتحليل البيانات، وتطوير القرارات الهندسية، وتعزيز السلامة، وترشيد الموارد وخفض الانبعاثات.

وقد عكست فعاليات المؤتمر السنوي للاتحاد العالمي للبناء، الذي عقد في باريس يوم 4 نوفمبر 2026 تحت عنوان “بناء ما يهم: مواءمة الطموحات التنموية مع خبرات صناعة التشييد” أهمية هذا التحول من خلال جلسات المؤتمر وجوائز الابتكار والمعرض المصاحب.

كما أتاحت الزيارة الفنية إلى مركز “سكيل ون” التابع لشركة “بويج للإنشاءات” فرصة للاطلاع على تجربة تربط البحث والتطوير بالتجريب والتطبيق العملي.

حيث تتمثل القضية الأساسية في كيفية الانتقال من استعراض التقنيات الحديثة إلى تبنيها على نطاق أوسع، وتحويلها إلى نتائج ملموسة في الإنتاجية والجودة والسلامة والاستدامة.

أولاً: التحول نحو الجيل الخامس من صناعة التشييد ودور الإنسان والتكنولوجيا

برز في برنامج المؤتمر مفهوم “الجيل الخامس من صناعة التشييد”، الذي يركز على التكامل بين الإنسان والتكنولوجيا، وشارك في مناقشته عدد من المتخصصين، من بينهم المهندسة والباحثة الاجتماعية ديميت ديميرير، رئيسة مجموعة العمل المعنية بهذا التوجه في الاتحاد العالمي للمقاولين، وتيم ميستر، مدير الابتكار في الذكاء الاصطناعي بجامعة دلفت للتكنولوجيا.

ويقوم هذا التوجه على توظيف التقنيات المتقدمة لتعزيز دور الإنسان، ورفع الإنتاجية، وتحسين ظروف العمل، ودعم الاستدامة والقدرة على مواجهة التحديات.

فالهدف ليس استبدال المهندسين والفنيين والعمال بالتكنولوجيا، وإنما تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة وسلامة أكبر، والاستفادة من الأنظمة الذكية في المهام المتكررة أو عالية الخطورة.

ويتطلب ذلك تطوير المهارات المهنية، وتحديث أساليب العمل، وتحديد المسؤولية عن القرارات التي تسهم الأنظمة الذكية في اتخاذها.

ثانياً: الابتكار يبدأ من احتياجات التنمية

من أبرز الدروس التي فرضتها موضوعات المؤتمر أن التكنولوجيا ينبغي أن ترتبط باحتياجات المجتمعات الفعلية، لا أن يكون استخدامها غاية في حد ذاته.

فالدول التي تواجه نقصاً في المدارس والمراكز الصحية والمساكن الميسورة تحتاج إلى حلول تتيح تنفيذ مشروعات جيدة بتكلفة مناسبة، مع ضمان كفاءة التشغيل والصيانة.

وهنا تتضح أهمية التصميمات القياسية الملائمة للمناخ، والتصنيع المسبق، والبناء المعياري، ونمذجة معلومات البناء، لما توفره من فرص لتقليل زمن التنفيذ وتحسين الجودة.

لكن الاستفادة من هذه التقنيات تتطلب تكييفها مع الموارد والخبرات المحلية، وتوفير التدريب ونقل المعرفة، وتقييم جدواها وفق التكلفة الإجمالية للمشروع طوال دورة حياته، وليس وفق تكلفة المعدات أو سرعة التنفيذ وحدهما.

ثالثاً: خريطة الاتحاد العالمي لتكنولوجيا التشييد والعقار

من المبادرات التي شهدها برنامج المؤتمر إطلاق خريطة الاتحاد العالمي لتكنولوجيا التشييد والعقار في 8 يونيو 2026، بهدف التعريف بالشركات الناشئة ومقدمي التكنولوجيا ومراكز البحث والتطوير وحاضنات الأعمال، وربطها بشركات المقاولات والمستثمرين والمؤسسات المهنية.

وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من كونها منصة مستمرة للتواصل والتعاون، وليست مجرد معرض يرتبط بموعد انعقاد المؤتمر، كما تستهدف نشر الحلول المتعلقة بالتحول الرقمي وخفض الانبعاثات وتطوير البنية التحتية المستدامة.

وقد أتاح معرض الابتكار المصاحب للمؤتمر الاطلاع على تطبيقات متنوعة في إدارة المشروعات والتصميم والسلامة والطاقة والمواد.

ومع ذلك، فإن عرض الشركات لحلولها لا يعني بالضرورة ثبوت جدواها على نطاق واسع؛ إذ يتطلب اعتمادها اختباراً مستقلاً وتقييماً فنياً واقتصادياً.

رابعاً: الذكاء الاصطناعي في إدارة المشروعات والتصميم والسلامة

عرض المعرض مجموعة من التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، من أبرزها منصة “تراس” التي تستخدم أنظمة ذكية لتنظيم المستندات والموافقات والمدفوعات ومتابعة إجراءات العمل في المشروعات الإنشائية، مع توفير دعم للغة العربية واستهداف أسواق الخليج والمنطقة.

كما قدمت شركة “كرين تكنولوجي” حلولا لتوثيق أوامر العمل والفحوص والسجلات الميدانية والمستخلصات، بما يساعد على الحد من تشتت المعلومات وتأخر الاعتمادات والخلافات حول الأعمال المنفذة.

ويمكن أن يسهم التوثيق الإلكتروني في تقليل النزاعات وتحسين التدفقات النقدية، بشرط الاعتراف بالسجلات الرقمية تعاقدياً، وحماية البيانات، وإخضاع القرارات المالية والتعاقدية المهمة للمراجعة البشرية.

وفي مجال التصميم الإنشائي، عرضت شركة “ستركتشر بال” تطبيقات للذكاء الاصطناعي تستهدف تحسين التصميم وتقليل استخدام المواد والتكاليف والانبعاثات.

وأشارت الشركة إلى إمكان تحقيق تخفيضات تقارب 15% في بعض مؤشرات التكلفة وكميات الخرسانة، وفق بياناتها، الا أن اعتماد هذه الحلول يظل مشروطا بالتحقق الهندسي والالتزام بالأكواد والمعايير الفنية، مع بقاء المسؤولية النهائية للمهندس المصمم.

أما في مجال المعدات والسلامة، فقد عرضت شركة “سكاي لاين كوكبيت” حلولا لربط تشغيل الرافعات البرجية بإدارة المشروعات، من خلال جمع بيانات التشغيل وصور مواقع البناء وتحليلها لتحسين التخطيط والإنتاجية.

وقدمت شركة “إيه تي أو إم” تطبيقات تستخدم الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لفحص الرافعات والجسور ومقارنة البيانات الميدانية بالمخططات، بهدف اكتشاف الأخطاء والمخاطر مبكراً.

كما عرضت شركة “شيرينج ووركر” أجهزة متصلة ترصد المواقف الخطرة وتصدر تنبيهات فورية للعمال ومشغلي المعدات.

وتعكس هذه التطبيقات تحولاً نحو استخدام البيانات والتنبيه المبكر في إدارة المخاطر، لكنها تظل مكملة لإجراءات السلامة والتدريب والإشراف المهني، مع ضرورة التحقق من دقتها ومدى ملاءمتها لظروف التشغيل المختلفة.

خامساً: المواد المستدامة وكفاءة الطاقة

استعرض المعرض تجربة شركة “أبريجا” الأرجنتينية في تحويل صوف الأغنام الخشن إلى مواد للعزل الحراري والصوتي، بما يقدم نموذجا للاستفادة من الموارد الطبيعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، واشارت الشركة إلى استخدام منتجاتها في أكثر من 380 مشروعا إنشائيا.

كما قدمت شركة “أفيناس” إضافات متقدمة لتحسين أداء الطلاءات والأغشية المستخدمة في عزل الواجهات والأسقف والنوافذ الزجاجية.

وفي مجال كفاءة الطاقة، عرضت شركة “أريكا – كونس آب” التركية أنظمة متكاملة للتدفئة والتهوية وتكييف الهواء، تجمع بين المضخات الحرارية واستعادة الحرارة والتحكم الذكي.

وتكتسب هذه الحلول أهمية خاصة في الدول التي تواجه ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على التبريد والطاقة. ويبقى اختيارها مرتبطاً بتقييم أدائها ومتانتها وسلامتها وتكلفتها طوال دورة الحياة، ومدى ملاءمتها للمناخ المحلي والمعايير الفنية.

مؤتمر إطلاق خريطة الاتحاد العالمي لتكنولوجيا التشييد
مؤتمر إطلاق خريطة الاتحاد العالمي لتكنولوجيا التشييد

سادساً: تجربة مركز “سكيل ون”.. من الابتكار إلى التطبيق

مثلت الزيارة الفنية إلى مركز “سكيل ون” التابع لشركة “بويج للإنشاءات” إحدى المحطات المهمة المصاحبة للمؤتمر، لما تقدمه من نموذج يربط البحث والتطوير باختبار الحلول التقنية وأساليب التنفيذ الجديدة في بيئة تطبيقية، في مجالات تشمل الروبوتات والتصنيع بالإضافة والمواد المبتكرة وتطوير أساليب البناء.

وتبرز من هذه التجربة عدة دروس:

أولها أن نجاح التكنولوجيا في المختبر لا يكفي لإثبات جدواها ما لم تختبر في ظروف قريبة من واقع التنفيذ.

ثانيها أن الابتكار يحتاج إلى تعاون مستمر بين المقاولين والمهندسين والباحثين والمصنعين ومطوري التكنولوجيا.

ثالثها ضرورة قياس أثر الحلول الجديدة في الإنتاجية والتكلفة والجودة والسلامة والاستدامة، أما الدرس الرابع فيتمثل في أن نقل المعرفة إلى الشركات والأسواق المختلفة شرط لتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي للابتكار.

ومن هنا تتضح أهمية دراسة إقامة شراكات بين مراكز الابتكار الدولية واتحادات المقاولين في الدول الإسلامية والعربية والأفريقية.

سابعاً: المغرب ومعرض البناء الدولي.. منصة لنقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر

شاركت المملكة المغربية في المؤتمر من خلال السيد محمد محبوب، رئيس الجامعة الوطنية للبناء والأشغال العمومية بالمغرب، والسيد توفيق شيرادي، رئيس لجنة التشغيل والتكوين بالجامعة، الامر الذي يفتح المجال لتعزيز التعاون بين الاتحادات المهنية في مجالات الابتكار والتأهيل.

وتأتي هذه المشاركة بالتزامن مع استعداد المغرب لاستضافة الدورة العشرين للمعرض الدولي للبناء خلال الفترة من 25 إلى 29 نوفمبر 2026، بمركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة، وفق الدعوة الرسمية الموجهة إلى اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية.

وشملت الدعوات السيد شريف وهبي، نائب رئيس اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، ورئيسي الاتحاد الأفريقي لمنظمات مقاولي الإنشاءات واتحاد المقاولين العرب، إلى جانب المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، بما يعكس التوجه إلى توسيع المشاركة الإقليمية.

ويمثل المعرض فرصة لجمع شركات المقاولات والموردين ومطوري التكنولوجيا والمهندسين والمؤسسات المهنية، والتعريف بالحلول الحديثة وتبادل الخبرات وبناء الشراكات.

كما يمكن أن يكمل الدور الذي يؤديه مؤتمر الاتحاد العالمي للبناء، من خلال نقل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والسلامة الذكية والمواد المستدامة وكفاءة الطاقة إلى الأسواق المحلية والإقليمية.

وتكتسب مشاركة السيد توفيق شيرادي أهمية خاصة لارتباطها بالتشغيل والتكوين؛ حيث يتوقف نجاح التحول التكنولوجي على توافر كوادر هندسية وفنية قادرة على استخدام التقنيات الحديثة وإدارتها وصيانتها.

من هنا يمكن أن يشكل التعاون بين الجامعة المغربية واتحادات المقاولين الإسلامية والعربية والأفريقية أساسا لبرامج مشتركة في التدريب والتحول الرقمي ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تنظيم لقاءات تجمع الشركات الناشئة والمقاولين والمستثمرين، وتشجيع المشروعات التجريبية والشراكات العابرة للحدود.

ثامناً: الابتكار والتمويل وإعداد المشروعات

لا يمكن للتكنولوجيا أن تحقق أثرها التنموي الكامل إذا ظلت المشروعات تعاني ضعف الإعداد أو غياب التمويل أو اختلال توزيع المخاطر.

وقد أكدت الرؤية المعدة لمشاركة المهندس زكريا بن عبدالرحمن العبدالقادر أهمية الانتقال من تحديد الاحتياجات إلى إعداد مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، من خلال التعاون المبكر بين الحكومات والممولين والمقاولين والمشغلين.

ويمكن للابتكار أن يدعم هذه العملية عبر النمذجة الرقمية وتحليل البدائل وتقدير التكاليف وتقييم المخاطر وإعداد خطط التشغيل والصيانة، فضلاً عن تحسين كفاءة مشروعات الإسكان والمدارس والمستشفيات من خلال التصميمات القياسية والتصنيع المسبق وأنظمة الطاقة الذكية.

وتتضح هنا أهمية توظيف أدوات التمويل الإسلامي، مثل الصكوك، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المختلط، ضمن هياكل تتناسب مع طبيعة المشروعات.

فالابتكار لا يقتصر على التكنولوجيا المستخدمة في البناء، بل يشمل أيضاً تطوير نماذج التمويل والتعاقد والتشغيل.

تاسعاً: الشفافية والحوكمة في عصر التحول الرقمي

خصص المؤتمر محوراً للنزاهة والشفافية، شارك فيه جون هوكينز، مدير البرامج في مبادرة الشفافية في البنية التحتية، وشهد الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين المبادرة والاتحاد العالمي للبناء، بما يعكس أهمية التعاون المؤسسي في تعزيز الحوكمة.

تزداد أهمية هذا الملف مع التوسع في استخدام الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فالرقمنة تحسن التوثيق وإتاحة المعلومات ومتابعة الأداء، لكنها تفرض تحديات تتعلق بجودة البيانات والأمن السيبراني والخصوصية والمسؤولية القانونية.

لذلك ينبغي أن يقترن التحول الرقمي بقواعد واضحة لحوكمة المعلومات، ومراجعة القرارات واعتمادها، وضمان قابلية السجلات للتدقيق، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الشفافية والثقة بين أطراف المشروع.

عاشراً: المشاركة الإسلامية والعربية والأفريقية وفرص نقل التكنولوجيا

شهد المؤتمر حضوراً مهماً لقيادات اتحادات المقاولين الإسلامية والعربية والأفريقية؛ فقد شارك المهندس زكريا بن عبدالرحمن العبدالقادر، رئيس اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، في جلسة البنية التحتية الاجتماعية، كما انتُخب المهندس علي فاخر السنافي، رئيس اتحاد المقاولين العرب، نائباً لرئيس الاتحاد العالمي للمقاولين.

وشملت المشاركة المهندس حسن عبدالعزيز، رئيس الاتحاد الأفريقي لمنظمات مقاولي الإنشاءات، والسفير حاتم تاج الدين، الأمين العام للاتحاد الأفريقي، الذي أدار جلسة التنقل والربط بين المدن والمناطق، بجانب مشاركة المهندس حمدي شحاتة، الأمين العام لاتحاد المقاولين العرب.

كما ضم الحضور الأفريقي، ممثلين عن 11 دولة هي: مصر وليبيا والمغرب والنيجر وتوجو وإثيوبيا وغانا وأوغندا وزيمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون.

وتكمن أهمية هذا التمثيل في اتساع احتياجات الدول الأفريقية لتطوير البنية التحتية، وما تتيحه التقنيات الحديثة من فرص لتحسين التصميم والتنفيذ وإدارة المشروعات.

كما يمكن للتنسيق بين الاتحادات الإقليمية والاتحاد العالمي أن يسهم في تيسير وصول الحلول المناسبة إلى الأسواق المحلية، ودعم مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة في التحول التكنولوجي.

حادي عشر: برنامج عمل مقترح لنقل الابتكار وبناء القدرات

في ضوء موضوعات المؤتمر ومذكرة التفاهم الموقعة بين اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية والاتحاد العالمي للمقاولين في واشنطن، يمكن اقتراح برنامج تعاون يقوم على خمسة محاور:

1- إنشاء شبكة مشتركة لنقل المعرفة والابتكار: للتعريف بالتقنيات التي أثبتت جدواها، وتبادل الخبرات بين الشركات والاتحادات ومراكز البحث والتطوير.

2– تطوير برامج تدريب متخصصة: تشمل الذكاء الاصطناعي، ونمذجة معلومات البناء، وإدارة البيانات، والتصنيع المسبق، والسلامة الذكية، وكفاءة الطاقة.

3- تنفيذ مشروعات تجريبية مشتركة: في الإسكان والمدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية، لاختبار تقنيات محددة وقياس أثرها الفني والاقتصادي.

4- دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة: بتيسير حصولها على الأدوات الرقمية والتدريب، وتعزيز شراكاتها مع الشركات الكبرى ومقدمي التكنولوجيا.

5– ربط الابتكار بإعداد المشروعات والتمويل: بالتعاون مع المؤسسات التمويلية والتنموية، لتحديد التقنيات التي تحسن فرص تمويل المشروعات وتخفض تكلفتها الإجمالية.

ويمكن الاستفادة في تنفيذ هذا البرنامج من خريطة الاتحاد العالمي لتكنولوجيا التشييد والعقار، ومن المعارض الإقليمية، وفي مقدمتها معرض البناء الدولي بالمغرب، للتعرف على الشركات ومراكز البحث والتقنيات المناسبة.

ثاني عشر: قياس العائد الحقيقي من التكنولوجيا

يجب ألا يستند قرار الاستثمار في الابتكار إلى حداثة التقنية أو شهرتها، بل إلى نتائج قابلة للقياس، من أهمها: زيادة إنتاجية العمالة والمعدات، وخفض تكاليف التنفيذ والتشغيل، وتقليل الهدر وإعادة الأعمال، وتحسين السلامة المهنية، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه وخفض الانبعاثات، ورفع جودة المشروعات وموثوقية الأصول.

ويقتضي ذلك إجراء تجارب عملية ومقارنة نتائجها بأساليب التنفيذ التقليدية، مع مراعاة اختلاف ظروف المشروعات والأسواق، كما يشمل التقييم أثر التكنولوجيا في تنمية المهارات وتوطين المعرفة وتوفير فرص العمل، لا سيما في الدول النامية.

خاتمة: من استعراض الابتكارات إلى بناء صناعة تخدم المجتمعات

أكدت فعاليات مؤتمر الاتحاد العالمي للمقاولين لعام 2026 أن مستقبل صناعة المقاولات يرتبط بقدرتها على الجمع بين الابتكار والكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية والاستدامة البيئية.

وقد قدم معرض الابتكار نماذج متنوعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتوثيق الرقمي والسلامة الذكية وتحسين التصميم والمواد المستدامة وكفاءة الطاقة، فيما اوضحت تجربة مركز “سكيل ون” أهمية الانتقال من البحث والتطوير إلى الاختبار والتطبيق العملي.

لكن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تتحقق بمجرد عرضها أو استخدامها في مشروعات محدودة، وإنما بقدرتها على مساعدة الدول في توفير الإسكان والمدارس والمستشفيات والمياه والطاقة وشبكات النقل بكفاءة أعلى واستدامة أكبر.

وفي هذا الإطار، يمثل الحضور الإسلامي والعربي والأفريقي في المؤتمر، وانتخاب المهندس علي فاخر السنافي نائبا لرئيس الاتحاد العالمي للمقاولين، فرصة لتعزيز التعاون المؤسسي ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الأسواق التي تحتاج إليها.

كما يقدم معرض البناء الدولي بالمغرب نموذجا لمنصات مهنية يمكن أن تربط المؤتمرات الدولية بالتدريب والاستثمار والشراكات الاقتصادية.

اخيرا فإن مستقبل صناعة المقاولات لن يقاس فقط بما تمتلكه من تقنيات متقدمة، بل بقدرتها على تحويل هذه التقنيات إلى مشروعات أجود وأقل تكلفة، وشركات أكثر إنتاجية، وكوادر أكثر تأهيلاً، ومجتمعات أقدر على مواجهة تحديات التنمية والمناخ،

وهذا هو جوهر شعار المؤتمر: أن نبني ما يهم، وأن نوجه خبرات الصناعة وابتكاراتها نحو تحقيق قيمة حقيقية ومستدامة للإنسان والمجتمع.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.